لتأمّل في أيقونة الموت

لتأمّل في أيقونة الموت

 

 

 

قدّمها لكم الأب سامي حلّاق اليسوعيّ

يسوعيون

 

أيقونات الدينونة معقّدة جدًّا، وغالبيّتها فقدت معالمها بسبب التقادم، لذلك يصعب دراستها. وقد حالفنا الحظّ بإيجاد أيقونة واضحة، فأحببنا أن نشارككم بها. الأيقونة تحمل اسم أيقونة الموت، وهي في كنيسة البشارة بإقليم الفولغا. لكنّها لا تصوّر الموت، بل الدينونة كما وردت في الكتاب المقدّس. من الناحية الهندسيّة، تنقسم الدينونة إلى قسمَين. القسم الأعلى تتوزّع مشاهده على طبقات تفصل بينها سلسلة غيوم، والخلفيّة ذهبيّة، ويمثّل هذا القسم عالم المجد، في حين يختلط في القسم الأسفل الحابل بالنابل، والخلفيّة زرقاء تكثر فيها ألسنة اللهب: إنّه الدنيويّات، التي ستبلى بنار جهنّم. فالناظر يتلقّى الرسالة الأولى: النظام يقود إلى الله، والفوضى إلى الخطيئة، كما يقول القدّيس إغناطيوس دي لويولا.

في الأعلى، وعلى خلفيّة بيضاء، مكتوب: «سيأتي المسيح إليك أنت أيضًا، وسيدين الله الأحياء والأموات في يوم القيامة، وستمثلون أمامه بعد الموت جميعكم يا سكّان يافياتسيا».

وعلى هامش اليمين، يتمّ التذكير بما ورد في سفر الرؤيا: «ملاك الربّ سينفخ في البوق، وسيصدر الملاك صوتًا ترتعد له الخليقة، فتهتزّ له الأرض ويهيج البحر ويرتعد الجحيم، ويقوم الأبرار فرحين، بانتظار استقبالهم في الأخدار السماويّة، ويرتعد الأشرار بانتظار عذابات النار الجهنّميّة، ثمّ تسقط البروق وتُقصف الرعود، ويهلك الأشرار الذين لا زالوا على قيد الحياة، وتزول كلّ طيور السماء وزحّافات الأرض وكلّ بهيمةٍ تدبّ عليها، ويجفّ البحر، وتنطفئ الشمس وتسقط النجوم، وتقود الملائكة الأبرار إلى الفردوس، ووجوههم مشرقة كالشمس. فيا إخوتي، يا مَن ترعرعتم على الفضيلة، لنحبّ بعضنا بعضًا، كي يكون لنا نصيب في الملكوت. فإن لم تثبتوا على العمل الصالح، سيكون نصيبكم العذاب الأبديّ.»

على هامش اليسار مكتوب: «حينها يأتي الديّان الرهيب العادل، ويجلس على عرش ألوهته ليدين الأخيار والأشرار، فيكافئ كلّ واحدٍ على أعماله. فيقول للذين عن يمينه: «تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملك المُعَدّ لكم منذ إنشاء العالم». وينظر بغضبٍ مخيف إلى الذين عن يساره ويقول: «ابتعدوا عنّي يا ملاعين إلى النار الأبديّة المعدّة لإبليس وملائكته». ثمّ بأمرٍ من الربّ تشتعل النار في جهنّم فتلسع إبليس، وتبدأ الشياطين بتكبيل الأشرار، وما من أحدٍ ينقذهم من مصيرهم، في حين تقود الملائكة كلّ الأبرار إلى السماء.

القسم العلوي

السطر الأوّل من اليمين إلى اليسار: أجواق الملائكة في السماء. ويُشار إلى السماء بالقمر والشمس والنجوم فوقهم. الملاك جبرائيل في الوسط يحمل رمحًا طويلاً، يطعن به الملائكة الساقطين، إبليس وأعوانه، فيسقطون إلى الهاوية. وقد حرص الرسّام على تغيير ملامحهم كلّما ابتعدوا عن السماء بسقوطهم. فهم ملائكة في البداية، ثمّ تتغيّر سحنتهم إلى شياطين تدريجيًّا. إلى جانب الملائكة نجد الثالوث الأقدس: الآب والابن والروح القدس في هيئة حمامةٍ بيضاء. وإلى جانبهم الآب الضابط الكل، وهو يتوسّط السطر، ويشغل ذروة الأيقونة. على اليسار نجد قسطنطين وهيلانة ومعهما الصليب المقدّس، وحولهما الأجداد، آباء الأسباط الاثني عشر (السطر العلوي) ومجموعات الأبرار من اليمين إلى اليسار: الشهداء والمعترفون، الملوك الصالحين، الصديقون، وأخيرًا الرهبان الأتقياء. ومن تحت ستّة ملائكة.

السطر الثاني: على اليمين ستّة من الرسل الاثني عشر ووراءهم ملائكة. وفي الوسط المسيح الضابط الكل، وعن يساره يوحنّا السابق وتحته حوّاء، وعن يمينه العذراء مريم وتحتها آدم، والكل في حالة تضرّع من أجل الخطأة ولكي يرحم بدينونته الّذين لم يكونوا عنيدين في شرورهم. وعلى اليسار ستّة الرسل الآخرين. وفي الآخر ملاك يرسل الآباء المعلّمين في الكنيسة ليعظوا الناس. فينزلون بطريقة تخالف سقوط الشياطين في الطرف الأيمن للأيقونة. وفي السحاب الذي يفصل هذا السطر عن الذي يليه نجد ملاكا القيامة ينفخان في البوق.

السطر الثالث: حدث الدينونة. على اليمين اليهود وموسى في المقدّمة يعظهم ويرشدهم إلى الله، وعبارة فوقه: «موسى اليهوديّ المُرسَل من الله». وعلى اليسار جماعة الأبرار يتقدّمهم الملك الصالح ملكيصادق. إنّهم مجموعة الذين فضّلوا الآخرة على متع الدنيا: النسّاك والحبساء والزهّاد والمعلّمون والرهبان والعذارى وكلّ الذين عاشوا حياة صالحة. وفي الوسط مذبح عليه صليب المسيح وكتاب الإنجيل مفتوحًا وعليه كتابة: «لم آتِ لأدين العالم بل لأخلّصه. مَن سمع كلامي ينال الحياة، ومَن لم يسمع، يجلب دينونة لنفسه.» وإلى جانبي المذبح يقف ملاكان يحملان أدوات تعذيب يسوع: الإسفنجة التي فيها المر، والحربة. ووراءهما ملاكا الدينونة ينفخان في البوق. ومن تحت نجد ميزان العدل الإلهيّ، وشخص عارٍ يُدان، وفوقه عبارة: «هذه النفس تنتظر دينونتها». الشياطين تحاول أن تغشّ في الميزان، والملاك روفائيل (رأفة الله) يمنعهم بحربته. في هذا المشهد يظهر التنّين، الحيّة القديمة التي أغوت آدم، وفمه يلفظ النار، لكنّها نار قصيرة الأمد، لأنّ الغلبة لله.

القسم السفلي

على اليمين دائرة نسمّيها عودة الأجساد. بما أنّ القيامة هي قيامة الأجساد، لا بدّ لهذه الأجساد من أن تعود. نرى في هذه الدائرة الأرض ممثّلة في شخص امرأة تلبس ثوبًا مذهّبًا تعيد الأجساد المدفونين فيها بتوابيتهم. الحيوانات تلفظ جثث مَن التهمتهم، والأسماك أيضًا (على محيط الدائرة) والطيور تعيد ما أكلته من الجثث (في الأعلى). في الوسط، قسم من الحيّة البنّيّة اللون تقف عليه الوحوش الثلاثة المذكورة في سفر الرؤيا: الوحش المتعدّد الرؤوس، والوحش الذي يلفظ الكفر، والوحش الذي في هيئة كبشٍ ولكنّ صوته صوت وحش. ثمّ ملاك يخز بحربةٍ الأشرار ويدفعهم إلى جهنّم، وفوقه عبارة: «اذهبوا أيّها الأثمة إلى النار الأبديّة حيث البكاء وصريف الأسنان». وإلى جانبه ملاك يتكلّم مع دانيال النبي، وإلى جانبهما العبارة التالية: «وبينما كنتُ أنظر، نُصِبَت عروش، وجلس قديم الأيّام، وكان لباسه أبيض كالثلج، وشعر رأسه كالصوف النقيّ، فجلس أهل القضاء وفُتِحَت أسفار». وفي أقصى اليسار إبراهيم واسحق ويعقوب في جنّة عدن، وتحتهم أربعة مستطيلات كُتِبَت عليها أسماء أنهار الجنّة: فيشون وجيجون ودجلة والفرات. وإلى جانب المستطيلات واحد من الأبرار ينظر إليهم. يقول التقليد إنّه لعازر الفقير الذي ذكره يسوع في أمثاله.

الحيّة

تحتلّ الحيّة التنّين وسط الأيقونة، وهي تخرج من فم الوحش ووتلوّى حتّى العرش السماويّ، وعلى جسمها 24 حلقة مكتوب عليها: «المحاباة، الوثنيّة، الشعوذة، الغضب، الطمع، الشراهة، الكذب، النميمة، الاغتياب، الدعارة، الحقد، الإدانة، الغش، السخرية، التملّك، الكبرياء، الابتزاز، الجشع، السرقة، القتل، الزنى، الشهادة بالزور، الحنث باليمين، الجحود».

الطبقة السفليّة

على اليمين، يظهر وحش برأسين، يجلس عليه بعل زبول رئيس الشياطين وهو يمسك بأحد الأشرار. وبيده اليمنى سلسلة مربوط إليها المحكوم عليهم بالعذاب. وإلى يمينه حشود الأثمة والخاطئين، تدفعهم الشياطين بعنفٍ، وقد ربطتهم بشبك. ثمّ عمود مربوط إليه شخص يبدو أنّه ليس من الخطأة الآثمين ولا من الأبرار، تسمّيه الأيقونة: «اللا أخلاقيّ الرحيم». فيقف ملاك ويحمل كتابة: «جزاء الرحمة تفادي العقاب الأبدي. والشرّ لمَن لم يرحموا».

على اليسار جماعة الأبرار يدخلون باب الجنّة المرصّع الذهبيّ، يتقدّمهم بطرس الرسول وهو يحمل المفاتيح.

وفي الأسفل جماعة الخطأة. في أقصى اليمين وحش الموت يلفظ الأثمة ليذهبوا إلى العذاب. هذا الوحش نراه في برديّات مصر يلتهم الخاطئ الآثم بعد دينونته أمام محفل الآلهة، ويظهر هنا في الإيقونوغرافيا، لا ليبتلع الشرّير إلى العدم، بل ليلفظه إلى عذابات جهنّم. وفي الوسط، المحكوم عليهم معلّقون بالسلاسل والنار تحتهم تشويهم،

اللافت للانتباه هم جماعة الطرف الأيسر، وقد كُتِبَت عبارات حكمهم تحتهم. من أقصى اليسار وما يليهم: «مهنيّون غشّوا، يذهبون إلى الأتون»، «نساء أغوين الرجال بزينتهنّ غير المحتشمة يذهبون إلى العقاب الأبديّ»، «تجّار اشتروا المديح والخداع وباعوه يذهبون إلى العقاب الأبديّ»، «قضاة ظالمين يذهبون إلى الأتون»، «متسوّلون استعملوا الحيلة والكذب يذهبون إلى الأتون»، «كهنة دنّسوا كهنوتهم وحياتهم يذهبون إلى العقاب الأبديّ»، «أساقفة وسادة في المجتمع من كلّ الطبقات الروحيّة، لم يلتزموا بشريعة الله يذهبون إلى العقاب الأبديّ»، «قياصرة وقادة وكلّ حكّام هذا العالم لم يحكموا بالعدل يذهبون إلى العقاب الأبديّ».

وتحتهم، مجموعة أخرى تتعذّب وكُتِبَ تحتها من اليسار إلى اليمين: «نار حارقة»، «وحل»، «مستنقع عفن»، «جحر قوارض»، «جحر أفاعي»، «الماء المغلي»، «ديدان»، «وحوش كاسرة». وتحت المعلّقين بالسلاسل: «عقاب اللا أخلاقيّين»، «عقاب القتلة»، «عقاب عبدة الأصنام»، «عقاب الدائنين بالربا والجشعين»، «عقاب الزواني»، «عقاب الوشاة والنمّامين»، «عقاب اللصوص».

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO