الأحـد الثالث للرسـل

الأحـد الثالث للرسـل

2014.06.22

يتلى علينا اليوم إنجيل -::< لوقا 10: 21-42 >::- ويبدأ بالتأكيد على أن الله يكشفُ ذاتَه على يد يسوع ، وأنه هو الذي يُعَّرفُ بالله ويكشفُ جوهرَه ومشـيئَته للبشر. ولهذا فقد نالَ أناسُ زمانه نعمة كبيرة وفرصة فريدة ، لا مثيلة لها، للتعَّرف على حقيقةِ الله. وبالأخص الرسلُ والتلاميذُ الأوائل فهم محظوظون ومُمَّيزون بين الناس لأنهم”عاشوا مع الله على الأرض

فرأوه وسمعوه وتأملوه ولمسوه وشهدوا له فبَّشروا به (1يو1: 1-4)

ثم جوابا لكاتب أرادَ إحراجَه فسأله ” ما العمل لضمان الحياةِ الأبدية ” أكَّد أنَّ المحبة هي الطريق إلى تلك الحياة ، ثم قُّصَ خبر السامري الصالح ليُحَّددَ أنَّ قريبَ الإنسان هو كلُّ متألم ومتضايق يحتاج الى تحريك قلب الرحمة نحوه وإبداءِ المساعدةِ الملائمة له. وأنهى لوقا خطابه بخبر استضافة مرتا ومريم أختا لعازر ليسوع وتشَّكِ مرتا من أنَّ مريم تهملها للاهتمام بسماعه هو فقط. فيرُّدُ عليها يسوع بأنَّ ما تفعله مريم هو أهم. فالإصغاءِ الى كلامِ الله و الاعتناء بفهمه وحفظه وتطبيقه يضمن حياة الإنسان لا الطعام الزمني

•       ومن هو قـريبــي  ؟

لما قال يسوع لعالم الشريعة أنَّ المحبة هي سبيلُ الحياة فصَّلَ كلامه أيضا بأنَّ المحبة تشملُ ، حسب الشريعة نفسها ، الله من “كل القلب وكل الفكر وكل النفس وكل الطاقة ”  والقريبَ مثل الذات. فلا يبقى غموضٌ في الأمر ولا مجالٌ للسؤال أو تحوير كلام الله. و رأى الكاتبُ أنَّ يسوعَ قد تفوَّقَ عليه. لم يؤمن به ولمْ يستسلم. بل بادرَ بسؤال آخر لعَّله يستعيدُ كرامتَه فلا ينهزم أمامَ يسوع، ويُبَّرر عدم إيمانه. يريدُ أن يقاومَ يسوع ويحرجَه ، فقال : ” ومن هو قريبي”؟. كان من المفروض أن يعرفَ الكاتبُ هوية القريب. فالكتاب قد دَّلَ عليه ،: ” لا تجوروا.. لا

تسايروا فقيرا ولا تحابوا قديرا ..لا تبغضْ أحدا في قلبك. لا تنتقم ولا تحقد على أبناء شعبك. بل أحِّبَ قريبَك مثلما تُحِّبُ نفسك .. ليكن عندكم الغريبُ النزيلُ فيما بينكم كالأصيل منكم. أحّبوه مثلما تحبون أنفسكم ..”(أح19: 15-34). يرفضُ الفريسي أن يُقّـرَ بالحقيقة ويَتبعَها. ومثله يفعلُ فريسيو كل الأزمنة ، وكل البلدان وكل الشعوب!.

لمْ يسأل الفريسي ليتعَّلمَ ، ولا أستهدف معرفة الحَّق. كلا. أرادَ فقط ” إحراجَ ” يسوع ، و ربما ليكتشفَ أفكارَه بشكل أوضح حتى يقاومه بحجَّةٍ أقوى. ولا زال البشر يقتدون به. لكنه وَّرَطَ نفسَه من حيث لمْ يدرِ. لأنَّ الحَّـقَ علا ولمْ يقـوَ هو أن يعلوَ عليه!.  والحَّقُ يعلو في كل عصر لأن يسوع غلبَ العالم (يو16: 32)، ولكن هل لمؤمني كل عصر إيمانٌ يضمنُ لهم ذلك ؟. هل ” يجدُ ابنُ الإنسان إيمانا على الأرض ” (لو18: 8)

•       مريم ، اختارت النصيبَ الصالح

بعد هذا الحديث الصريح والدسم عن الفرق بين معرفة الشريعة والغوص الى العمق في استجلاء معانيها والتقَّيد بها مع إنسان ” مُراءٍ” لا يهمه الجوهر بقدر ما يتعَّلق بالمظهر، أخذ يسوع إستراحة ً مع أصدقاءٍ يولون كلامَ الله قيمة ً ويحاولون حفظه كما يليق. هما مريم و مرتا أختا لعازر. أرانا لوقا مرتا وهي مهتمة ومنشغلة بأمور الطعام و واجب الضيافة المهم . في حين أبرزَ مريم وقد تفَّـرغت للإصغاء الى الله والتجاوبِ مع إرادته. مريم التي نالت من فيض فضل الله نعمة عظيمة إذ أنقذها من مرض خطير و” أخرج منها يسوع سبعة شياطين  ” (لو8: 2)، ربما كانت هي التي سبق

وذكرها لوقا ” تبكي على أقدام يسوع ، في بيت سمعان الفريسي، متندمة على خطاياها الكثيرة ، غاسلة إياها بدموعها وعطرها ” (لو7: 36 – 39)

لقد إختبرت الشَّر وفساد الأخلاق. لقد بحثت على نموذج الحب الصافي الحقيقي و وجدته عند الله فقط ، المتجسد بشخص يسوع. وقد أحبت ذلك النموذج ، وتعَّلقت نفسُها بذلك الحب البريء وأحسَّتْ بعظمته فأحَّبته وتشبثت به وقررت أن تنهلَ منه ما آستطاعت ، فلا تضَّيعَ فرصة ً إلا  و شربت منه. ألم يقل يسوعُ ذات يوم ” من كان عطشان فليأتِني. ومن آمن فليشرب “؟(يو7: 37-38). بل وأكَّدَ أنَّ من يشربُ من ماءِ محبته لن يعطشَ بعد(يو4: 13) . لم تجلس مريم عند أقدام يسوع لتختبر حُّبَه. بل لأنها آمنت به وآختبرت عذوبة صداقتِه وذاقت حلاوة حُّبهِ لذا إختارت يسوع فوقَ كل شيءٍ

وكَّرست له حياتِها. ولمْ تبخلْ بأغلى عطر تسكبه على رجليه. كان ذلك علامة حُّبها العظيم كما شهد له يسوعُ نفسُه فقال : ” من أحبَّ كثيرًا يُغفرُ له الكثير” (لو7: 47). وسوف لن تبخلَ عليه بأغلى من هذا العطر يوم يقيمُ أخاها لعازر من القبروتقيمُ له مأدبة فاخرة ، وتكررُ نفس مشهد توبتها،” فتناولت مريم حقَّة طيبٍ من النردين الخالص غالية الثمن، ودهنت قدمي يسوع ثم مسحتهما بشعر رأسها ” بينما كانت مرتا من جديد منشغلة بالوليمة “فأُّعدَ له عشاءٌ ، وأخذت مرتا تخدم ” (يو12: 2-3)

لما نقلَ موسى كلام الله الى البشر قال :” أصغوا وآسمعوا..وآحرصوا أن تعملوا بها “(تث5 : 1-2). لقد أدركت مريم المجدلية هذا الدرس لما عاينت حُبَّ الله مجَّسدا في شخص يسوع. وإذ آمنت بكلام الله بحثت عنه ووقفت عند قدميه تائبة عن مساوئها، وجلست بهدوء “عند قدمي يسوع تستمعُ الى كلامه” (آية 39). لقد سمعت يسوع يقول :” ليس بالخبز وحده يحيا الأنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله “(متى 4:4؛ تث8: 2). وقد عرفت أنَّ الله الذي هو محَّبة (1 يو4: 8) لمْ يوصِ بسوى المحبة (آية 27). لقد خرجت منه المحبة بآتجاه الناس. و يريد أن تعود اليه صافية نقية. فالمحَّبة شريعة الشرائع (يع2: 8) إذ

تختصر” كلام الشريعة كلها والأنبياء ” (متى22: 40). وحتى يمتليءَ المرءُ من محبة الله ، يجب أن يفَّرغَ آنيته من كل فكر وعاطفة أخرى. يجب أن يستحّمَ بكلام الله ويتعَّطرَ بحُّبه ليفوح منه عطرُ حب الله.

•       الأيمان الفاعل بالمحَّبة

فمريم إختارت هذا النصيب. ولآ أحد يقدرُ أن يحرمها منه. إذ لا شيءَ يقدر أن يمنعَ الله عن أن يُحّبَنا (رم8: 39). والأيمان والمحبة توأمان ، يحدثُ نقص إذا آختفى أحدهما(1كور13: 2-3). آمن الكاهن واللاوي و الفريسي بالله إيمانا حرفيا ، فكريا وتقليديا ، لكنه خلا من العاطفة. لم يُغّذوا حياتهم بمحبة الله ، رغم أنها أولى الوصايا، وأهملوا محبة القريب فظلَّ إيمانهم أنانيا عديمَ النفع. وظلَّ التمييز العرقي و الثقافي سيّد الموقف فمنع أشعة المحبة أن تلَّين قلوبهم تجاه من في الضيق ، من يتألم بسبب الظلم أو بسبب الشّر. كان إيمانا بلا محبة ، ميَّتا فلم يُعطِ

ثمرًا (يع2: 26)

أما المجدلية فكان إيمانها يُضرمُه حُّبٌ أصيل. لمْ يقدر أن يقفَ في وجهه لا الطعام ولا المال ولا حتى الخجلُ الأجتماعي ، فلم تُبعِدها عن يسوع. لقد إختارت أن تكون مع الله وتُحّبَه من كل قلبها، ولم يقوَ شيءٌ أو أحدٌ على فصلها عن محبة المسيح (رم8: 25)، حتى ولا الموت الذي هدَّد تلاميذه . و سيبقى إيمانها ومحبتها نموذجًا ودافعا يسندُ الكثيرين في مسيرة حياتهم الأيمانية. إيمانها وحبها جعلاها ترافق يسوع الى الجلجلة وتراقب مكان الدفنة وتبَّكر صباح الأحد الى القبر. إيمانها العميق وحبها العارم إستحَّقَا لها شرفَ أن تكون الأولى في مشاهدة يسوع

حَّيا ، وآلأولى في التبَّشير بالقيامة حتى تلاميذ يسوع. كان إيمانها حَّيا ، وكان حُّبُها مُحّييًّا. عاشت لله ، وكان الله يحيا ويعمل فيها (غل2: 20)

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO