الأب فرانس وسرّ القبّعة

الأب فرانس وسرّ القبّعة

بقلم الأب سامي حلاق اليسوعيّ

ذات يوم، أهدى شخص ميسور الأب فرانس فان در لوخت قبّعة غريبة. كان الأب فرانس قد ساعده نفسيًّا كي يخرج من أزمته، ولم يتقاضى كعادته أجرًا منه. وإذ يعرف هذا الشخص حبّ معالجه النفسيّ للمسير، أحضر له من أوروبا قبّعة تحوي شريحة صغيرة للطاقة الشمسيّة، مربوطة بمروحة في المقدّمة، ترسل الهواء البارد إلى الوجه

frans-04هديّة ثمينة، فريدة، غريبة، طريفة، أحبّها الأب فرانس كثيرًا. وفي المساء، أظهر القبّعة لإخوته الرهبان في الدير، وأنا واحد منهم، ومن شدّة إعجابنا بها التقطنا صورًا ونحن نلبسها.
في اليوم التالي علمت سيّدة بأمر القبّعة، فجاءت وطلبت أن تأخذها لأنّها تعاني مشكلاتٍ في عينيها، ولا تتحمّل حرارة الشمس المباشرة، وتضطرّ إلى أن تسير وهي تحمل جريدةً تحجب عن عينيها نور الشمس المباشر، فأعطاها إيّاها

أجل، أعطاها إيّاها ببساطة وتجرّد، على الرغم من حبّه لهذه القبّعة. أعطاها إيّاها قبل أن يستعملها ولو لمرّةٍ واحدة في رحلاته. أعطاها إيّاها بدون أسف ولا تذمّر ولا حرج

هنا يكمن سرّ حياة الأب فرانس وروحانيّته، والحبّ الذي يختبره في قلبه ويريد أن ينشره بين الناس. إنّه حبّ يبذل بدون حساب ولا تردّد ولا مساومة. حبّ يسعد في العطاء أكثر من سعادته في الأخذ، حبّ لا يعرف التملّك ولا الامتلاك. حبّ بلا شروط، حبّ بلا حدود

كنّا نلومه على هذا الحبّ – الأعمى بحسب تصوّرنا – لكلّ إنسانٍ بدون تمييز. فقد كنّا نرى كيف أنّ الآخرين لا يفهمون هذه اللغة، بل يرون فيها فرصة للاستغلال. وكان يعرف ذلك. يعرف أنّ هؤلاء يسعون وراء مصالحهم الأنانيّة، يعرف أنّهم كذّابون، غشّاشون، انتهازيّون، ولكنّه يرفض أن ينظر إليهم نظرةً سلبيّة، يرفض أن يتّخذ تجاههم موقف حذرٍ وارتياب. بل كان يحيطهم بمحبّته مؤمنًا بقوّة المحبّة الشافية. كان يؤمن بأنّ هؤلاء ضحايا عالمٍ لم يحطهم بالمحبّة التي يستحقّونها، فمالوا إلى الشرّ والكراهية أكثر من ميلهم إلى الخير، وصاروا يتصوّرون الله إلهًا ديّانًا شرطيًّا، ولا يتصوّرونه أبًا عطوفًا يحبّ أبناءه، ويعطف على خليقته.
كان الأب فرانس يؤمن بأنّه إن اختبر الناس المحبّة الحقيقيّة، سيغيّرون تصوّرهم لله وسلوكهم مع البشر. ولذلك كرّس نفسه ليجعل كلّ مَن يلتقيه يختبر المحبّة والقبول، فيبلغ من هذا الاختبار ملء الحرّيّة، لا حرّيّة أن يفعل ما يشاء، بل حرّيّة أن يلتزم بما تتطلّبه المحبّة. لذلك كان يكرّر في عظاته وأحاديثه ومداخلاته كلمة حبٍّ ومحبّة مئات المرّات، ومن شدّة التكرار ظهرت الكلمة حتّى في عناوين كتبه

كثيرون يقولون اليوم: لو خرج الأب فرانس من بستان الديوان منذ البداية، أو حين أتيحت له الفرصة، لما مات هذه الميتة. لكنّه أصرّ على ألاّ يخرج. وإصراره هذا نبع من اختبار روحيّ للحبّ الإلهيّ لا يستطيع هؤلاء المنظّرون أن يفهموه إن لم يختبروا الحبّ الحقيقيّ، الحبّ الذي يتخلّى راضيًا وبدون أسف عن قبّعة رائعة غريبة لأيّ شخصٍ يريدها. إنّ سرّ محبّة الأب فرانس كلّه يختبئ وراء هذه القبّعة

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO