الأحــد السابع للقـيــامة

الأحــد السابع للقـيــامة

2014.06.01

يُتلى علينا اليومَ إنجيل -::< مرقس 16: 9-20 >::- ويتحّدَثُ بآختصار عن ترائيات يسوع بعد قيامتِه للمجدلية والتلاميذ والرسل ، وتوبيخه لهؤلاء ” لقلةِ ايمانهم وقساوةِ قلوبهم”، ثم عن تكليفهم بحمل بشارته الى العالم أجمع و وعده لهم بمساندتهم بالآيات. وينهي مرقس إنجيله بخبر صعود يسوع الى السماء ، إستلامه زمام قيادة الكون، وآنتشار الرسل حاملين البشارة بمعونة الرب

•       وَّبخَـهم لقّـلةِ إيمانهم

عدم الأيمان هو شيمة البشـر والشَّكُ ديدنهم. لأنَّ الأنسان َ: يفكر ويفهم ، ويرغبُ ويشتهي ، ويختار فهو فخور بذاتِه ويتصَّور أنه كامل. ولأنَّه : يعملُ ويقضي حاجته ، ويأمرُ بقية الكائنات كلها ويسودُ على قوى الطبيعة ، ولا يعاينُ كائنا آخر يفوقه فلا يتصَّورُ أنه ينقصه شيء. لا يتذَّكرُ ماضيه عندما كان طفلا لايقوى على شيء، ولا يتصَّورُ مستقبله عندما يشيخُ فيفقدُ كل قواه وتستقوي عليه الأمراضُ والعاهات. إنه يشاهد عكس ذلك ويُحُّس فقط بحاضره حيث يرى نفسه كلا في كل شيء فيتقوقع في نفسه ولا يرى في ” الآخرين” بشَرًا كانوا أم بهائمَ أم نباتًا سوى

منافسين له وعوائق لتحقيق رغائبه. لا يحُّسُ أنه يُكَّونُ جزءًا من الكون و أنَّ أمثاله يكملونه. لذا لا يُصَّدقُ غيرَه بسهولة لاسيما إذا آختلفت رؤية غيره عنه و تعارضت مع مخططاته ومبادئه

هكذا يرفضُ الرسلُ الأيمان بما إدَّعته النساء. كيف يمكن أن يُصَّدقَ يهوديٌ إمرأة لا يعترف بمساواتها له ، ترفضُ الشريعة شهادتها ، بل ويشكر الرجلُ اللهَ على أنه لم يخلقه إمرأة؟. و رفضوا الأيمان بآدّعاءِ بعض التلاميذ رؤية يسوع حيا. وهل يتعلمُ الكبيرُ والمتقدم ممن هو صغيرٌ وأدنى ؟. كيفَ يؤمنون بقيامة يسوع؟. يسوعُ نفسُه أقام أمواتًا. نعم. فعل كذلك ايليا النبي واليشع. أما يسوع ، فمن أقامه ؟. كيفَ يمكنُ لجسد مزَّقته الجلدات والضربات ، و فقَدَ كلَّ دمه ، ومات مقتولا أن يرجع الى الحياة ؟. صحيحٌ أنَّ يسوع أخبرَهم قبل موتِه ثلاث مرات بأنه سقوم

حيا ، ولكن كيف يمكن أن يتذكروا ذلك بعد كلِ ما عاينوه من مأساتِه، وهم لا يتذكرون ماذا أكلوا يومَ أمس؟. ليست هذه مرة أولى يوبخهم فيها يسوع على قلة إيمانهم. سبق ولاحظ مرّاتٍ عديدة ذلك وآعترض عليهم بمرارة (متى8: 26 ؛ 17:17)

•       لامهم لقسـاوةِ قلوبهم

قساوة القلب أيضا ميزة خاصَّة بالأنسان. يتمَّسكُ بشدة بما يُعجبُه ، يقتنعُ به وتعَّـودَ عليه من أمدٍ طويل. ولا يريدُ أن يتخَّلَ بسهولة عما قد تعَّلقَ به فكرُه وقلبه. لا يتنازل سريعا عن آدابه وعوائِده ، ويُقَّـلدُ بدون عناء ما يُعاينه في غيره. ما قد ترَّبى عليه لا يُبَّـدله بما لايقتنع به. أما يقولون أنَّ ” عادةُ الـبدن لا يغيّرُها إلا الكفن “؟. قياسُ الحقيقة لدى القلب هو ما يرتاحُ اليه و أصبح فيه طبيعة ثانية. فليس سهلا أن يتبنَّى المرءُ الجديدَ الذي يُغَّيرُ له وضعه ومبادئَه. و خاصة إذا كانت مخالفة ومناوئة لحالتِه،أو مُبَّددة

لأحلامِه، أو تسَّببُ له وجعَ رأس ومفاصل

وربما كان اليهودي نموذجا للأنسان العنيد المتمَّسك برأيه وتطلعاته. من زمن موسى تشكى الله من قساوة قلب الشعب وغلاظة رقبته (خر3: 9؛ 33: 3)، أى فساد أخلاقه وزيغانه عن الحق (تث9: 12) والأستهانة بالله وعدم الأنقياد لإرشاده (عدد14: 23-24)، والتمَّرُد على عهده وتوجيهاتِه (خر33: 4 ؛ عدد14: 39-45). قساوتهم هذه إضطرت موسى أن يسمح لهم بالطلاق (متى19: 8؛ تث24: 1). وآستمَّر الشعبُ قاسي القلب وقد لامه بذلك اشعيا النبي (أع28: 27) رغم دعوة المزمور الى سماع كلام الله وعدم تقسية القلب (مز94: 8-11). و حتى يسوع لم يتردد في أن ينعتَ حتى التلاميذ بهذا العيب والنقص(مر3: 5 ؛ 6: 52). ومثال على

ذلك هو نظرتهم الخاطئة عن هوية المسيح ورسالته التي حصروها ككل يهودي في تشكيل مملكة أرضية يكونون هم أسيادها (متى20: 21: لو24: 21: أع1: 6)

•       وذهبوا يُبَّشرون والرب يعينهم

إستحَّقَ التلاميذ هذا التوبيخ لأنهم حصلوا على أكبر نعمة ينالها الأنسان وهي أن يعايشوا الله سنوات ثلاث ويقودوا معه حياة مشتركة بأتعابها وآمالها يأكلون معه ويتثقفون على يده. لقد إشتهى ملوك وأنبياء هذا النصيب ولم ينالوه. كان الرسلُ محظوظين. وقد هنَّأهم  يسوع على ذلك (لو10: 23-24). ولكن لم يتغَّيروا إلا بقدرة الهية ، بحلول الروح القدس عليهم

فبحلول الروح عليهم تحَّولوا بزاوية مستقيمة ، درجة 180* ، وأصبحوا ودعـاء وأقوياء وأسخياء وغيورين ولاسيما روحيين على مثال يسوع نابذين كلَّ حرفٍ للشريعة ومتجَّردين عن كل رأيٍ أو طموح شخصي. فحملوا راية إيصال الخلاص الى كل الشعوب بكلمتِه و نعمتِه. صار كلُ واحدٍ منهم يسوعًا آخر ومسيحًا مُرسلا عبر الأمكنة والأزمنة يؤدون خدمة يسوع وهو يعينهم فيها مؤَّيدًا إيّاهم بالآيات. يرافقهم يسوع بروحه وبنعمـتِه

•       بآســم يســوع

ذكَّرَ يسوع تلاميذه قبل أن يتمَّجد بأن يرفعوا طلباتهم الى الله بآسمه : ” لم تسألوا شيئًا بآسمي الى الآن.إسـألوا تنالوا ..”(يو16: 24). وها هو اليوم يُؤَّكدُ لهم أنَّ من يعمل أيضا بآسمه تجري على يده الآيات. من يؤمن بيسوع ويعمل بآسمه ويُصَّلي بآسمه يتحَّولُ الى يسوع آخر فتكون خدمتُه أيضا مرضية ومثمرة

يكتبُ مرقس هذا لا عن إيمان فقط. لا ينقلُ الينا حرفيا فقط كلام يسوع. بل ينقلُ إلينا ما عاينه وآختبره في فترة الكرازة الأولى قبل أن يُحَّررَ إنجيله. كتبَ إنجيله حوالي سنة 70م. وقد إستشهد عـددٌ من الرسل والتلاميذ. وقطعت الكنيسة شوطًا من حياتها ورسالتها. فقـد شاهدَ دخول الوثنيين الى الأيمان المسيحي. كما شاهد الآيات والمعجزات التي أجراها الرب على أيدي الرسل والمؤمنين. إختبرَ كيفَ أنَّ الروحَ يقودُ الكنيسة ويرشد الرسل في متابعة عمل يسوع من تعليم وتعميد وصلاة ولاسيما في دعوة العمال الجدد وفتح الحقول الجديدة و آستعمال أدوات الروح

الجديدة لأنماء الأيمان وإذكائِه. لقد عرفوا أنَّ أفضلَ إعلام ليس بالدعاية الحرفية بل هو العيش في وحدة صميمية مع المسيح الذي هو معهم ويُعينهم. العملُ عمل يسوع والرسل والمؤمنون كلهم وسيلته وأداتُه ليجول العالم كله ينادي بالحقيقة ويُطالبُ بالمحَّــبة. وطوبى لرسل اليوم إذا تذكروا هذا وقبلوه وذابوا فيه !

القس بـول ربــانَ

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO