البــاعــوثة

البــاعــوثة 

    26-28/01/2015

 

نحتفلُ غـدًا بالباعـوثة ، وهي ثلاثة أيام صيام وصلاة وصدقة ، من حوالي 1440 سنة ، سابقًا في العراق فقط من دون بقية البلدان ، وفي الكنيسة الكلدانية شبه حصرا ، أينما انتشرَ أبناؤُها، من دون بقية الكنائس عدا ذكر ٍ لها في الكنيسة السريانية الأنطاكية. وسبب ذلك ظهور وباءِ الطاعون ( كوليرا) وآنتشاره السريع، في مقاطعات كركوك وأربيل والموصل، وقوَّته الغاشمة بحيث لم يكن الناس يلحقون دفن موتاهم. وحصد خلال ثلاث سنوات ونصف مئات ألوف الضحايا. وفي ضيقهم الشديد إستنجدَ قادة المؤمنين الروحيين بالسماء ، فسمعَ بعضُهم صوتًا من السماء يقول : ” أقيموا التوبة على غرار أهل نينوى فتنجوا”. فلم يترددوا ولا تأخروا في تلبية نداء السماء

و صدرت حالا توجيهات الأساقفة الى توقف الناس عن أشغالهم اليدوية والى الصيام و التجّمع في الكنائس و دور العبادة للصلاة والتوبة. لبَّى الشعبُ النداءَ بايمان وعفويةٍ وتصميم بعمل كل ما يُرضي السماء لأيقاف عدوى الوباء والنجاةِ من بطشِه. أقيمت الصلوات و  القداديس، و توجَّه المؤمنون الى منابرالأعتراف للتوبة وبدأت مراحم السماء تظهرُ سريعًا ، إذ توقف الوباءُ منذ اليوم الأول للصلاة ولم تُسَّجلْ إصاباتٌ جديدة. وفي الأيام التالية قلَّت وفياتُ المصابين به ، ثم توقفَ الموت ، وآختفت آثارُ الوباء كليا في اليوم الرابع

ولتخليد عرفان الجميل بهذه النعمة العظيمة، ولحماية الناس من كوارث مماثلة، إتفق أساقفة المناطق المنكوبة المذكورة بأن يقيموا لها ذكرا سنويا باقامة الأصوام والصلوات والأحتفال بالقداديس ثلاثة أيام بدءًا من الأثنين الثالث قبل الصوم الكبير. وطلبوا موافقة البطريرك على ذلك فلم يرفض طلبهم بل أيَّدَهم وشجَّعَهم. حذث ذلك بين سنة 570 والى 575 م. وكان الداعية الأول لها المطران سبريشوع رئيس دير كرخ جدان ، ثم أسقف داقوق من منطقة باجرمي (كركوك). وربما ساعد على تعميمها على كل المناطق حيثُ تتواجد الكنيسة الكلدانية عندما أصبح بعده بطريركا 595-604م. بحيثُ لما تنظمت طقوس الصلوات والأعياد والمناسبات سنة 650م على يد البطريرك ايشوعياب الحزي ثبتت فيه صلوات الباعوثة كجزء رسمي

وما أشبَهَ اليومَ بأمس  

وباءُ إيبولا وفقدان المناعة يُهدّدان بلدانا كثيرة ، والفيضانات والزلازل ” التسونامية ” أودت بحياة مئات الألوف، والبراكين لا تُطَمئن ، والكوارثُ والحروب تُهَّددُ مصير الأنسانية كلها

وطاعون العصر ذرَّ قرنه من عقود على شكل الأرهابِ والتمييز العنصري في العرق و الفكروالدين. وناهيك عن طاعون الفساد الأخلاقي الذي يسري كالنار في الهشيم بين الشباب والناشئين لا في بلد واحد بل في العالم كله متحججا بالحرية ومتسَّلحًا بالتقنية العصرية من الموبيل والأنترنت و لاسيما وسائل الأعلام بحلتها الألحادية والساخرة. وفوق الحملِ جاءَت ” العلاوة ” !. لم يكتفِ الزمن بكل هذه الأوبئة حتى طغى” طاعونٌ جديد ” ، وفي منطقة الطاعون الأول بالذات ، ألا هو ” طاعون داعش” الذي نشرَ الرعبَ ومارس أقسى إرهابٍ وأنجسَه لم يشهد التأريخُ المعاصر مثلَه فشَّرَدَ قسرًا وقتلَ بوحشية وأستعبدَ النساءَ وباعهم في سوق النخاسة

ألا تحتاجُ كلُ هذه الأوبئة والطواعين الى إقامة ” باعوثةٍ ” أصيلة، ترتكز الى دعائم الصوم فالتوبة ، والى سلاح الصدقة فالعيش في المحبة ، والى أجنحةِ الصلاة فالتقَّربِ من الله ؟. عرف آباؤُنا أن يسمعوا صوت الله ويستجيبوا الى ندائِه فأنقذوا بلدانهم وشعوبَهم. وتأكَّدَ الناس من أن الخلاص بيد الله وليس بقوة ذراع الأنسان وسياستِه ، ” لاتتكلوا على السلطان ولا على الأنسان ، إذ لا خلاص بيدهم “(مز145: 3). كان لهم إيمان بالله وهو روح لا يرونه لكنهم يشعرون بحضورِه ، ويلمسون عنايتَه !. أما اليوم فهل يجدُ الله ايمانًا على الأرض؟(لو18: 8). كان لآبائنا رفقٌ و موَّدةٌ وإخاء ، وتسامحٌ وتحاور. وأما اليوم فقد تفاقمت الأنانية وتلوَّن العداءُ وطغى الكُرهُ والعنفُ وآنقلبت التقوى الى المظاهر، فهل يسمع الرب دعاءَنا أم يهمله لأننا ” لا نحسن السؤال، لرغبتنا في الأنفاقِ على أهوائِنا “؟ (يع 4: 3). مع ذلك حتى لو لم نكن نحن في موقف صحيح لا من الله ولا من القريب إلا إنَّ الله يبقى أمينا لمحبتِه وصادقا لوعدِهِ (عب10: 23؛ رؤ3: 14) ، وقد قال : ” إسألوا تُعطَوا ، أُطلبوا تجدوا، إقرعوا يُفتحُ لكم “(متى7:7

لنقرع ، يا إخوتي وأصدقائي الأعزاء، باب رحمةِ الله ولنسأَلْه السماحَ عن ذنوبنا ، ثم نطلب منه أن يحمينا من الشر الذي يُحيط بنا ، ويُجَّنبنا الوقوع في تجارب عدونا الشرير، وخاصّة أنْ يعضُدَنا في الشهادةِ له بايماننا وسيرتنا. وحتى لا يُخَّيبْنا الرب لنصُم عن أهوائِنا وسيّئاتنا ،ولنهتم بالقريب الذي هو في ضيق وحاجة. لننبذْ خلافاتِنا ولنفتحْ قلبنا للغريب والمعارضِ لنا ، ولنحترم الجميع ولنتعاون مع بعضنا ولنتكاتف ونتضامن حول المسيح لأنه ” ضجَّتْ الأمم ، وسعت الشعوبُ الى الباطل. قام ملوك الأرض، وتحالفَ الرؤساءُ جميعًا على الرَّب و مسيحِه ” (أع4: 26). ولنصُّبَ اهتمامَنا على الأخوة المتألمين والمنبوذين والمضطهَدين، ولنُصغِ الى الرسول الذي يُناشدُنا قائلا :” سيروا كما يليقُ بالدعوة التي دُعيتُم إليها ، سيرة ً مِلؤُها التواضع والوداعةُ والصبرُ. وآحتملوا بعضُكم بعضًا بمحَّبةٍ ، وآجتهدوا في المحافظةِ على وحدةِ الروح برباطِ السلام “(أف4: 1-3)

يدعونا الرب الى ذلك وتوَّفرُ الكنيسة الفرصة لممارسةِ إيماننا الذي لا يجوز ان يبقى فاترا (رؤ3: 16) ولا ميتا (يع 2: 17و 26)، بل يجب أن يعمل بالمحبة (غل 5: 6). والباعوثة ليست سوى تذكير لنا بأننا نخطأ كثيرا ، وأنَّ خطايا الناس هي التي تجلب البلية والعقاب على أصحابها. وتذَّكرُنا أيضا أنَّ الله ما يزالُ أبا رحوما ينتظرُ عودتنا اليه ليغمرنا بعطفِه وكرمِه. كل البلايا ومشاكل العالم لها حل. إنما الحل بيد الله وبطرقِه. يكفي الأنسان أن يثقَ بالله و يسمع له ويقرع بابه الأبوي بدالة بنوية

لنرددْ مع الجموع المصلية في الكنائس 

اللهمَ إرحمنا.  يا ربْ إقبَلْ دعانا.   يا رب إرضَ  توبَـتْنا

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO