الأحـد الثاني للقيـامة

الأحـد الثاني للقيـامة

الأحــد الجـديـد                    2014.04.27

إعلان قداسة بابوين : يوحنا 23 و يوحنا بولس 2

يُتلى اليومَ علينا انجيلُ -::< يوحنا 20: 19-31 >::- ويقُّصُ خبر ترائي يسوع يوم القيامة لعشرة رسل بغياب توما ، وبعد ثمانية أيام للأحد عشر وتوما حاضرٌ. أظهر توما شكَّه بالقيامة ما لمْ يُعاينها بنفسه ويتأكَّد بحواسه من أنه يسوع فعلا وليس خيالا ، وذلك بمعاينة آثار الصلب في جسمه. ولما ظهر لهم يسوع وعاينها أعلن إيمانه صارخا ” رَّبي وإلهـي”!. عندئذ فقط إكتمل ايمان توما بلاهوت يسوع

•       تومـا نموذج الانسان العاقل

إشتهر اليونان بالفلسفةِ ولاسيما بعلمِ المنطق ، أى ان تتوافق الأحداث مع التفكير السليم الى حد أنه يمكن تكرارها بنفس الطريقة التي ظهرت فيها للمرة الأولى. فمن يتعاملُ مع الأمور المنطقية ، كالهندسة والطب وكل الفروع الأخرى للعلوم يقفُ ساكتا ، شاكا ولا مباليا أمام ما لا يدخل إطار فكره وعمله. فلما حدَّث بولس أهل أثينا عن القيامة إستهزأُوا به لأنه لا يمكن للإنسان إذا مات أن يعود الى الحياة ذاتِها بقوته وعلمه (أع 17: 31-33). والقيامة فعلا هي من قبيل ما لا يقع تحت الحواس ولا يقبله المنطق لأنه يخرجُ عن طوع الإنسان وطاقتِه ، فلا يقدر الإنسان أن

يسيطرَ عليه ولا أن يُكرره لأنه لا يتبع القوانين الفيزيائية المعروفة و المُعَّولٌ عليها عالميا وعلميا

أما توما فما كان من المفروض أن يشك هو الذي شاهد يسوع يُقيم ثلاثة أموات : ابنة يائير ، ابن أرملة نائين، ولعازر. ولكن عُذرَه كان أنه شاهد تلك القيامات وقد أجراها يسوع كما أجرى مثلها قبله إيليا (1مل 17: 17-24) واليشع (2مل 4: 18-37). الله وحده يُقيمُ الموتى

أما الأنبياء فبقوة الله يُجرون المعجزات. حتى يسوع شكرَا لآب عند إقامة لعازر لأنه استجاب له (يو11: 41). أما يسوع نفسه فكيفَ قام ولمْ يُقِـمهُ أحـد؟. ولما تيَّقن من أن يسوع فعلا حَّي، تيَّقن أيضا من أنَّ يسوع هو” اللـه “، وعندئذ زالُ كلُ شكٍ عنده. لقد سيقَ وأزال يسوع شكَّ الرسل ، بشكل عام، حول لاهوتِه،عندما قال لفيلبس :” من رآني رأى الآب”(يو14: 9

لكن الرسل لم يستوعبوا كلَّ أبعادِ كلام يسوع ،لأن الروح القدس ” لم يكن يومئذٍ قد أعطيَ ، لأنَّ يسوع لم يكن قد تمَّجدَ بعدُ “(يو7: 39

أما الآن فقد تمَّجد يسوع بالقيامة “وتمَّجدَ الله فيه “(يو13: 31)، كما قد أُعطيَ الروحُ القدس :” خذوا الروحَ القدس ” قال لهم يسوع يوم القيامة (يو20: 22). الآن وقد فتحَ الروح ذهنهم بدؤوا يستوعبون هوية يسوع ورسالته كما هي: ” ربي والهي”. يسوع هو اللـه وهو رب أى ملك يقود كنيسة المؤمنين. هكذا سيبدأ الرسلُ شهادتهم ويختمونها :” هذا يسوع قد أقامه الله. ونحن شهودٌ على ذلك… وقد جعله >” سَّيدًا ومسيحًا “<(أع2: 32-36

•       العـلمُ والأيمــان

هكذا أوصلَ مار توما الحسَّ العلمي بالحس الأيماني. لقد أدرَكَ أنَّ مجال الأيمان لا يُدرِكه العلم دوما. ليس العلمُ المبني على الحواس وحده نورَ الإنسان. بل نورُه ما يأتيه من الله بالأيمان. هذا ما سيُّؤكدُه يسوع لتوما ، إذ قالَ له : ” رأيتَ الآن ما آشتهيتَ فآمنتَ. لا فضلَ لك الآن. وإذا لمْ تؤمن تكون ناقصا ومُذنبا بحقِ الحقيقة التي عاينتها وكنتَ ترفضُ قبولَها. هناكَ من هو أفضلُ منكَ. إنه الذي لمْ يرَ وآمن. فالطوبى لذاك لأنه عرفَ كيف يستقبلُ نورَ الوحي الألهي ويثقُ به ويشهدُ له. نعم ” طوبى للذين يؤمنون ولم يروا “( آية29)، هؤلاء فتحوا قلوبهم

وأذهانهم لأشعة الوحي الإلهي لأنهم عرفوا أنْ ليس الإنسان حِسًّا فقط ، حتى يجمع المعرفة من خلال الحواس فقط . بل هو روحٌ أيضا وله فكرٌ روحي يُكَّملُ من خلاله معرفته ويبني حياتَه. وليسَ فكرُه الروحي سوى قبسٍ من نور الحقيقة الإلهية. واللـه هو خالقُ الروح و الجسد معا. وهما معا يُحققان إنسانية كل إنسان فرد ويتوازيان ليقودا سلوكه عبر أحداث الحياة. لذا على الإنسان ، لاسيما على تلميذ يسوع ورسوله ، أنْ يكون مستعدا ليقبلَ كلامَ الله حتى إذا لمْ يُدركْ حالا كلَّ أبعاد معانيه. ليس فخرًأ  للإنسان أنْ يتزمَّتَ في موقفٍ لانه لا يفهم ما يُخالفه ، أو

يرفضَ رأيا وأمرا يتحَّدى قدرته على الاستيعاب ويشرحه غيرُه باختلاف عنه. كما ليس فخرا أن يقتنع المرء برأيه ويتمَّسكَ به على حساب كلام الله وفعله. كما إنَّ الجسد والروح هما من قدرة الله الخلاقة ، كذلك العقل والأيمان هما من هباتِه وقواه التي تتَّممُ حياة الإنسان

•       الأيمان والعقل جناحان للحقيقة

فالبابا يوحنا بولس الـ 2 الذي يُرفعُ اليومَ على المذابح قديسا – مع البابا يوحنا الـ 23- كتب في 14 أيلول 1998 رسالة عنونها ” الأيمان والعقل ” جاءَ فيها :” إنَّ العقلَ الذي حُرمَ رفدَ الوحي راح يتخبط في دروبٍ جانبية يمكنها ان تثنيَـه عن رؤية هدفه الأخير. والأيمان بدون العقل أخذ يُرَّكز على الإحساس والاختبار متعَّرِضا بذلك لأن تسقطَ عنه ميزته الشمولية ” (رقم 48). وأكد قداسته أنَّ ” للأيمان دّالة ٌتوازيها جرأة العقل “. فيُضيف بأنَّ الكنيسة مقتنعة ” كل الاقتناع من أنَّ الأيمان والعقلَ يتعاونان ” (رقم 100). وأختصر البابا زبدة بحثِه بقوله :” الأيمان

والعقلُ هما بمثابةِ الجناحين يمَّكنان العقلَ البشري من الارتقاء الى تأمل الحقيقة “(المدخل الى الرسالة). لذا ” ضرورية العلاقةُ بين هذين العلمين ويستحيلُ الفصلُ بينهما “( رقم 77).

كاد توما أن يفتقرَ الى التوازن بين عقله وإيمانه لكنه عرف في الأخير أن حقيقة قيامة يسوع المسيح تفوقُ قوى الحواس وأنها من عمل الله وقدرتِه. ما يقوى الله أن يعمله للإنسان يقوى ان يعيشه في نفسه بشكل طبيعي. فما أدعته النسوة ورفاقه العشرة لم يكن لا خرافة ولا

خيالا من صنع هلوسة عقلانية. بل كان حقيقة إلهية تمت لتضمن حياة البشرية جمعاء للأبد. يسوع هو فعلا رب وإلاه قادرٌ على أنْ يخلصَ الناس. فقيامة يسوع صارت دعوة للإنسان ليسلك طريق الله ويقتدي بيسوع ، وضمانا للاشتراك في مجده الموعود (يو17: 20-24). وإن كان توما قد تشاءَم حينا ،عند إهمال يسوع لعازر يموت، فلم يتمالك طبعه الحاد فقال : ” لنذهب نحن ايضا ونمت معه “(يو11: 16)، لقد إفتهم الآن هوبة يسوع ومحتوى رسالتِه وأعلن استعداده لقبولها وإتمامها. وقد يأتي تصريحه ” ربي والهي” صرخةً يُدّويها في آذان السامعين ويعني بها : أيها السامعون والقارئون لنشهد كلنا له

ولنحملْ كلنا رايته ولنتبعْه حاملين ذُّلَه وعارَه (عب13:13) ، هاتفين : هذا هو الله ، هذا هو السيد الذي يقود الى نبع الحياة.  لِنتْبَـعْهُ ولنلتصق به ولا نسمح لأحدٍ أو لشيءٍ ما أنْ يفصلنا عنه. هو وحده قضى على الموت، هو وحده يضمن الحياة ، لأنه وحدَه ” اللـهُ الحَّي

القس بول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO