ثلاثية البشارات الميلادية

Paul Raban

ثلاثية البشارات الميلادية

{ 1 } زمن الأيمــان                                      2014.12.09

—————–

قراءة من تك 17: 1-27    ؛ أفسس 5: 21- 33   ؛     لوقا 1: 1-25

ابراهيم 

  عمره 99 سنة ، زوجته ساراى عمرها 90 سنة ، ليس لهما أطفال لأنَّ ساراى، بالإضافة الى عمرها، هي عاقر/ تعاني من مرض العُقم

علاقة ابراهيم بالله قوية. سمع كلامه وترك أهله وبلده ورحل نحو أعالي نهر الفرات. كان عمره 75 سنة ، و وعده الله بنسل عظيم وخيرات كثيرة ،” أجعلك أمَّةُ عظيمة. .. يتبارك بك جميع عشائر الأرض” تك12/2-3. وفي عمر 86 سنة تشكَّى ابراهيم/ يرثه اليعازر الدمشقي. الله يوعده بنسل من صلبِه. ساراى تتدخل. حسب شريعة حمورابي تعطي جاريتها لآبراهيم لتلد لها ابنًا ” بالوكالة “!(ق 146). هكذا ستفعلُ الأختان راحيل ولَّيا مع يعقوب (تك30: 3 و9)

لكن الله يُؤَّكدُ لآبراهيم من يرثُه سيكون إبن الحُّرة نفسها. لكن بعدَ أن يُصبحُ الله ” أباً ” لآبراهيم وساراى ولوريث المستقبل. يُسَّميهما مثل أي والد : أنت تُدعى ابراهيم (أب أمم كثيرة)، وساراى تدعى سارة (خاتون، أمـيرة). أعطيك منها إبنًا. ليحيا اسماعيل أمامك. بل سارة إمرأتك تلدُ لك إبنا تُسَّميه اسحق

1-      أنا الله القدير

هذه فاتحة كلام الله مع ابراهيم. أبراهيم يعتبرُ ضعفَه : أ يولد ولدٌ لآبن مئة سنة؟ أم سارة تلدُ وهي إبنة تسعين سنة؟. ابراهيم يتصَّرفُ بحكمةٍ ومنطق بشري :” ليحيا اسماعيل أمامك”. هذا أسهل. أنا مقتنع به. أبراهيم يتطلع الى حلول بشرية :” ابن الخادمة مثل إبن الحُّرة “. لا فكرة له كيف يُحَّقق الله وعدَه ؟ ربما صَّورَ الله مثل البشر؟. أو لا يتحَّداه بما أنه هو منظم الحياة هكذا

وهكذا تصَّرفَ أيضا زكريا. كان كلُ إعتمادِه على الحلول الأنسانية. فلم يستوعبْ هو أيضا كيف يقدر أن ينجبَ” لأنَّ اليصابات كانت عاقرًا، وكانا كلاهما طاعنين في السن” ، مثل ابراهيم وسارة!. للتقاليد والعادات البشرية تأثيرها على تفكير الأنسان. حتى إستحتْ إليصابات وأخفت أمر حبلها مدة طويلة

لكنَّ الله لا يُخفي الحقيقة. أنا الله القدير. ويوَّبخُ سارة على إستخفافِها بأمومةٍ خيالية، فقال : ” ما بالُ سارة ضحكت وقالت: أ حَّقًا ألِدُ وأنا الآن في شيخوختي”؟. ويريدُ أن يُبَّددَ شَّكَ الأنسان.”أ  يَصعُبُ على الرَّبِ شيءٌ”؟. وكأني يقول: هل نسيتم أني خلقتُ كلَّ شيءٍ من ولا شيء؟؟. و يلومُ البشر كيف أنهم نسوا سريعًا أن الأنسان نفسه هو الذي صنعه؟

2-      البادرة من الله

الله لم يأتِ يطلُبُ من الأنسان أن يوافقَ ليشتركا في عملية مُربحة لكليهما. ليس لأنسان شيئٌ يُعطيه. جاءَ الله يعرُضُ على الأنسان خدماتِه ، دون مقابل “{ لوجه الله }”! الله لا يطلب من إبراهيم ونسله أن يُقدموا مشاركة فعَّالة. إنه يطلبُ فقط أن يتَّصرفَ بعقلٍ و حكمة :” أُسلُك أمامي، وكُن كاملاً “!. يا إنسان لا تُخفِ نفسَك عني!. لا تختبيء وراءَ ضعفكَ. أنت أقوى مما تظُن ، لأني أنا وراءَكَ. لا تتسَّتر وراءَ عيوبِك ونواقصِكَ، لأني   أنا جئتُ لأنقذَك وأخلصك. أنت عاجزٌ في فكرك وليس في بدنك. أنت عاجز في رغبتِك أن تتبعَ الحَّق وليس في عمرك. أما أنا فلا

 أعجزُ عن شيء. ولهذا أتيتك يا ابراهيم ، يا إنسانًا أيا كنتَ، لأقولَ لك

أنت أيضا قادرٌ على الكثير لأني أنا معك؟ إني أنا أعطيكَ النسلَ ، لأني أنا خلقتُك. أنا

أُعطيك الجاه لأنه ينبعُ من جلالي. أنا أوفّرُ لك كلَّ ثروةٍ وغنى لأني أنا أوجدتُها وأنا أوَّزعُها

3-      تُسَّمى ابراهيم

أريد منك فقط أن تفهَمَ بأنكَ لستَ أنتَ سَّيدَ الحياة ، بل أنا. لأنك حتى أنت مُلكي. لأنك أنت إبني وأنا ولدتُك وأُعطيك نسلاً!. أنا أجعلك أبا لأمم كثيرة لا بطريقتك ، إنما بطريقتي. ولهذا لن تُسَّمى بعدُ أبرام ، بل ابراهيم !. ضحكتَ يا ابراهيم من كلامي وحسبتَه مزحًا وربما هُراءًا أنك تقوى على الأنجاب. ضحكَتْ سارة وآزدرتْ كلامي أنها يمكن أن تُصبحَ أُمًّا. و لكن أقول لكم” ما من شيءٍ غيرُ ممكن عند الله (1: 37)

أ تعرفون هذا ؟ لا!. لم يفهمه الناس حتى ولا في زمن موسى أو الأنبياء

ظلَّ البشر يجترون حكمتهم وتقليدَهم فلم يعرفوا من هو الله. فلم يتعَّرفوا على المسيح. هذا ما أظهره زكريا، والفريسيون وقادة الشعب، وسجَّله مولودُ المغارة : ” أنتم لا تعرفوني ، ولا تعرفون أبي “(يو8: 19؛ 16: 3)

4-      إحفظ عهـدي

قال لوقا عن مريم : ” وحفظت مريم هذا كُلَّـه وتأملته في قلبها ” (لو2: 17 و 51). و آضطر زكريا، رغما عنه، أن يستعيدَ معلوماتِه عن التأريخ المقدس ويُعيدَ التأمل فيها و يقارنَها بما سمعه وحدثَ له فينضجَ في فهم الوحي وفي إدراكِ حياة الله وخططه، فآمن

سبقه ابراهيم الذي رغم شكه في قدرتِه الذاتية إلا إنه لم يشك في قدرةِ الله. ولم يكن ذلك سهلا بموجب القدرة الأنسانية وخبرتِه. مع ذلك ” آمن ابراهيم بكلام الله ، وحسبَ له ذلك بّرًا ” (رم4: 3). ولأن ابراهيم آمن بالله لذا تبعَ نداءَه ، ثم إستقبَلَ عهدَ الله له بالنسل وبالخيرات والأمجاد. وقال في مار بولس قوله الشهير والبليغ:” آمن ابراهيمُ راجيًا حيثُ لا رجاء “(رم4: 18)

ومريم أيضا آمنت. مع أنَّ وضعها كان أصعبَ وأخطر. لقد كَّرَستْ حياتَها وبتوليتَها لله. وهوذا يُقالُ لها بأنَّ الله يعرُضُ عليها إنجابًا ضدَّ آختيارها. فهل يرفضُ اللهُ البتولية و التكَّرُسَ الكليَ له؟. كيفَ توفق بين نذرها ان تحفظ قلبها وفكرَها لله وبين ما تسمعه؟. إنما مثل ابراهيم لم تعترضْ في البداية. بل إستفسرت كيفَ يتم الأمرُ وبشريا غيرُ قابل للتحقيق. ولما عرفت أنَّ الله هو الذي يتولى تحقيق الأمر مباشرة كما تولى صُنع حواء من آدم قالت :” أنا أمة الرب “. وهكذا ابراهيم لما طلب منه الله أن يُقّربَ له اسحق” ابنَك وحيدَكَ الذي تُحبُهُ 

 أصعِدْهُ مُحرقةً “. لا يتعَّلق الأمرُ بقدرة البشر بل بأرادةِ الله و حكمتِه في تكثير النسل. هو رَّبُ الحياة ، هو” المُحيي والمميت ” (تث32: 39). والعهدُ أن يسمع ابراهيم كلام الله ويحفظُه ، يُكَّملُه ويعيشُه

وكما مدح بولس ايمان ابراهيم هكذا مدحت اليصابات ايمان مريم:” طوبى لكِ يا من آمنتِ بأنه سيتم ما بلغها من عند الرب”. يدعونا الله الى أن لا نتقوقع في الرؤية و السماع. يدعونا الى أن ننتبه الى ما لا تشعرُ به حواسُنا فنرتفع فوقَها وننظر الى الأشياء بالفكرِ والقلب. يدعونا الى الإيمان، وإيمان حَّي وفعَّال. فقد قال الرسول عن الأيمان هو:” أن نصَّدقَ حقيقة ما لا نراه ، إنما نشعرُ به” وإنه ” ضمان الخيراتِ التي تُرجَى وبُرهانُ الحقائق التي لا تُرى” (عب11: 1-3). و المؤمن ” كلُ شيء مُستطاعُ لديه “(مر9: 23)، لأنه يثقُ بالله ويخضع لمشيئته فيدع اللهَ يعملُ فيه

 هذا ما سيقوله مولودُ المغارة: ” لا أتكلم بشيءٍ من عندي بل بما أوصاني الآب”، و” كلُ ما يعمله الآب يعمله الأبن” (يو12: 49 ؛ 5: 9)

القس بول ربان

 

{ 2 } زمن الخـلاص                             2014.12.10

——————–

قراءة : عدد 22: 20-35  ؛  قض 13: 2-24   ؛   لو 1: 26-56

شمشون :

ــــــــــــــ   يولد من عاقرة. هو نذيرٌ، مُكَّرَسٌ لله. شعبُه مُهانٌ ومُستعبَد. يُرسلهُ الله ليخلصَ بني اسرائيل من الفلسطيين. يتزوج، بتدبير الهي، من فلسطية. “يدَّبر الربُ سببًا ليحاربَ شمشون الفلسطيين”!. هكذا فعل مع أبناء يعقوب فقَّسى قلبهم على أخيهم يوسف ، وبيعَ كعبد لكنه سينقذُهم وهو مصر،” الشرَالذي أردتموه لي أرادَه الله خيرًا كما ترون ليُنقِذَ حياة كثير من الناس “(تك50: 20؛ 45: 5). وهكذا فعل مع موسى فقَّسى قلبَ فرعون على بني إسرائيل ليُسَّهلَ إنقيادَ الشعبِ لموسى (خر3: 19). كشفت زوجة شمشون سرَ لغزه فآنتقم وقتل 30 فلسطيا ليدفع الغرامة.

 أُخذتْ منه زوجتُه فآنتقم وأحرقَ زروع الفلسطيين. ثم قتل بفك حمار ألف رجل منهم ودعا العملية خلاصًا (15: 18). ثم تزوج من فلسطية ثانية ، دليلة. تكشفُ دليلة أنَّ سرَّ قوتِه في شعره الطويل، وهو علامة تكريسِه لله. قصُّوا شعرَه ففارقَه الرب. ثم فقأوا عينيه وقَّيدوه بسلاسل. وفي عيد نصرِهم أسقط الهيكل على الجمع فقتل نحو 3000 فلسطيًا(قض16: 27). قضى لبني اسرائيل 20 سنة (15: 20).

أما بلعام الذي يتظاهرُ بطاعةَ الله يضمرُ في قلبهِ مسايرة الملك بالاق من أجل الأجر الوفير الذي سيناله. يكشفُ اللهُ سوءَ نيتِه إذ يجعلُ حيوانا ينطقُ فيَخزى بلعامُ وينقادُ لأمر الله. أمثاله وأمثال فرعون وأمثالُ الفلسطيين لا ينقادون إلا “إذا أجبرته يدٌ قـوية ” (خر3: 19).

1-      متى ترُّدُ المُلكَ لأسرائيل  ؟

رسالة شمشون ” أن يُخَّلصَ شعبَه من أعدائه”. وأداها على عقلية وبأسلوب أهل زمانِه. كان الفلسطيون يسيطرون على إسرائيل ويُضايقونهم. حَّررَ شمشون شعبَه من سطوتهم. وظلَّت حالة الأستعمار والتحرير تتعاقبُ حسبما كان شعبُ الله يخطأ فينسى الله أو يتوبُ فيرجعُ ويستغيثُ به. وفي زمن يسوع كان إستعبادُهم من قِبَل الرومان على أشّدِهِ. وآستبشَرَ زكريا بالخير أنَّ مُحَّررَهم قادمٌ ،” أقسمَ اللهُ لآبائِنا أن يُنقِذَنا من أعدائِنا … فأقامَ لنا مخلصًا قديرًا..” (لو1: 68-61). ودغدغَ الحلمُ أذهان الرسل أيضا وملأَ وجدانهم عندما عرفوا أنَّ يسوع هو المسيح

 المُحَّررالموعود،” وكانوا يظنون أنَّ ملكوتَ الله سيظهرُ في الحال”(لو19: 11). لقد راودتهم آمالهم فحاكوا على نفس المنول ،” كنا نأملُ أن يكون هو الذي يُخَّلصُ اسرائيل ” (لو24: 21). ولم يتمالكوا صبرَهم حتى سألوه مرةً :” يا رب أ في هذا الزمن تعيدُ الملكَ الى إسرائيل “؟(أع1: 6).

2-      هو يترَّقبُ منكِ الرأس  !

لقد توَّهم الناس سريعا وشَّوهوا الحقيقة الألهية من أصولِها. لما وعد الله بالمخلص لم توجد بعدُ شعوبٌ أو إستعمارٌ أو عبوديةٌ أو أعداء. كان يوجد عدوٌ واحد فقط هو إبليس الشَّرير. و لم تقم بعدُ حروبٌ، بل خطيئة واحدة هي الكبرياءُ ذرَّت قرنَها بالتمَّرُد على أمرالله. أخبرَالله آدم وحواء بالعداوة بينهما وبين إبليس، و بسحق نسلِهما رأسَ إبليس عدوهم وتحريرِهم من سلطانِه الآثم (تك3: 15). لقد تحَّوَرَ فحوى الوعد ليُصبح أملا قوميا سياسيا، وآستحالَ سحقُ الرأس من الطاعة والبر الى السيوف والرماح وكل أنواع الوسائل الهَّدامة.

لقد ولدت الأنسانية ذلك النسل وهزَّمَ ابليسَ برفضِه الأنصياع الى تجاربه (متى4: 1-11) و بسحقِ رأسِه بالطاعة لله ” حتى الموت، الموت على الصليب “(في2: 8). كانت رسالتُه أن يستأصلَ شّرَ العبودية من أساسِه ويغفرَ خطيئة الأنسان ويُحررَه منها. هذا ما جاءَ يوحنا من أجل المناداةِ به،” أن يُعَّلمَ شعبَه أنَّ خلاصَهم هو في غفران خطاياهم ” (لو1: 77) ، لأنَّ ” الفأسَ قد صُوبَ إلى أصل الشجر الفاسد”(لو3: 9). وفعلا سيبدأُ مولودُ المغارة عمله بالتوبةِ عن شعبه ليستغفرَالله عن ذنوبهم، ذلك عندما يتقدمُ كخاطيءٍ الى يوحنا الذي كان” يدعو الى معمودية التوبة لغفران

 الخطايا “(لو3:3). كما سيُعلن غفرانهم على الصليب،” يا أبتاه إغفِرْ لهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون”(لو23: 34). ولم ينسَ يسوع أنْ يُذّكرَاليهودَ والبشرية جمعاء بأن أقوى إستعمار وأتعسَه هو سيطرة الشر والخطيئة على عقول الناس وحياتِهم كلها. لقد أكد بأنَّ ” من يخطأ كان عبدًا للخطيئة… وإذا حرركم الأبنُ صرتم حَّقًا أحرارًا … لأنَّ الحقَ هو يُحَّررُكم “(يو8: 32-36). و يسوع أتى الى العالم شاهدا للحق(يو18: 37). فيسوعُ مُحَّررٌ وثائرٌ ضد الشر. و إليه رمَزَ كلٌ مِن يوحنا وشمشون لأنهما جاهدا من أجل الحَّق وناضلا ضدَ الشر وختما شهادتهما بالدم.

3-      قـُّوةُ العلي تضَّللُك  !

كان الخلاصُ ثمرَ قـدرةِ الله وحلول تلك القدرة في الأنسان. اللـه نزل من السماء ، وصارَ إنسانًا وحَّلَ بيننا. طفلُ المغارة هو ” عمانوئيل ” ، اللهُ معنا. وما أن تجَّسدَ اللهُ في بطن مريم حتى بدأ الخلاصُ يُزهرُ ويُثمر. قدرة الله الخلاقة والمُطّهرة حَّلت بين البشر. فما أن سَّلمت مريم حتى ” آمتلأت الصاباتُ من الروح القدس. وتحَّركَ الجنينُ في بطنها ( لو1: 42) ، علامة تقديسه و” آمتلائِه هو ايضا من الروح القدس” كما سبقَ الملاكُ وأنبأ عنه ( لو1: 15 )، فتَّمَ غسلُهُ من آثار الخطيئة الأنسانية الأصلية. بدأت عملية الخلاص بمجرد حلول الله في الأنسان.

هذه القـدرة لا تُمارَس حسب الطرق البشرية بالعنف والأكراه. إنها قوة الحب الوالدي الذي يحَّققُ كلَّ خيرٍ لأبنائِه. إنها الطاقة التي تنشُلُ الأنسان من خوفِه وترفعُه من ترَّدُده فتعضُدُ جهادَه ضد عدو الحق وأعوانِه. إنها القوة التي تزيلُ الخجلَ من الخاطئين وتدفعُهم الى أن يُقاوموا الإثم والشرير بالثقة بالله والأتكال عليه. إنها قوة تدعو الى الجهادِ من أجل الحق و البر. قال يسوع ،” ملكوت الله في جهاد. والمجاهدون يدخلونه ” (متى11: 12). وسلاحُ الجهادِ ليس جسديًا ” بل هو الهيٌ قادرٌعلى هدم الحصون.. هَدْم ِ الجَدَل الباطل .. وأسْرِ كل فكرٍ الى

 طاعة المسيح ” (2كور10: 4-5). ولم يتحَّدث الرسول عن خيال ، بل عن خبرةٍ عاشَها و أخبرَنا عنها ” جاهدتُ جهادًا حسنًا وأتممتُ شوطي..” (2طيم 4: 7).

4-      يحيا اللهُ بداخلنا  !

إنَّ قوةَ اللهِ ظهرت قبلَ ألافِ السنين في العنف، لأنَّ الأنسان لم يكن قادرًا على إستيعاب القيم الروحية. لم يكن قادرًا أن يفهمَ الغفران لأنه لم يكنُ يعرفُ طريقَ المحَّبة. لم تكن محبته سوى عاطفة ، ولم يكن الغفران سوى ضعفٍ وذل. أما في التجَّسُـد فأعطى الله المثل على كليهما ، وبرهن بصليبِه قوةَ المحبة وفاعلية الغفران. ولادته المتواضعة والحقيرة في إصطبل قلَّبت موازين القيم والتفكير لدى الأنسان. العنفُ والمجدُ والتحَّررُليست سوى تعابير بشرية تقفُ عند حدٍ وتزولُ سريعا مع أحداثِ الحياة. فمهدُ الأصطبل كان أريَحَ من آرائك قصر هيرودس

 الذي لم يذق طعم الهناء والراحة ما دام له منافسون على السلطة وأعداءُ يتربصون له.

فالميلاد هو تجسُّدُ الله الذي نادى بتنقية ” الباطن ” وبإزالة غبار ثمار الحواس عن صورة الله في الأنسان. طفلُ المغارة هو الأنسان والصورة الأمثل لله. جاءَ يخلقُ في الأنسان قلبًا نقيا تُنعشُه المحبة وتتدفق منه دماءٌ دافئة تُنعشُ فيه حياةً الهية ، لأنه آمن بالله ، ولا يعرفُ الكرهُ أو الحقدُ اليه سبيلا. قوته أن يتصَّرفَ مثل الله. لقد حلَّ الله فينا حتى نتحَّولَ نحن اليه ونحيا منه فنذوبَ فيه ، و نقول مع الرسول : ” لستُ أنا بعد الذي يحيا. بل المسيحُ يحيا فيَّ ” (غل2: 20؛ 1يو4: 12).

القس بول ربان

{ 3 } زمن الأصغـاء والفعل                                       2014.12.11

————————–

قـراءة :  1صم 1: 1-18   ؛     متى 1: 18-25    ؛   أفس 5: 6-21

صموئيل

ـــــــــــــ يولَدُ صموئيل أيضا مثل اسحق وشمشون ويوحنا من أم ٍ عاقر، وتكَّرس من طفولتِه للرب فعاشَ مثلَ مريم العذراء في كنفِ الهيكل، من عمرِ ثلاث سنوات، فشَّبَ و ترَعرَعَ في حُّبِ الله وحفظِ شريعتِه. وكان يخدمُ أمام الكاهن. وقالَ عنه الكتاب :” وكان الصبيُ ينمو ويحظى بعطفِ الرَّبِ والناس”(1صم2: 26)، مثل ما قاله الأنجيل عن يسوع : ” وكان يسوع يتسامى في الحكمةِ والقامةِ والحظوة عند الله والناس”(لو2: 52). وفي ليلةٍ سمع صموئيل صوتا يُناديه فقام وأسرع الى عالي الكاهن ليُلبّيَ نداءَه. لكن عالي لم ينادِهِ. و لما تكررَ النداءُ عرفَ عالي انه الرب

 فعلمه ماذا يفعل. ولما عاد الله “وآقتربَ من صموئيل” وناداه رَّدَ :” تكلَّم يا رب فإنَّ عبدَكَ يسمع” (1صم3: 10). فتحَّدثَ اليه الله وبلَّغه ما يجبُ أن يُبَّلِغَه للكاهن. ومن وقتِه إنتشرَ الخبر بأنَّ الله إختارَ صموئيل نبيًا له.

كان ذلك في شيلوهَ. ثم أصبحَ صموئيل قاضيا وحاكما لبني اسرائيل يسكن في مدينة الرامة. ولما شاخ طلب الشعبُ  منه أن يقيم لهم ملكا ” كما هو الحالُ في جميع الأمم”…” ونكون نحن أيضا كسائرالشعوب” (1صم8: 5، 20). إستاءَ النبي، لكن الله نصَحَه أن يلَّبيَ طلبهم. فمسح أول ملك على اليهود، هو شاول ، ثم بَّرَأ ذمته من مسؤولية الشعب (1صم12: 5). ولما عصا شاولُ أمرَالرب و فضَّلَ الغنيمةَ على طاعة الله (1صم 15: 22)، مسحَ صموئيل داودَ ملكا (1صم16: 13).

أما يوسفُ زوجُ مريم فكان صّديقًا. ولما عرفَ بحبلها ولم يعلم سّرَهُ، وهو بالمقابل واثقٌ من براءتِها من جهة وظنَّ من جهةٍ أخرى أنَّ في الأمر يدَ الله وأنه ربما يُبعِدُه عن طريقِها، لم يقبَلْ أن يُشهِرَها فيُسيءَ أليها ، قَّررَ أن يختفيَ عن الساحة ويُخليها لمن له فيها دور. عندئذٍ تدخَلَ الله فأخبرَه بالأمر ثم دعاه الى القيام بدور الأب تجاه طفلِها وطلبَ منه أن يُسَّميَه ” يسوع ” لأنه هو” الذي يُخَّلِصُ شعبَه من خطاياهم” (أية 21) ، فأدرَكَ أنه هو المسيح.

  • الطاعة خيرٌ من الذبيحة !

لقد سمعَ صموئيل كلام الرب وفعلَ ما أمرَه به. فرضيَ اللهُ عنه. وهكذا فعل يوسف أيضا و سمع كلام الرب” ففعلَ ما أمره به ملاك الرب”. لا فقط هذه المرة بل كلما آقتضت الحاجةُ الى ذلك (لو2: 4-5 و22و41؛ متى2: 13-14 و 20-23). وهكذا فعلَ يسوع أيضا إذ سمع كلامَ الآب وأطاعه حتى الموت. أما شاول فآنحازَالى شهواتِه فعصا أمرَالله وخسرَبذلك مُلكَه وحياتَه. تصَّورَ الملك أنَّ إكرام الله بتقريب قرابين من حيواناتٍ سمينة بينما أفضلُ القربان هو ذبيحةُ الشهوة الفكرية والجسدية. إنَّ ذبحَ الكبرياء بالتواضع وإماتة الأنانية بالطاعة أكملُ عمل يقوم به الأنسان. وهذا ما فعله

 يسوع إذ ” تواضعَ وأخلى ذاتَه وأطاع ” (في2: 7-8).  الله لا تُعنيه الذبائحُ شيئًا بقدرما يُعنيه حُّبُ الأنسان الذي هو رَّدٌ على حبهِ تعالى مثل قبلةِ الأم على بسمةِ الأبن أو إستجابةِ الأبنِ لطلبِ الأب. ما يُفَّرحُ قلبَ الله هو أن يسلكَ الأنسانُ في البر، وأن ألا يتكَّبرَ بل أن يتوبَ إذا أخطأ لأنه ” يكون فرحٌ عظيمٌ في السماءِ بخاطيءٍ واحد يتوب ..” وكم يكون أعظمَ فرحُ السماء بألا يخطأَ المرءُ بل يحفظ كلام الرب. لأنَّ الطاعةَ تعبيرٌ عن المحبة والتقدير. أما خضعَ الأبنُ للآب؟.

  • تكلم يا رب، عبدُك يسمع !

كان يمكنُ لله أن يتحَّدَثَ مباشرةً الى عالي الكاهن. كانَ ممكنا للهِ أن يُعلنَ غفران خطيئةِ الأنسان دون اللجوءِ الى التجسد والفداء. كان ممكنا للهِ أن يحرُمَ الأنسان حُرّيَتَه ويجعلُه يتبع حياتَه ويكَّملُ حاجته غريزيا. ولكن أين كانت عندئذٍ ىستكون كرامة الأنسان وكيف كان سيكون صورَة َالله وهو ينقُصُه أهم عنصر أى أن يستطيع الخيارَ بين أمرين؟. لما خلقَ الله الأنسان وأعطاه نسمة من حياتِه أقامه أيضا وكيلا عنه في قيادةِ الكون. بل وسَّلمَ إليه قـوتَه في صُنع الأنسان حتى يُمَّددَ الى ما لا نهاية الحياة التي إستلمها منه؟. فإن كان قد خلقَه

 من دون إستشارتِه فلأنه لم يكن موجودًا. ولما أوجَدَه على صورتِه دعاه الى السلوك مثله. لذا لم يكن صحيحا أن يتجاهَله. لا يُخالفَ الله ذاتَه ، فكرَه وفعلَه ومشيئتَه. لذا أرشدَ اللهُ الأنسان منذ البدء الى طريق الصواب وعرضَ عليه أن يُصغيَ اليه ، ويؤمنَ ويثقَ به ، ويتجاوبَ مع ما يطلبُه منه كمن شريكٍ له لا كمن خادم!. يستمرُ اللهُ عملَه إنما من خلال البشر لئلا يتجاهلَ دورَهم كما لا يفعلُ أبٌ مع إبنِه. فعرضَ على ابراهيم عهدَه ، وعلى مريم مشاركتها في مُهمَّةِ المخلص، وعلى شمشون وصموئيل ويوحنا،وعلى كل الأنبياءِ والرسل الذين إختارَهم

 ليتابعوا عمله وهو يعضُدُهم فيه. هذا ما أكَّده يسوع للرسل: إذهبوا الى العالم، تلمذوا، عمذوا وعلموا…وأنا معكم” (متى28: 19). وهذا ما آمن به الرسل وعاشوه حتى قالَ بولس” أقوى

على كل شيء بالذي يقويني “(في4: 13) لأنَّ ” المسيحَ يحيا فيَّ” (غل2: 20).

  • أنتم اليوم نـور في الرب !

لقد حلَّ الله بيننا وفينا. هو معنا. فأصبحت حياة المؤمن” محتجبة مع المسيح في الله ” (كو3: 3). وقد ولد لنا المخلصُ الموعود ويريدُ لنا الفرحَ والسلام. وحتى يتحَّققَ حلمنا ينتظراللهُ منا أولا ان نصغيَ اليه ، وثانيا أن نثقَ به، ثم أنْ نتجاوبَ مع ما يطلبه منا أو يسمح به لنا. وهذا يعني أننا نعي دعوتنا ودورَنا. لنا المسيح فنحن الآن نور. وما دمنا نورًا يطلبُ منا اللهُ  أن  نسلك ” سيرة أبناء النور. وإنَّ ثمرَالنوريكون في كل صلاح وبر وحق” (أف5: 9). دعوتنا أن نكون مثلَ أبينا السماوي وأخينا المسيح ” قدّيسين” (1تس4: 3-7).

  • إفهموا ما هي مشيئة اللـه !

وكانت مشيئة المخلص، في أول خطابٍ له ، ” توبوا، فقد إقتربَ ملكوت الله “(متى4: 17). لما بشَّرنا الملاك بمولد المسيح قال: ” اليوم ولدَ لكم مخَّلصٌ” (لو2: 11). وسبقَ الملاك و سَّماه ” يسوع ” لأنه ” هو الذي يُخَّلِصُ شعبَه من خطاياهم “(متى1: 21). مشيئةُ الله هي “أن يخلصَ جميعُ الناس ، ويبلغوا الى معرفةِ الحَّق” (1طيم 2: 4). فهو لم يأتِ ليحكمَ على العالم ،” بل ليُخَّلصَ العالم “(يو12: 47). لمْ يأتِ ليدين ويُعاقبَ ” داعش” وكلُ أمثالِهم. ولا يفرحُ بموت الخطأة ، بل” بأن يتوبوا ويحيوا أمامه ” (حز18: 23). لذا بالمقابل طلب من تلاميذه وأحبائِه أن يقتدوا به ، فينكروا ذاتَهم

 ويحملوا صليبَهم ” لأنَّ الذي يريدُ أن يُخَّلصَ ذاتَه يفقِدُها” (متى16: 24-25 )، ويتبعوهُ في درب المحبةِ والعطاء والبذل والتضحية.

  • من آمن أعطيَ له أن يكون ابنَ الله !

على التلميذ أن يُشبهَ معلمَه ، وعلى الأبن أن يسلكَ دربَ أبيه. والله الأب هكذا تصَّرف باذلا نفسَه عن أحبائِه. ولذا قال الرسول :” أعطيَ لكم لا أن تؤمنوا فقط ، بل أن تتألموا أيضا من أجل المسيح “(في1: 29). لأنَّ تلكَ الآلام ، كما أضافَ الرسول نفسُه، تُكَّملُ آلام المسيح في سبيل جسدِه (كو1: 24). وكل البشارات التي قرأناها لم تنقصها الآلام. لأنَّ قمَّة المحبة تظهرُ بنوع خاص عندما يبذلُ المُحبُ ذاتَه من أجل من يُحِب (يو15: 13). وفي بذل ذاتِه لأجلنا عرقَ يسوع الدمَ وتلقى الضربَ وحمل إكليل الشوك ثم الصليب. كلها لأنه أحبنا الى أقصى حد (يو13: 1) بذل نفسَه

 ليُنقذَ الأمَّة بأسرها (يو11: 50). ودربُ الألم كان سبيلا الى مجد القيامة (في3: 10-11).

 

القس بول ربان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO