عيد السعانين

عيد السعانين

ربّنا يسوع الملكُ المنتصِر

تدعونا أمنا الكنيسة اليوم لننضمَ إلى الجموع التي تستقبلُ ربّنا يسوع وهو يدخل مدينة أورشليم وهيكل الله فيها، وأفواهنا تُنشد ما في قلوبنا من محبّةٍ وتعظيمٍ لله الذي أعدّ لنا هذه الفرحة، مُعلنينَ أن ربّنا يسوع المسيح هو الملكُ على حياتنا، فنحمل سعفِ النخيل ونُحيي الملك الآتي منتصراً على الخطيئة التي تمنعنا من أن نكون مع إلهنا وملكنا. فالإعترافُ بملوكية ربّنا يسوع يعني إننا نقبلُ به مُرشداً لحياتنا، بل المُرشد الأوحد واثقين أنه يقود خطواتنا نحو الله أبينا، فنطيعهُ في كل ما يأمُربه، ونخضعُ له بفرحٍ لسُلطانهِ لتكونَ لهُ السيادة المُطلقة على حياتنا.

ولكن، ليتحقق مثل هذا الإيمان، علينا أن ننزعَ عنّا أسلحتنا التي تعوّدنا أن نُحارِبَ بها: كبرياءَنا وأنانيّتنا ونظرتنا الضيقة، وهذا ما يرمُز إليه اليوم فعلُ فرش الثياب على الطريق، إذ قامَ المحتفلون بنزعِ ثيابهم، بالتخلي عنها، ليُعنلوا إستسلامهم المُحِب للملِك الآتي، ليس هذا فحسب، بل ليُقدموا فعل الولاء والطاعة التامّة للذي أحبوهُ. فتخلّوا عن ما هو ظاهرٌ للعيون، إشارة إلى التخلي عن ما هو في الداخل لتبني فكرَ الملك ورؤيتهِ وإرادتهِ، مؤمنينَ أن الطريق الذي يقودنا فيه هو الطريق الذي يُوصلنا إلى الله، الذي ينتظرنا.

فينا الكثير من الإعتراضات لا في استقبال ربنا يسوع المسيح، بل في أن يكونَ ملكَ حياتنا. فالملوك الذين نصّبنهاهم في حياتنا هم كُثُر، ونحن لا نرغَب في التخلّي عن إكرامهم بل يسّرنا أن نعبدهم. ونعرِف أن ملكوية ربّنا يسوع تتطلّب منّا تضحياتٍ كثيرة، وأولاها أن يكون لنا الجُرأة لنترّك الأمكنة التي اعتدنا عليها، مثلما فعلَ الأعميان الجالسان على قارعة الطريق. نحن بحاجة اليوم وكل يوم إلى لمسة ربّنا يسوع الشافية لتُخلّصنا من مخاوفنا المُتزايدة يوماً بعد آخر، حتّى نرى حقيقة أن ما نتصارع عليه هو زائلٌ، والذي سيبقى وينتصر هو محبّة الله والقريب.

اليوم وضعت الجموع كل شيء ٍفي خدمة رسالة يسوع: صاحب الجحشِ الذي لا نعرف اسمه لكّن الله يعرِفه. تركت الناس أشغالها وجاءت لتستقبلَ الربّ وتبعتهُ حثما ذهبَ. تخلّى الناس عن ثيابهم وفرشوها أمام يسوع الملِك. لقد عملوا المُستحيل من أجل أن تتحقق خدمةُ ربنا يسوع. فما الذي نصنعهُ نحن اليوم لنجعل هذه الخدمة ممكنة في العالَم؟ ما يطلبهُ هو أن نتخلّى عن كل ما يعترِض طريقهُ إلى قلوبنا التي يُريد أن يقدمها لله، الذي عبرَ إلينا من خلالهِ.

ربنا صعِد إلى أورشليم ليحتفل بالفصح، حيث عبرَ الله نحو الإنسان، ليجعل عبور الإنسان إليه حقيقةً. فغاية هذا العبور هي أن تحقق الشِركة مع الله، هذه الشِركة التي تحطمّت بالخطيئة. فإذا رفعنا سعف َالنخيل اليوم لنُعلِنَ إنتصار ربّنا يسوع، فهو يسألنا أيضاً أن نرفع مع سعفِ النخيل أغصان الزيتون علامة المُصالحة والسلام، الذي بشّرنا به الملائكة منذ مولدهِ. فاحتفالية اليوم هي إحتفالية السلام الذي يُريد ربنا أن يُثبتهُ في عالمنا المجروح بالحروب، وفي حياتنا المُعذبة بالخطايا، حتّى لو كلّفه حياتهُ. ربنا يسوع يدخل هيكلَ الله، المكان الذي قدسهُ الله ليكونَ فيه قُربَ الإنسان، ويتمكّن الإنسان من أن يقترِب منه، ويتطلبُ هذا الإقترابُ محبةً ونقاوة القلب واليدين، فيقبل الإنسان عطيّة الله بنزاهةٍ لاغشَ فيها، من دون أن ينسى أن كلَّ ما نالهُ في الحياة هو عطيّة من الله عليهِ أن يشكر الله عليها ويُباركهُ ويجعلهُ الملكُ الأوحد في حياتهِ.

يروي لنا آباؤنا الروحيون عن ملكِ وُلِدَ وتربى في عائلة فقيرة، ولكنهُ برهنَ عن شجاعةٍ ونُبلٍ جعلا الناس تتوجهُ ملكاً. بعد مراسيم التنصيب أمرَ حُراسهُ أن يذهبوا إلى بيته القديم ويجلبوا معهم بعضاً من أغراضهِ، ويضعوها قُرب غرفة النوم في القصر، وكان يتردد إلى الغرفة يومياً ويرى هذه الامتعة العتيقة، ويقرأ عبارةً كتبها هو بخطٍ واضح: “كي لا أنسى”…

ربنا ينتظر منّا أن نقومَ من المكان الذي التصقنا بهِ، ونهرعَ إلى لقائهِ، وأن نتخلّى عن كل ما يمنعنا من استقبالهِ. اختيارت حياتنا صارت أثواباً ثقيلةً لا نقوى على حملها، فتُبقينا حيثُما نحن. فعلينا أن نؤمَن بأن الآتي؛ ربنا يسوع المسيح هو الملك الأوحد ولا ينبغي إشراكَ آخر معه. فما أعطاه لنا من الهبات ليست لتحبُسنا، بل لتكون لنا المقدرة لنفرشها أمام الآخرين حتّى يسيروا في طريق آمن للوصول إلى الله. الإيمان الذي نقبلهُ اليوم عطيّة من الله يتطلّب منّا إلتزاماتٍ تُعبّر عن صدقِ مشاعرنا، وهو ما تُعارضهُ حضارةُ اليوم التي تعد الإنسان بالكثير وبأقل الجهود لتتركهُ مُتعبا ومرهقاً أكثر من ذي قبلُ. إحتفالية اليوم تؤكد على حقيقة أولية الله في حياتنا، فهو الملك، وعلينا أن نُوليَه المكانة الأهم في حياتنا.

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO