فن التواضع

فن التواضع

موقع الرهبنة اليسوعية أقليم الشرق
تفضّل الثقافة الغربيّة، بطريقةٍ أو بأُخرى، تمجيد الذّات الإنسانيّة، لتحرّر بدورها معرفة المرء لذاته. لذلك عَنى مصطلح “التواضع” كثيرًا. فالتواضع يعني اصطلاحًا، أن نقبل حقيقة أنّنا لسنا إن ما نحن سوى بشر، ولسنا آلهة على الإطلاق. فالمتواضعون رحماء، تحرّروا من وهم أنّهم آلهة. فقد أتخيّل نفسي محور العالم، ولكن مهما تخيّلت فلن أكون، ولا حتّى هذا الكوكب الصغير مركز الكون. ولا حتّى أنّ الحياة تسير في غايتها ليأتي ملكوتي، ولتكن مشيئتي. لكن، يُطرح هنا السؤال التالي: ما الغاية إذًا من حياتي؟

فبما أنّني لست محور هذا العالم، فلا أسعى لأكون منشغلاً بذاتي تمام الانشغال، ولا أن أضع ذاتي على سلّم الأولويات وفوق كلّ الاعتبارات. لذا، ربّما يتوجّب عليّ أن أكون منفتحًا بشكلٍ جذريّ على الآخرين، فأن أكون متواضعًا يعني ثلاثة أمور: أن أعي أنّني بحاجة إلى الله والآخرين، المعرفة العميقة والصادقة لمواهبي ومحدوديّتي، والرّغبة في أن أهب حياتي في سبيل حبّ الخدمة.

فعندما رأى الصيّاد سمعان (بطرس) الصيد العجائبيّ الّذي صنعه الرّب (لوقا 5: 1-11)، خالجته لحظة مأساويّة لمعرفته لذاته. فقد عاين ضآلته، ولم ير نفسه ملائمًا لرفقة يسوع، لذلك سأله الابتعاد عنه. لكنّ الفراغ الّذي كان يسكن بطرس، سيتّحد مع عظمة الله وكماله ليُشكّلا انصهارًا قوّيًّا لا يمكن رفضه. فهذا الفراغ سيسمح لله بأن يعمل داخله، بعد أن كان هذا الحيّز ممتلئًا بذات بطرس فقط، ولم يهب لله أي فسحة، أو نصيب. وقد وُعد صيدًا أفضل، ففي خدمته للآخرين سيقوم بإنجازات مذهلة لعالمٍ مغايرٍ تمامًا لعالمه الّذي كان متقوقعًا حوله

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO