الأحـد الثالث للكنيسـة

الأحـد الثالث للكنيسـة  

     2014.11.16

يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< يوحنا 2: 12-22 >::- ويقُّصُ خبرَ يسوع في هيكل أورشليم وطردِه باعة الحيوانات والحمام والصيارفة وآعتراضِ سدنةِ الهيكل عليه : بأيّ سُلطان يفعلُ هذا؟. من أقامه مسؤولا عن الهيكل حتى يقَّررَ ما يجوزُ فيه وما لا يجوز؟. وأعطاهُم الدليل على سلطتِه أنه هو الله فقال” أُنقضوا هذا الهيكل وأنا أقيمه في ثلاثة أيام”، أى أُصلبوني وآقتلوني وأنا أقوم في اليوم الثالث. هذا المصير تنبَّأ عنه الكتاب لكن اليهود، لا سدنة الهيكل ولا تلاميذ يسوع، لمْ يفهموا ذلك. تذّكرَ التلاميذ هذا الكلام بعدَ قيامتِه فآمنوا، عندئذ، بالكتاب وبكلام

 يسوع (آية 22). وكانت هذه آخر آية في قراءةِ اليوم. بينما كانت الآية الأولى :” إنحدرَ الى كفرناحوم ومعه أمه ، وإخوتُه ، و تلاميذُه ..”(آية12). نرَّكزُ اليوم قليلاً على ” إخـوته 

  • ماذا يعـني الأخ ؟

أولُ ما يبادرُ الى الذهن أنَّ الأخ يعني ” الشقيق ” إبنَ الوالدين. وقد يعني أيضا في حالات خاصة ” إبن الأب وحدَه، أو إبن الأم وحدَها “. على كل حال يعني أنه شخصٌ نرتبطُ به بعلاقة قرابة دم. لكنَّ الكتابَ المقدَّس وسَّع معنى هذه العلاقة من أولاد أب واحد الى أولاد الأعمام والعشيرة فدعى ابراهيم لوطًا إبنَ أخيه ” أخاه “(تك13: 8؛ أح10: 4)، ثمَّ صارت تُطلق على أبناء شعب واحد أو وطن واحد (تث4: 10)؛ حتى قال المزمور21: 23″ سأبَّشرُ بآسمكَ إخوتي”!. أما يسوع فقد أعطى صفة الأخ للقرابة الروحية التي تنطلقُ من العلاقة بالله. ذلك لما قالوا له :” ها إنَّ أمَّك وإخوتَك

 في الخارج يريدون أن يكلموك”، أجابهم وهو يُشيرُ الى تلاميذه ، قائلاً: “..هؤلاء أمي وإخوتي. كلُّ من يعملُ بمشيئةِ أبي السماوي هو أخي وأختي وأمي” (متى12: 46-50). وهكذا سَّمى بولسُ يسوعَ بكرًا لأخوةٍ كثيرين (رم8: 29)، وهو يقصُدُ المؤمنين به الذين أصبحوا أبناءَ الله و ورثتَه وشركاءَ المسيح في الميراث (غل4: 7؛ رم8: 17). وعليه يدعو بولس معاونيه ” إخوةً “(1كور1:1؛ 2 كور1:1؛ غل1:1؛ كو1:1؛ 1تس3: 2) ، وكذلك يدعو المؤمنين إخوة (1 كور6: 5-6؛ رم1: 13؛ غل 1: 11؛ كو1: 2؛ أع9: 30؛ 15: 33)

  • من هم إخـوة يســوع ؟

رغم ذلك لمَّا ذكرَ الأنجيلُ “إخوة يسوع” فهو عنى فئة معَّينة ومعروفة بين التلاميذ وحتى في الجماعة المسيحية الأولى. لقد سمَّاهم متى بالأسم ، وهم ” يعقوب ويوسف وسمعان ويهوذا” مع أمهم مريم (متى13: 55؛ مر6: 3؛ لو6: 15-16). وقد ذكر متى ايضا عند صلب يسوع حضور مريم ، “أم يعقوب ويوسف”. كما ذكرَ يوحنا وقوف مريم هذه عند الصليب قائلا:” وكانت واقفة عند الصليب أمُّهُ ، وأختُ أمِه مريم إمرأة قليوفا ، ومريم المجدلية “(يو19: 25). ما يعني أن أمَّ هؤلاء المعروفين بـ” إخوة يسوع ” تسَّمى ايضا مريم مثل أم يسوع. مما يُسَّهلُ الخلط بينهما. وما عرفناه نحن اليوم بدِقّة عن

 شهادةِ الرسل لم يكن اليهودُ يعلمون به. حتى شخص يسوع لم يعرفوه جّيدا حتى ظنوه ابنَ يوسف (لو3: 23)، وآحتاروا بغزارةِ علمه ” من اين له هذه الحكمة وتلك المعجزات”؟(متى13: 54)؛ و” كيفَ يعرفُ الكتبَ وهو لم يتعلم “؟ (يو7: 15). فلم يكن غريبًا عليهم أن يتوهموا في معرفةِ نسابتِه وقرابتِه.

إنما لا يتوَّقفُ الأمرُعلى جهل اليهود فقط. بل المسيحيون الأوائل ومنهم مار بولس إفتخروا بدعوة الأفراد المذكورين ” إخوة يسوع “. لاسيما يعقوب ويهوذا ، وهما من لائحة الأثني عشر رسولا. فبينما كَّنى مرقس يعقوبَ بالصغير(مر15: 40)، تمييزا له عن يعقوب إبن زبدى، سَّماهُ بولس ” أخ الرَّب”(غل1: 19)، وكان أحد أركان الكنيسة الثلاثة {بطرس ويوحنا ويعقوب:غل2: 9} وأول أسقف على أورشليم (أع12: 17؛ 15: 13). بحيثُ لما نجا بطرس من السجن اليه أرسلَ الخبر أولا ثم الى الأخوة (أع12: 17). وربما يكون أيضا هوالمقصود بيعقوب الرسول الذي تراءى له يسوع على حدة  كما لبطرس وبولس (1كور15

 5-8). وكان والدُه قليوفا حسب رواية لوقا أحد تلاميذ يسوع الاثنين وسبعين، وأحدَ الاثنين اللذين تراءى لهما يسوع على طريق عماوس (لو24: 18). فإذا كان قليوفا تلميذا ليسوع ، وزوجته مريم أقرب المقربات الى يسوع مع مريم المجدلية و سالومة زوجة زبدى بحيثُ ترافق يسوع الى الجلجلة وتقف مع مريم أم يسوع عند الصليب ، و آبنان من أولادهما رسولين ليسوع ، ألا يَعتبرُهما الحسُّ الأيماني لا فقط إخوة بل وأقرب من  الإخوة؟. صحيحٌ أنهم أبناء قليوفا ومريم ، وليسوا أولادَ يوسف بن عالي ومريم إبنة يواقيم وحنة. لكن وثاقَ المحبة ورابطَ الصداقة الصادقة أقوى من علاقة

 الدم. كما قال المثل :” ورُّبَ أخ لم تلِدْهُ أمي “

  • أخي من يعملَ مشيئـة أبي  

يبدو أن يعقوبَ وإخوتَه و والديه كانوا من الذين آمنوا بيسوع وعملوا بمشيئة الآب. لكنهم ليسوا وحدَهم من آمن بيسوع. قال يسوع لتوما :” طوبى لمن آمنوا ولم يروني” (يو20: 29). لأنَّ من آمن وآعتمد(مر16:16) قد أصبحَ إبن الله وشريكَ يسوع في الميراث (غل4: 7)، وبالتالي أخا له.   فنحن كلنا إذن إخوة يسوع وليس فقط أبناء قليوفا. يسوع تقاسمَ معنا الناسوت ، ونحن ورثنا معه ذخيرةَ البنين الألهية. لقد قبلنا يسوع إخوةً له. إنما لمْ يُعطِنا هذا الأمتياز لنفتخرَ به. أعطى يهوذا الأسخريوطي أيضا هذا الأمتياز. لكنه لم يحافظ عليه ولمْ يستثمرْ موهبَتَه ، فخسرَ آمتيازَه

 وهذا الأمتياز يُحافظ عليه بالأقتداء بحياة يسوع والشهادةِ له بكل شيء : بسلوكنا وشعورنا وأمنياتنا. أخوتنا ليسوع تتحَّققُ بسماع كلام الله ونقلِه بأمانة وتطبيقِه في حياتنا اليومية. إنَّ بُنُّـوةَ الله جهـادٌ من أجل الحق، ولن يغلبْ من يتقاعس عن الجهاد أو ينكر الحق. وأُخُّـوةُ المسيحِ يسوع شــهادةٌ للحب في البذل والغفران ، وتلمذةٌ في نكران الذات وحمل صليب الجهاد ، ومن يتنَّكرُ لهما لن يرثَ إكليلَ المجد المحفوظ لأبناءِ الملكوت

 

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO