الأحــد الثاني لأيلــيا

الأحــد الثاني لأيلــيا 

2015.09.06

يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< متى 13: 1-23 >::- ويُخبر عن بدء يسوع التحَّدثَ بالأمثال. و أول مثل هو عن الزارع والبذر الذي يسقط على أنواع مختلفة من الأرض : قارعة الطريق ، أرض صخرية ، أرض مشوَّكة، وأرض جيدة لآحتضان الزرع وإنباته وإنمائه وإخصابه.  كان الكلام موَّجها الى الجموع ، من عامة الشعب البسيط ، المحتشدة حول يسوع. تدَّخَلَ الرسلُ محتجين أنَّ الجموع لم تفهم فحوى تعليم المثل. ربما الرسل أنفسهم لم يفهموا تعليم يسوع فآعترضوا عليه بأسلوب ” نازوك”!. فآضطر يسوع إلى أن يُفَّسرَها للرسل وحدَهم

لم يُعطوا معرفة سر ملكوت السماوات 

أما تفسير المثل فيمكن للقاريء الكريم أن يطلع عليه في الأنجيل (الآيات 18-23). نتوقف نحن عند سر الملكوت الذي كُشِف للبعض وليس لجميع السامعين

يسعى يسوع الى تأسيس مملكة الله على الأرض. ومملكة الله روحية تنبني على حجر زاوية الخيرات الألهية الأزلية ،على الحَّق والمحبة. أما خيرات العالم فتقوم على أساس المال و السلاح ، الشهوة والعنف ، التي هي خيرات جسدية زمنية تزول مع الجسد الذي يفنى بعد الموت. مملكة الله تقوم على ما لا يزول ، على الخيرات التي تخلد للأبد. والأنسان الذي اختار، منذ البداية ، خيرات الزمن الحسية الزائلة ليس مؤهلا فطريا لأن يستوعب ما هو روحي محض ، لاسيما ولم يختبره بعد في حياته

هكذا لم تكن جماهيرُ العبرانيين ، رغم كل ما عمله الله لتوعيتهم بالروحانيات ودعوتهم الى ممارستها، مستعدةً لأن تستوعبَ رسالة يسوع. لم تكن قادرة على أن تتصوَّر مملكة تسودها مباديءُ الحق والحب بدون ملك وجيش وسلاح وحروب. ظلت فكرة مملكة زمنية عالقة في أذهان الناس حتى عقدوا الآمال العريضة على يسوع ليُعيدها الى النور حتى بعد قيامته ، سائلين بشوق ولهفة : ” يا رب أ  في هذا الزمن تُعيد الملك الى إسرائيل”؟ (أع1: 6). لذا نعتهم يسوع ، و طبق عليهم نبوءة  إشعيا الذي رصد هذه الحالة ، فقال  :” إنهم ينظرون و لا يُبصرون، و يُصغون ولا يسمعون ولا يفهمون” (آية 13؛ اش6: 9-13)

لا ينوي يسوع أن يغامر بزرع بذرة الحق والحب ، رغم دعوته اليها، وبكلام مكشوف صريح ، في نفوس جميع سامعيه. إنها عملية فاشلة. لأنها تبقى خيالية وسطحية عاجزة عن تغيير ما في داخلهم المتحَّجر. عليه أن يُكَّوِن فريقا من المتطوعين المنفتحين لروح الله ، يُعاينون فيه نموذج مملكة الخيرات الروحية ، ويُدّربهم على ممارستها والتشَّبث بها ، فيكونوا أولَ فريق عمل نموذجي لتأسيس وحماية مملكة الله على الأرض

أما أنتم فطوبى لكم 

وهذا الفريق هو الرسل المختارون تساندهم مجموعة من المؤيدين هم التلاميذ. أولئك لم يُعطوا ما أعطي لهؤلاء من معرفة أسرار مملكة الله (آية 11). عليه أضاف يسوع :” أما أنتم فهنيئًا لكم لأنَّ عيونكم تُبصر وآذانكم تسمع” (آية 16). إنهم نخبة مختارة بين الذين كانوا يشتاقون إلى مملكة روحية يحكم فيها الله لا البشر، يسود فيها الحق والعدالة لا الظلم و الأنانية ، ترويها سواقي الحب والإخاء لا أطيان الكره والبغض والحقد والخبث. رغم تحَّجر العقول وقساوة القلوب إلا أنَّ روح الله كان ما يزال يعملُ فيُهَّييء البيئة ليجد كلامُ الله نفوسًا عطشى اليه و مستعدة لأن تتبَّناه وتتمسَّك به وتسمو به فوق كل القيم

مع هؤلاء لا يتردَّدُ يسوع في أن يغوص الى عمق الحقيقة فيكشف لهم أسرار ملكوت الله. فيجلس بهدوء ويبدأ مثل أي معلم غيور يُفَّسرُ لهم ما رفضه لغيرهم. هم قاعدة مملكته و قادتها. يعيشُ بينهم ويطّبقُ ما يدعوهم إليه. يعطيهم المثل. ولا يدع غموضا لهم على تعليمه إلا وشرحه لهم بتفاصيل العبارة حتى لا تفوتهم في المستقبل حتى ولا كلمة فتحَّيرهم. إنهم حملة مشعل الحق ونوره الى العالم ،” أنتم نور العالم ” ونموذج الحياة التي يقتدي بها غيرهم (: إقتدوا بي كما أنا أقتدي بالمسيح” ـ 1كور11: 1)،” أنتم ملح الأرض” (متى5: 13-14). إنَّ مشيئة الله أن يكون رسله وتلاميذه قديسين (1تس4: 3)، ويُسكتوا بأعمالهم الصالحة جهالة الأغبياء (1بط2: 15). مع تدريبه لهم على نموذج حياته يغرس يسوع فيهم علمَه فيجعلهم صورة منه ، ليهضموه بحيث تصبحُ حياتُه حياتَهم (: فما أنا أحيا بعدُ ، بل المسيح يحيا فيَّ ـ غل2: 20) ، فيُصبحون شبهاء آخرين له ، حتى ينقلوه الى العالم كله بشهادة حياتهم. و يستمر يسوع يملك على فكر البشر وقلبهم، ويعلن عبر الأجيال، بشارته من خلالهم ، ويبقى ملكا على الأرض، بل على الكون كله و تكتملَ مشيئته ” كما في السماء كذلك على الأرض” (متى6: 10

إنَّ الرسل محظوظون. لقد عايشوا الله !. لم يقدر موسى رغم عظمته وطلبه أن يرى وجه الله :” أما وجهي فلا تقدر أن تراه. لأن الذي يراني لن يعيش”(خر33: 19). ولا ايليا الذي إشتاق الى ذلك (1مل19: 10-14). ويؤكد لهم يسوع ذلك :” كثير من الأنبياء والأبرار تمنوا أن يروا ما أنتم ترون فما رأوا، وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون فما سمعوا”(آية 17). وقد أدرك الرسل عظمة وجود يسوع بينهم والثمار المدهشة التي قطفوها من معايشتهم له، والمسؤولية الثقيلة والمريحة معا التي إستلموها في مملكته. فيصرح يوحنا :” الذي كان من البدء، الذي سمعناه ورأيناه بعيوننا، الذي تأملناه ولمسته أيدينا من كلمة الحياة، والحياة تجَّلت فرأيناها. والآن نشهد لها ونبشركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وتجَّلت لنا، الذي رأيناه وسمعناه نبَّشركم به لتكونوا أنتم أيضا شُركاءَنا، كما نحن شركاء الآب وآبنه يسوع المسيح ” (1يو1: 1-3)

عرف يسوع من إختار فريقَ عملٍ له. ونجح في تكوينه صورة منه عِلمًا وخُلقًا. لقد تعَّلقوا به كما يتَّعلق الغارقُ بقارب النجاة. نعم أحسوا وتأكدوا أنه هو الحياة. فمملكته لن تقوم على أسس المصلحة ، بل على قِيم الحياة الحقَّـة التي طالما حلموا بها. مملكتُه وحدَها تضمن الحياة لجميع الناس. لذا كرَّسوا حياتهم للمناداة بهذه المملكة الألهية وبذلوا جهدهم لتأسيسها في أقطار العالم كله. و لأنهم شعروا بلّذة الحياة في هذه المملكة وبالراحةِ والأمان لم يبخلوا ولا بدمائهم لسقيها و إنمائها وتثبيتها للأبد، فيجد جميع البشرالخلاص تحت خيمتها ولوائها.  وأولئك الرسل و التلاميذ هم من بدأوا السباق ثم سَّلموا الراية ، جيلا بعد جيل ، حتى بلغت الى رسل اليوم و تلاميذه. فتأمَّل أيها المسيحي بنعمتك ورسالتك. هنيئا لك وخذ راحتك وتحَّمل مسؤوليتك ، مؤديا قسطك من الواجب ، ” مشاركا في آحتمال الآلام كجندي صالح للمسيح يسوع ” (2طيم2: 3) !

القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO