أربعة مواقف من كلمة الله

أربعة مواقف من كلمة الله

بقلم الأب سامي حلّاق اليسوعيّ
نقلاً من موقع الرهبنة اليسوعية للأقليم الشرق الأوسط
القراءات الكتابيّة

* أشعيا 55: 10-11

هكذا يقول الرَّب: «كما يَنزِلُ المَطَرُ والثَّلجُ مِنَ السَّماء ولا يَرجِعُ إِلى هُناك بل أَن يُروِيَ الأَرض ويَجعَلَها تُنشيء وتُنبِت لِتُؤتِيَ الزَّارعَ زَرعًا والآكِلَ طَعامًا كذلك تَكونُ كَلِمَتي الَّتي تَخرُجُ مِن فمي: لا تَرجِعُ إِلَيَّ فارِغة بل تُتِمُّ ما شِئتُ وتَنجَحُ فيما أَرسَلْتُها لَه

* روما 8: 18-23

أَيُّها الإِخوة: أَرى أَنَّ آلامَ الزَّمَنِ الحاضِرِ لا تُعادِلُ المَجدَ الَّذي سيَتَجَلَّى فينا. الخَليقةُ تَنتَظِرُ بِفارِغِ الصَّبْرِ تَجَلِّيَ أَبناءِ اللّه. قد أُخضِعَت لِلباطِل بِسُلطانِ الَّذي أَخضَعَها، لا طَوْعًا مِنها. ومع ذلك لم تَقطَعِ الرَّجاء، لأَنَّها هي أَيضًا ستُحَرَّرُ مِن عُبودِيَّةِ الفَسادِ لِتُشاركَ أَبناءَ اللهِ في حُرِّيَّتِهم ومَجْدِهم. فإِنَّنا نَعلَمُ أَنَّ الخَليقةَ جَمْعاءَ تَئِنُّ إِلى اليَومِ مِن آلامِ المَخاض، ولَيسَت وَحْدَها، بل نَحنُ الَّذينَ لَنا باكورةُ الرُّوحِ، نَئِنُّ من البَاطِن مُنتظِرينَ التَّبَنِّي وافتِداءَ أَجسادِنا

* متى 13: 1-23

في ذلكَ اليوم، خَرَجَ يسوعُ مِنَ البَيت، وجلَسَ بِجانِبِ البَحر. فازْدَحَمَت عليهِ جُموعٌ كَثيرة، حتَّى إِنَّه صَعِدَ إِلى سَفينةٍ وجَلَسَ فيها، والجَمْعُ كُلُّه قائمٌ على الشَّاطِئ. فكلَّمَهُم بالأَمثالِ على أُمورٍ كثيرةٍ قال: «هُوَذا الزَّارِعُ قد خرَجَ لِيَزرَع. وبَينما هو يَزرَع، وقَعَ بَعضُ الحَبِّ على جانِبِ الطَّريق، فجاءَتِ الطُّيورُ فأَكَلَتْه. ومِنه ما وقَعَ على أَرضٍ حَجِرة، لم يكُنْ له فيها تُرابٌ كثير، فنَبَتَ مِن وقتِه لأَنَّ تُرابَه لَم يَكُن عَميقًا. فلمَّا أَشرقَتِ الشَّمسُ احتَرَق، ولَم يكُن له أَصلٌ فيَبِس. ومِنه ما وقَعَ على الشَّوك فارتفعَ الشَّوكُ فخَنقَه. ومِنه ما وقَعَ على الأَرضِ الطَّيِّبة فأَثمَرَ، بَعضُه مائة، وبعضُه سِتِّين، وبعضُه ثَلاثين. فمَن كانَ له أُذُنان فَلْيَسمَعْ ! ». فدَنا تَلاميذُه وقالواله: «لِماذا تُكلِّمُهم بالأَمثال؟» فأَجابَهم: «لأَنَّكم أَنتُم أُعطيتُم أَن تعرِفوا أَسرارَ مَلكوتِ السَّمَوات، وأَمَّا أُولَئِكَ فلم يُعطَوا ذلك. لأَنَّ مَن كانَ لَه شَيء، يُعْطى فيَفيض. ومَن ليس لَه شَيء، يُنتَزَعُ منه حتَّى الَّذي له. وإِنَّما أُكلِّمُهم بِالأَمثال لأَنَّهم يَنظُرونَ ولا يُبصِرون، ولأَنَّهم يَسمَعونَ ولا يَسمَعون ولا هم يَفهَمون. وفِيهِم تَتِمُّ نُبُوءةُ أَشَعيا حَيثُ قال: «تَسمعونَ سَمعاً فلا تَفهَمون، وتَنظُرونَ نَظَراً فَلا تُبصِرون. فقد غَلُظَ قَلبُ هذا الشَّعب وأَصَمُّوا آذانَهم عَنِ السَّماع وأَغمَضوا عُيونَهم لِئَلاَّ يُبصِروا بِعيونِهم ويَسمَعوا بِآذانِهم ويَفهَموا بِقُلوبِهم ويَتوبوا فأَشفيهم؟». وأَمَّا أَنتُم، فَطُوبى لِعُيونِكم لأَنَّها تُبصِر، ولآذانِكم لأَنَّها تَسمعَ. الحَقَّ أَقولُ لَكم: إِنَّ كثيرًا مِنَ الأَنبِياءِ والصِدِّيقينَ تَمَنَّوا أَن يَرَوا ما تُبصِرونَ فلَم يَرَوا، وأَن يَسمَعوا ما تَسمَعونَ فلَم يَسمَعوا». فَاسْمَعوا أَنتم مَثَلَ الزَّارِع: كُلُّ مَن سَمِعَ كَلِمَةَ الملكوت ولم يَفهَمْها، يَأتي الشِّرِّيرُ ويَخطَفُ ما زُرِعَ في قَلبِه: فهذا هوَ الَّذي زُرِعَ في جانِبِ الطَّريق. وأَمَّا الَّذي زُرِعَ في الأَرضِ الحَجِرة، فهُو الَّذي يَسمَعُ الكَلِمة ويَتَقَبَّلُها لِوَقْتِهِ فَرِحًا، ولكن لا أَصلَ لَه في نَفْسِه، فلا يَثبُتُ على حالة. فإِذا حَدَثَت شِدَّةٌ أَوِ اضطِهادٌ مِن أَجلِ الكَلِمة عَثَرَ لِوَقْتِه. وأَمَّا الَّذي زُرِعَ في الشَّوك، فهُو الَّذي يَسمَعُ تِلكَ الكَلِمة، ويكونُ له مِن الحَياةِ الدُّنيا وفِتنَةِ الغِنى، ما يَخنُقُ الكَلِمة فلا تُخرِجُ ثَمَرًا. وأَمَّا الَّذي زُرِعَ في الأَرضِ الطَّيِّبة، فهُو الَّذي يَسمَعُ تِلكَ الكَلِمة ويَفهَمُها فيُثمِرُ ويُعطي بَعضُه مِائة، وبَعْضُه سِتِّين، وبَعضُه ثلاثين

العظة

ما هي مشكلة الأراضي مع كلمة الله؟ يفسّر يسوع المشكلة باقتضاب

أوّلاً، يسمع ولا يفهم. كلمة الله تظلّ أمرًا مُنزَلاً، مجموعةً من العبارات والشعارات والمبادئ، لا تطبيق لها في الحياة اليوميّة. والفهم يعني استبطان. أن تتحوّل كلمة الله إلى قناعة، وتكفّ عن أن تكون قانونًا مُنزَلاً يطلب منّا الرضوخ على مضض. إذا لم يتمّ استبطان كلمة الله، تظلّ على السطح، ولن تأتي بثمر. إنّها حياة المؤمن السطحيّ، الذي يسعى إلى تجميع المعلومات عن الدين من دون أن يجعلها تلج إلى عمق أعماق كيانه

ثانيًا، غياب التأصّل. لا يكفي أن يستقبل الإنسان كلمة الله في قلبه، بل عليه أن يجعلها تغوص في العمق. وعمليّة الغوص لا تتمّ بين ليلةٍ وضُحاها، بل بالممارسة اليوميّة والانتباه الدائم لكلّ حركات النفس. ويسمّي الأدب الروحيّ هذه العمليّة: اكتساب العادة السلوكيّة. لدينا كلّنا عادات. كيف اكتسبناها؟ من الممارسة المتكرّرة. هذا ما عناه يسوع من عبارته: «الَّذي يَسمَعُ الكَلِمة ويَتَقَبَّلُها لِوَقْتِهِ فَرِحًا، ولكن لا أَصلَ لَه في نَفْسِه». يسمع، يتقبّل، ولكنّ عمليّة التأصّل التي تجعل ممارسة هذه الكلمة عادة سلوكيّة تنقص

ثالثًا، غياب الزهد. فالزهد ليس عادة خاصّة بالرهبان، بل هو جهد مطلوب من كلّ مؤمنٍ. أستطيع استقبال كلمة الله، وأستطيع التمرّس عليها، ولكنّي لا أريد أن أتخلّى عن بعض التعلّقات، فأعيش انقسام القلب. وبالتالي، كما يقول القدّيس بولس، الخير الذي أريده لا أفعله. أعرف أنّه خير، وأتمنّاه، وأشتهيه، وأرغبه، ولكنّي حافظتُ في قلبي على عشبٍ ضارٍّ يضعف إرادتي. لذلك يقول يسوع في مكانٍ آخر: مَن أراد أن يتبعني، مَن أراد أن يعمل بكلمة الله، عليه أن يحمل صليبه. وما الصليب إلاّ رمز للتخلّي والموت عن. موتٌ عن الشهوة، عن الأنانيّة، عن كثيرٍ من الأمور التي تخنق كلمة الله وتمنعها من الإثمار

رابعًا، مقياس الثمر. لسنا هنا أمام مشكلة علنيّة بل ضمنيّة. لقد استقبلت الأرض الطيّبة الكلمة، وفهمتها، وتعمّقت بها، وأزالت كلّ ما يعيقها. حينها ستثمر الكلمة من تلقاء نفسها. فالثمر معيار لمعرفة حسن استقبال كلام الله أو سوء استقباله. أين المشكلة إذًا؟ إنّها في تحديد الثمَر. كثيرون يعتقدون أنّ الثمر هو التزام بخدمات، أو بجمعيّات، أو أعمال صالحة. لا شكّ في أنّ هذا ثمر. ولكن هل هو من أرضٍ طيّبة؟ ألم تعطي الأرض الصخريّة وأرض الشوك ثمرًا أيضًا؟ هل أحافظ على روح المجّانيّة والخدمة والمحبّة في ما أفعله، أم تخفي خدماتي رغبة بالتباهي والتعالي، أو سعيًا وراء مكانةٍ اجتماعيّة؟

إنّ الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة. ويسوع يعطي الإجابة ضمنًا. فالبذار يتعرّض لظروفٍ صعبة ومضايقات. إذا تخاذل، أو انسحب، أو يئس، أو يبس، فهذا علامة على أنّ الأرض ليست طيّبة. ومَن له أذنان للسماع فليسمع

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO