تلميذي عماوس

تلميذي عمّاوس

يقول القديس أوغسطين: “كانا مائتان، ولكن كانا يسيران مع الحي، كانا مائتان، وهما يسيران مع الحياة بالذات”.  ا

مسيرة عماوس هي مسيرة كل واحد منّا. ففي إنجيل لوقا السير مع يسوع هو المسيرة المثالية، “مسيرة التلاميذ” الذين يتبعون معلمهم. فالذي يتبع يسوع هو شخص قامَ بعمل أساسي، أي إختيار يسوع ، وهذا العمل فيه الثقة الكاملة بأن يسوع هو كلمة الله الحقيقي. ا

مع هذا في الطريق تحدث أمور عديدة تجعلنا في حيرة كبرى وشك. يترك تلميذي عماوس أورشليم متّجهان نحو مدينة أخرى، وهما يحملان مرارة في داخلهما. كانا يتخيلان أحداث الأسبوع: لقد اسْتُقْبِل يسوع قبل اسبوع بفرح عظيم، كالأبطال، ملك ومخلص إسرائيل، وجسّد معنى المحبة في خميس الفصح عندما غسل أرجل التلاميذ، مظهرا قيمة العمل الذي قام به لتلاميذه. لكنه اُسْلِمَ إلى الموت فمات على الصليب وانتهى كل شيء! كل شيء إنتهى: آمال وأفكار، صداقات ومشاريع، وكل شيء أصبح غامض. ا

حوار عميق بين ثلاثة أشخاص سائرون في الطريق. يسير يسوع في وسط تلميذين، ينظر إليهما بعمق، ويسمع لهما بانتباه وإهتمام كبير، يحبهما ويحتضن بحنان كبير حملهما الثقيل الآتي من خيبة الأمل التي أصابتهما والتي عطّلت مسيرة حياتهما، وجعلتهما غير قادرين على قراءة الأحداث الأخيرة، قراءة إيمانية. وهما لم يعرفاه. ا

يباركهما الرب يسوع بعلامة حلوة جدا وهو يفسّر لهما المعنى العميق للكتب ابتداء من موسى والأنبياء وكل ما يتعلّق به وهما ينظران إليه بنظرة تعجّب وإندهاش. ا

إنها مسيرة معرفة وتمييز من الرب القائم، فهو الآن حاضر ليعبر بهما من اليأس المطلق إلى الرجاء المفرح. إذا كان التلميذان قد شعرا بأنهما تُرِكا لوحدِهما، وقد هزمتهم توقعاتهم اليائسة، هوذا الآن الرب يسوع معهما، ليَمْلأ كل احساس بالوحدة لديهما. ا

بعد أن كَسَرَ الخبز، عرفاه، فتوارى عنهما. من الآن فصاعداً، اللقاء مع الرب يسوع ممكن فقط في الأفخارستيا، في حياة التضامن مع الآخرين وبذل النفس من أجلهم. حركة “كسر الخبز” كانت غنية جدا ومليئة من المعاني في الأوساط المسيحية الأولى، حيث كان المسيحيون الأوائل ولوقت طويل يسمّونها “مقاسمة الخبز”. أنه نفس فعل يسوع في الأفخارستيا التي نشترك فيها نحن اليوم. ا

أفخارستيا بدون إهتداء ولا تغيير أو لا خدمة للآخرين، ستكون فقط افخارستيا واجب يكمّل حسب التقويم، دون أي لقاء بالمسيح. الأفخارستيا تُعطي الإنسان المؤمن وعيا ًبالمسؤولية تجاه إخوته، مسؤولية تجاه البشرية التي تحتاج بشكل كبير للحرية والعدالة والسلام. لا يمكن للأفخارستيا أن لا تفتح حياة المسيحي، وكل الجماعة التي تحتفل بها للمشاركة والمقاسمة. هذه هي الأفخارستيا بالذات، فهي تكشف عمق العلاقة بين الشركة والرسالة. اشترك تلميذا عماوس مع الرب يسوع في الوليمة لكنهما لم يتوقفا عند ذلك فقط بل رجعا إلى أورشليم وشاطرا التلاميذ الأخرين الخبر المفرح “أنه قام حقا قام”. ا

هكذا علينا أن نفهم الآن أن عماوس هي هنا! ظهور الرب على طريق عماوس يعني الإمكانية لكل واحد منّا في اللقاء مع القائم، وليس فقط للاثني عشر تلميذا. الأفخارستيا يقول المجمع هي: “ذروة وأساس الحياة المسيحية كلّها”. الجماعة المسيحية ليست جماعة إتحاد مصالح بشرية، لفكرة فلسفية أيدولوجية أخلاقية، بل هي جماعة موحدة حول شخص واحد: يسوع القائم، وهي تشكّل جسده السري. ا

الأفخارستيا هي وليمة العهد الجديد، تعلن وليمة العهد الأبدي عندما شرب الرب يسوع مع تلاميذه “الخمر الجديد” في ملكوته المتحقق (راجع لوقا 22: 18). ا

في طريق عماوس، ليس على يسوع أن يغيّر وجهه كي يعرفاه، بل طريقتهم في رؤية قصته هي التي تحتاج إلى إنقلاب حقيقي ليتعرفا عليه. بالفعل حركة كسر الخبز هي التي تفتح عيونهما وتعيد إلى أذهانهما حياة يسوع الأرضية، خاصة يوم خميس الفصح في العشاء الأخير عندما يهب يسوع حياته من أجلهم ويصبح الخبز المنقسم لكل مسيحي، إلى ذكرى موته على الصليب علامة الإكتمال لفعل العطاء. ا

هكذا نحن أيضا بحاجة إلى أن نتعلّم مثل تلميذي عماوس، لنفهم عمق عطية الإيمان التي استلمناها، وأن علينا أن نهتم بها بكل حِرص وإهتمام من خلال تنشأتنا المسيحية المستمرة، من خلال اشتراكنا الدائم في الافخارستيا، من خلال الشجاعة في إعلان بشرى الخلاص للعالم إبتداء من البيت إلى كل إنسان لم يعرف مَن هو المسيح القائم. ا

في الأفخارستيا هناك “أعمال رائعة” أعمال قام بها الله في تاريخ البشرية. فالقربان المقدس هو أعظم عمل تركه لنا يسوع على الأرض، عندما نكون حاضرين في القداس لنتأمل بخشوع معنى الافخارستيا ونشكر الله على هذه العطية ونقول: ا

أنت يا رب الطريق ساعدنا أن نحفظ خطواتك، واجعلنا قادرين على ملاحظتها منسّقين بين حياتنا وكلمتك. أضرم قلبنا وعلّمنا أن نكون بجانب إخوتنا، بنفس توجيهاتك المحيّية، بإنتباه ومودّة. ا

هب لنا ان نزرع فقط كلمات الحق، في مواجهة اليأس فنملك الأمل، مثلما سمع وتقاسم تلميذي عماوس توقعات الذي سار بجانبهما

أبقى معنا يا رب! ولا تغيب عن مائدتنا ولا عن مسكننا لأنك ضيف حلو إكسر لنا خبزك. ا


الأب سامي الريّس


No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO