رسالة البابا فرنسيس لليوم العالمي الثلاثين للشباب 2015

اذاعة الفاتيكان

تحت عنوان “طوبى لأطهار القلوب فإنهم يشاهدون الله” (متى 5، 8) صدرت هذا الثلاثاء رسالة قداسة البابا فرنسيس احتفالاً باليوم العالمي الثلاثين للشباب والذي يُحتفل به على صعيد أبرشي يوم أحد الشعانين الموافق هذا العام تاريخ التاسع والعشرين من آذار مارس المقبل

كتب البابا فرنسيس إن كلمة طوبى أو سعيد تظهر تسع مرات في عظة يسوع الأولى هذه (راجع متى 5، 1- 12). إنها كلازمة تذكرنا بدعوة الرب لنسير برفقته دربًا، بالرغم من جميع التحديات، هي درب السعادة الحقيقيّة. نعم، أعزائي الشباب، إن البحث عن السعادة مشترك لدى جميع الأشخاص من مختلف الأعمار وفي كل الأزمان. فالله قد وضع في قلب كل رجل وامرأة رغبة لا تُقهر بالسعادة والملء

تابع الأب الأقدس تقدم لنا أولى فصول سفر التكوين الطوبى الرائعة التي دُعينا إليها والتي تقوم على الشركة الكاملة مع الله والآخرين، مع الطبيعة ومع أنفسنا. ولكن عندما استسلم الرجل والمرأة للتجربة وكسرا علاقة الشركة الواثقة مع الله دخلت الخطيئة التاريخ البشريّ، وظهرت التبعات فورًا في علاقاتهم بين أنفسهم ومع بعضهم البعض ومع الطبيعة. ومنذ ذلك الحين لم يعد المثول المباشر أمام الله ممكنًا ودخلت النزعة على الاختباء إذ وُجب على الرجل والمرأة أن يسترا عُريَهُما. وإذ فقدا النور المتأتي من رؤية الرب فقدت “بوصلتهما” الداخليّة – التي كانت تقودهما نحو السعادة –مرجعيّتها وحملهما التسلط والامتلاك وعطش اللذة مهما كان الثمن إلى هاوية الحزن واليأس

أضاف الحبر الأعظم نجد في سفر المزامير الصرخة التي ترفعها البشريّة إلى الله من عمق روحها: “مَن يُرينا الخَير؟ أَطلعِْ عَلينا نورَ وَجهِك، يا ربّ” (مز 4، 7). إن الآب، بصلاحه اللامتناهي، يجيب على هذا التوسّل مرسلاً ابنه. بيسوع أخذ الله وجهًا بشريًّا، وبتجسّده، حياته، موته وقيامته يخلصنا من الخطيئة ويفتح لنا آفاقًا جديدة لا يمكن تصوّرها. وهكذا، تجدون في المسيح، أيها الشباب الأعزاء، ملء تحقيق أحلامكم. كما قال القديس يوحنا بولس الثاني: “إنه الجمال الذي يجذبكم؛ هو الذي يولّد فيكم ذاك العطش إلى الجذريّة التي لا تسمح لكم بالتأقلم مع التسوية؛ هو الذي يدفعكم لتلقوا عنكم الأقنعة التي تشوّه الحياة؛ هو الذي يعرف الخيارات الحقيقيّة التي تجول في قلوبكم والتي يبغي الآخرون خنقها؛ هو يسوع الذي يخلق فيكم الرغبة لتجعلوا من حياتكم أمرًا عظيمًا

تابع البابا فرنسيس أما فيما يختص بتعريف كلمة “طاهر” فمعناها الأساسيّ هو نقيّ، صافي، خالي من أي مواد ملوّثة. وفي الإنجيل نرى يسوع ينقض مفهومًا عن الطهارة الطقسّية المرتبطة بالظاهر ويقول بشكل قطعيّ: “ما مِن شَيءٍ خارجٍ عنِ الإِنسان إِذا دخَلَ الإِنسانَ يُنَجِّسُه. لأَنَّهُ مِن باطِنِ النَّاس، مِن قُلوبِهم، تَنبَعِثُ المَقاصِدُ السَّيِّئةُ والفُحشُ وَالسَّرِقَةُ والقَتْلُ والزِّنى والطَّمَعُ والخُبثُ والمَكْرُ والفُجورُ والحَسَدُ والشَّتْمُ والكِبرِياءُ والغَباوة” (مر 7، 15. 21- 22). فعلى ماذا إذًا تقوم السعادة التي تنبع من قلب طاهر؟ انطلاقًا من لائحة الشرور – التي عددها يسوع – والتي تجعل الإنسان نجسًا نرى أن المسألة تطال إطار علاقاتنا. على كل منا أن يتعلّم أن يميّز ما يمكنه أن “يلوّث” قلبه، ويكوّن ضميرًا مستقيمًا وحسّاسًا قادرًا على تمييز “ما هي مشيئة الله وما هو صالح ومرضيّ وما هو كامل” (روم 12، 2

أضاف الحبر الأعظم لقد سألتكم مرّة: “أين هو كنزكم؟ وعلى أي كنز يرتاح قلبكم؟ إن الخير الأثمن الذي يمكننا أن نملكه في حياتنا هو علاقتنا مع الله. فهل أنتم مُقتنعون بهذا الأمر؟ هل تدركون قيمتكم التي لا تقدّر في عيني الله؟ هل تعلمون أنه يحبكم ويقبلكم كما أنتم بلا شروط؟ هل تذكرون لقاء يسوع بالشاب الغني؟ يخبرنا الإنجيلي مرقس أن الرب نظر إليه فأحبه ودعاه بعدها لإتباعه ليجد الكنز الحقيقيّ. أتمنى لكم أيها الشباب الأعزاء أن ترافقكم نظرة يسوع هذه المليئة بالحب طوال حياتكم. إن مرحلة الشباب هي المرحلة التي يزهر خلالها الغنى العاطفي الكبير الموجود في قلوبكم. ما أعظم القوّة الموجودة في هذه القدرة لتُحِبّوا وتُحَبّوا. فلا تسمحوا لأحد بأن يشوَّه هذه القيمة الثمينة أو أن يدمّرها أو يسلبها منكم. لا تخافوا من الحب الحقيقي الذي يعلّمنا إياه يسوع والذي يصفه القديس بولس بالشكل التالي: “المَحبَّةُ تَصبِر، المَحبَّةُ تَخدُم، ولا تَحسُدُ ولا تَتَباهى ولا تَنتَفِخُ مِنَ الكِبْرِياء، ولا تَفعَلُ ما لَيسَ بِشَريف ولا تَسْعى إِلى مَنفَعَتِها، ولا تَحنَقُ ولا تُبالي بِالسُّوء، ولا تَفرَحُ بِالظُّلْم، بل تَفرَحُ بِالحَقّ. وهي تَعذِرُ كُلَّ شيَء وتُصَدِّقُ كُلَّ شَيء وتَرْجو كُلَّ شيَء وتَتَحمَّلُ كُلَّ شيَء. المَحبَّةُ لا تَسقُطُ أَبَدًا” (1كور 13، 4- 8

وفي الدعوة لإعادة اكتشاف الدعوة البشريّة للحبّ، أدعوكم أيضًا لتثوروا ضدّ النزعة المنتشرة لتبسيط الحب وجعله تافهًا لاسيّما عندما تحاول أن تجعله يقتصر على الجانب الجنسيّ وتُفقده ميزاته الجوهريّة للجمال والشركة والأمانة والمسؤوليّة. أسألكم أن تسيروا بعكس التيار وأن تثوروا على ثقافة المؤقّت التي تعتقد بأنكم غير قادرين على تحمُّل المسؤولية وبأنكم غير قادرين على الحبِّ. أنا أثق بكم أيها الشباب وأصلّي من أجلكم. تحلّوا بالشجاعة لتسيروا بعكس التيار ولتكونوا سعداء

تابع البابا فرنسيس يقول في قلب كل رجل وامرأة يتردد باستمرار صدى دعوة الرب: “التمسوا وجهي” (مز 27، 8)، وفي الوقت عينه ينبغي علينا أن نتواجه مع حالتنا الضعيفة كخطأة. لكن لا ينبغي علينا أن نخاف ونفقد الشجاعة لأننا نرى في الكتاب المقدس وفي تاريخ كل فرد منا بأن الله هو الذي يقوم دائمًا بالخطوة الأولى، هو الذي ينقّينا لكي نتمكن من المثول في حضرته. عندما نال النبي أشعيا دعوة الرب له بأن يتكلّم باسمه خاف وقال: “وَيلٌ لي، قد هَلَكتُ لأنّي رَجُلٌ نَجِسُ الشَّفَتَين” (أش 6، 5). فطهّره الرب وأرسل له ملاكًا لمس فمه وقال له: “قد أُزيلَ إِثمُكَ وكُفِّرَت خَطيئَتُكَ”. وفي العهد الجديد، عندما دعا يسوع تلاميذه الأولين عند بحيرة جناسرت وأجترح آية الصيد العجيب، ارتمى سمعان بطرس عند ركبتيه وقال: “يا ربّ، تَباعَدْ عَنِّي، إِنِّي رَجُلٌ خاطِئ” فأتاه الجواب سريعًا: “لا تَخَفْ! سَتَكونُ بَعدَ اليَومِ لِلبَشَرِ صَيَّاداً

إن دعوة الرب للقائه موجّهة لكل فرد منكم أينما كان، يكفي أن تأخذوا القرار بالسماح له بلقائكم والبحث عنه يوميًّا بلا توقّف. نعم أيها الشباب الأعزاء، الرب يريد أن يلتقينا ويريدنا أن نراه. قد تسألونني كيف؟ ولذلك أسألكم: هل تصلّون؟ هل تعلمون أنه بإمكانكم أن تتكلّموا مع يسوع والآب والروح القدس كمن يتكلّم مع صديقه؟ وليس كمجرّد أي صديق بل كصديقكم المفضل والذي تثقون به! وبالتالي أدعوكم مرة أخرى للقاء الرب من خلال القراءة الدائمة للكتاب المقدّس، اسمحوا لكلمة الله أن تحدث قلوبكم وتنير خطاكم. اكتشفوا أنه بإمكانكم رؤية الله أيضًا في وجه الإخوة لاسيما أولئك المنسيين: الفقراء والجياع والعطاش، الغرباء والمرضى والمسجونين. إن اللقاء مع الله في الصلاة ومن خلال قراءة الكتاب المقدس وفي الحياة الأخويّة سيساعدكم على معرفة الرب ومعرفة أنفسكم بشكل أفضل. وكتلميذي عماوس سيجعل صوت يسوع قلوبكم تتّقد فتنفتح أعينكم على معرفة حضوره في تاريخكم فتكتشفوا مخطّط الحب الذي أعدّه لحياتكم

وختم البابا فرنسيس رسالته بالقول: لقد سمع بعضكم دعوة الرب للزواج ولتأسيس عائلة. كثيرون يعتقدون اليوم بأن هذه الدعوة أصبحت “خارجة عن المألوف” لكن هذا الأمر ليس صحيحًا! ولهذا السبب بالذات تعيش الجماعة الكنيسة بأسرها الآن مرحلة تفكير خاصة حول دعوة العائلة ورسالتها في الكنيسة والعالم المعاصر. كما وأدعوكم لتأخذوا أيضًا بعين الاعتبار الدعوة للحياة المكرّسة أو للكهنوت. ما أجمل أن نرى شبابًا يعتنقون الدعوة لبذل ذواتهم بالكامل من أجل المسيح وفي خدمة كنيسته! فلا تخافوا مما يطلبه الله منكم! وأضاف: “طوبى لأطهار القلوب فإنهم يشاهدون الله” (متى 5، 8)، أيها الشباب الأعزاء، كما ترون، إن هذه الطوبى تطال حياتكم عن كثب وهي ضمانة لسعادتكم، لذلك أكرر لكم مرّة أخرى: تحلّوا بالشجاعة لتكونوا سعداء!                        

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO