صلاة لقلب يسوع الأقدس

صلاة لقلب يسوع الأقدس بقلم الأب هنري نوين

كتب هنري نوين عدّة صلوات لأسبوع الآلام سنة 1986. قاوم في البداية الكتابة عن القلب الأقدس، إلاّ إنّه قبِل طلب إحدى أصدقائه صياغة صلاة عن هذا الموضوع التقليديّ. هذه مختاراتٌ من صلاته ليوم الجمعة العظيمة.
يا سيّدي الحبيب يسوع أنتَ «صورة الله غير المنظورة، بكرُ الخليقة، أنتَ مَن به خُلق كلُّ شيءٍ مما في السماء ومما على الأرض، ما يُرى وما لا يُرى» أجدُكَ معلّقًا جثّةً هامدةً على الصليب. وقد كنت تفوّهت للتوّ بكلماتكَ الأخيرة «لقد تمّ كلّ شيء»، وأسلمتَ الروح.
أَنظرُ إلى جسدكَ المائتِ على الصليب. وقد كَسَرَ الجنود ساقيّ المصلوبَين معكَ وما كسروا ساقيك، ولكنَّ واحدًا منهم طعن جنبكَ بحربةٍ، وفي الحال تدفّق الدم والماء. قلبكَ محطّمٌ، ذاكَ القلب الّذي ما عرف الحقد ولا الانتقام ولا الضغينة ولا الغيرة ولا الحسد، ما عرف إلاّ الحب، حبًّا عميقًا ورحبًا للغاية حتّى إنّه غمر أباكَ الّذي في السموات وعموم البشر متى ما كانوا وحيثما كانوا. قلبكَ محطّمٌ وهو نبع خلاصي، وأساس رجائي وسبب حبّي. إنّه المكان المقدّس، حيث يتّحد ما كان وما هو وما سيكون. هناكَ كلّ الآلام قد قوصِيَت، مجموع الغمّ عُونِيَ، منتهى العزلةِ استُحمِلت، عُمق الخِذلان اعتُريَ، وكلّ كُرْبات الموت استُصرخت. هناكَ قبّل الحبُّ الإلهيّ الحبَّ البشريّ. هناكَ تصالح الله مع جميع رجال هذا التاريخ ونسائه. هناكَ ذُرفت كلّ دموع جنسنا البشريّ. هناكَ أضحى كلّ وجعٍ مُتَفَهّمًا. وكلُّ يأسٍ مُرفقًا به. وأنا بصحبة جميع البشر من العصور بأسرها أنظر إليك، أنتَ يا من طعنوك، وأفهم تدريجيًّا معنى أن أكون عُضوًا في جسدكَ وقطرةً من دمك، معنى أن أكون إنسانًا.
وإذ بي أنظر، تبدأ عيناي بإدراك كُرب الناس وعذابهم هم الّذين أعطيتَهم ذاتكَ. قلبكَ المحطّم يصبح قلب سائر البشريّة، قلب كلّ العالم. أنتَ يا مَن يَحملهم جميعًا: الأطفال المهملين، الأزواج المرفوضين، العائلات المفكّكة، المشرّدين، واللاجئين، والمسجونين، والمشوّهين، والمعنّفين، والآلاف بل الملايين من غير المحبوبين المنسيّين المتروكين ليموتوا معزولين. إني أرى أجسادهم الهزيلة، وجوههم اليائسة، ونظراتِهم القلقة. أراهم جميعَهم هناكَ حيث جسدُكَ المسمّر وقلبكَ الممزّق… يا سيّدي الرحوم، إن قلبكَ محطّمٌ بسبب كلّ الحبّ الّذي لم يُعطى أو لم يستقبل

تدفّق دمٌ وماءٌ من قلبكَ المحطّم… أيّها الربّ يسوع، ساعدني لكي أفهم هذا السرّ. سال كثير من الدماء عبر العصور: دمُ ناسٍ لم يعرفوا حتّى لماذا يُسحقون ويُداسون ويُشوّهون ويُعذّبون ويُذبحون ويُقطّعون ويُتركون من دون دفن؛ دمٌ أراقته سيوف وسهام وبنادق وقذائف فلطّخت وجوه الملايين من الناس؛ دمّ ينبثق من الغضب والمرارة والحسَد ومن قلوبٍ ملأى بالانتقام، واستقرّت في الكراهية والعنف والدمار. من دم هابيل الّذي قتله أخوه إلى دم اليهود والأرمن والأُكرانيّين والإيرلنديّين والإيرانيّين والعراقيّين والفلسطينيّين وسكّان جنوب أفريقيا والأمم الكثيرة والجماعات الإتنيّة ضحايا شرّ نوايا أخوتهم وأخواتهم في البشريّة، من دم هؤلاء امتلأ وجه الأرض، وصراخه يَصِلُ إلى السماء: «إلهي إلهي لما تركتنا؟»

فليعطِني الدمُ والماءُ المتدفّق من قلبكَ قلبًا جديدًا فأحيا حياةً جديدة. إنّي أعلم أن في هذا العالم لن يفترق الماء عن الدم. سيكون السلام مع القلق، وسيترافق الفرح والدموع، ويمتزج الحبّ بالنزاع. سيكونان هناكَ متلازمَين، فيقودانني كلّ يوم لأتقرّب منك، أنتَ الّذي تهبُ قلبكَ لقلبي.
بقلم الأب هنري نوين.
نقلها إلى العربيّة الأب روني جميّل اليسوعيّ

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO