الأحــد الثالث للصــوم

الأحــد الثالث للصــوم

2014.03.16

يُتلى علينا اليوم انجيل (متى 20: 17-28) ويقُّصُ خبر الإنباء الثالث بآلام يسوع وصلبه وموته وقيامتِه ، وعلى أثره طلبَ أم يعقوب ويوحنا منه المنصبين الأعظمين في المملكة التي يتصَّورونها أنه سيُؤَّسسُها. ردَّ عليها يسوع أنها لا تدركُ ماذا تطلب. إنها تطلبُ السلطة والجاه. أما السلطة الحقيقية والجاه فهي بالمقياس الإلهي أى يمنحها الله لمن يرضى عنه أكثر من غيره. وهذا أمرٌ مُثَّبتٌ لدى الله منذ الأزل. يُكلف اللهُ الناسَ بخدمة ما ويزَّودُهم بالموهبة التي تعينهم على تحقيقها ، ويضمنُ جزاءَهم المقرر إذا أدّوها بأمانة. فـمن يثبتُ في أمانته

للخدمة يُمَّجدُهُ الله. لذا فالأيمان بالله ، والرضوخُ لمشيئتِه ، والالتزام بها أفضلُ من الطموح الى ما تشتهيه النفوس وهي لا تدرك ما تبتغي. ينهي يسوع كلامه قائلا :” من أراد أن يكون كبيرا فيكم فليكن لكم خادمًا… هكذا إبنُ الإنسان لمْ يأتِ ليُخدَمَ بل ليَخـدُمَ هو

•       السُلطة والتسَّلُط

السلطة تعني إنفرادُ أحدٍ أو تخويله من المجتمع في ممارسة قيادة الحياة الاجتماعية و توجيه العمل فيها لتسهيل أمور الحياة للمواطنين. وفيها أدوارٌ مختلفة من : وزير ، نائب برلماني ، حاكم ، مدير مدرسة ، مسئول عسكري ..الخ. لهؤلاء وغيرهم واجبٌ يُكَّلفون به و يُحاسبون    عليه. يُخَّولون باتخاذ إجراءات تضمن النظام وتؤدي الى صيانة الخير العام. إنهم يؤدون واجبا وخدمة أكثر من أن يتحَّكموا في مصير الناس. إنما لهم المجال ، إذا لم يتقيدوا بالضمير ، بأن يحققوا منفعة أكثر من غيرهم

أما التسَّلط فهو استيلاء شخص ، أو مجموعة أشخاص ، على مراكز القيادة واستغلالهم لها بالتحَّكم على المواطنين ، والتعالي عليهم ، ونبذ الحريات ، وعرقلة مسيرة الخير العام لصالح المنفعة الخاصة ، فردية كانت او جماعية. فيقومون ، باسم القانون ، بأفعال تحرمُ الكثيرين من حقوقهم ، وتؤذي غيرهم ، ويُهَّددون بل يُسيئون الى من يعترضُ سبيلَهم. يُعرَفُ أمثالُ هؤلاء عادة بالطغاة والإرهابيين الذين يُسَّلطون القـوّة والسلاح عوض القانون ، والحقدَ و التفرقة عوض المحبة والعدالة والمساواة والرحمة

•       يسـوع لمْ يأتِ ليُخـدَمَ

لمْ يطلب يسوعُ التسَّلط فلم يفرض على أحد لا علمَه (يو6: 67) ولا خـدمتَه ولا إرادتَه (يو 13: 27). ولم يبحث عن منصب أو منفعةٍ. كلُّ عملَهِ جاءَ ليكشفَ لنا قداسة الله ورحمته و محبته وعنايته. نادى بالحقيقة وعملَ الخير ودعانا الى المحبة المتبادلة والتعاون والتفاهم بحوار الكلام لا بدماء الأسلحة. إنه أعلن ودعا البشر الى التفاعل مع الحق وعدم إتباع شهوة الجسد أو العين أو الفكر. لقد خدمَ الإنسانية وأعطى شهادة عن محبتِه لها ببذل ذاتِه من أجلها. لمْ يستخدمْ الناس لمنفعته ، بل ولم يقتنِ من الدنيا حتى ولا مخدةً يضع عليها رأسه (متى8: 20). ورفضَ لأتباعه

أيضا كلَّ عنف أو طمع (متى10: 8؛ 27: 52). دعاهم الى الحكمة والوداعة (متى 10: 16؛ 5:5)، والمحبة (يو13: 34) والخدمة (يو13: 15) و المسامحة (متى18: 21-35). رفض القوة والعنف حتى في مقاومة الأشرار(متى5: 38) ، والحقد والكراهية (متى5: 22؛ لو6: 27-28). دعا الناس الى التحَّلي بسلوك الله نفسه (متى 7: 21) الذي” يشرق شمسه على الأشرار والأخيار، ويُنزلُ غيثَه على الأبرار والفجار (متى5: 45).  كانَ شعارُ يسوع ( الخـدمة ) لنفسِـه ولتلامـيذه.

•       الكنيسـة امتدادُ ليســوع

والكنيسة استمرار لحياةِ يسوع ورسالتِه وشعاره. ورابطها به ومثالها هم الرسل والتلاميذ الأُوَل الذين عرفوا يسوع وأدركوا عمقَ رسالتِه فعاشوها مثله باذلين أنفسهم لإيصال تعليم يسوع الى كل الناس وإعطائهم في سلوكهم النموذج المسيحي ليسهلَ على المؤمنين الجدد ، من الأجيال اللاحقة ، أن يقتدوا بالمسيح (1كور4: 16؛ 11: 1؛ اف5: 1؛ في4: 9؛ 2تس3 : 7). وهكذا تنعكسُ صورة يسوع الخادم وتتحَّققُ جيلا بعد جيل الى أن تكتملَ صورة الله الحية في الإنسان (تك 1: 27). فالكنيسة لا تدين العالم بقدر ما تعلنُ له حقيقة الله ومشيئته. لا تبحثُ عن المجد ولا تركضُ وراء الجاه

والمال ، حتى لو كان بعضُ أعضائها قد شَّوهوا هذه الصورة وقَّـلبوا الخدمة الى مصلحة. الكنيسة توَّفرُ للناس النعم والمعونات الإلهية التي رصّدها الله لهم. فالمسيحيون ، قادةً كانوا أم مرؤوسين ، مدعوون إلى إبراز صورة الخدمة بوجهها الناصع وعيشها بتصميم وبسخاء

يسوع لم يقتنِ شيئا من خيرات العالم ولم ينقصْه شيءٌ لأداء رسالتِه. والكنيسة أيضا منذ عشرين قرنا لمْ تشتغل لتكديس الأموال أو العقارات ، ومع ذلك لمْ يعوزها الى الآن ما احتاجتهُ لأداءِ خدماتِها للإنسانية. فأبناءُ الكنيسة ، تلامذة يسوع من كل جيل ، مدعوون الى روح خدمةِ الآخرين قبل اقتناص الفرَص و تدبير الحيل لاستغلال الناس وتكديس الثروات على حسابهم. كلنا مدعوون الى تحسين أحوال البشرية بالعمل بفكر مستقيم ونيَّةٍ صافية في إطار القوانين المدنية فلا نتهَّرب من الضرائب. وكلنا ملزمون بنشر ملكوت الله والعيش في إطار القوانين الكنسية فنتوقف

عن تدنيس يوم الرب الأحد بالعمل النفعي من دون ضرورةٍ حيوية. كلنا واعون بأنَّ إيماننا يُلزمنا بهذه الشهادة وبهذا السلوك الذي وحده يضمن للمسيح أن يحيا فينا(غل2: 20). وكلنا مُحَّذرون عن إهمال سُّـنةَ الله لإقامة سُّــنَتِـنا(مر7: 8). وكلنا نطلبُ العظمة والمجدَ مع الأعظم والأمجد يسوع المسيح ، وهو يقول لنا :” أنا المعلم والرب

قد غسلتُ أقدامَكم … لقد جعلتُ لكم من نفسي قدوة …وليس رسولٌ أعظمُ من مُرسِـلِهِ … قد علمتم الآن هذا الأمر. فطوبى لكم إذا عملتم به ” (يو 13: 12-17)

القس بول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO