الاحد الرابع من الدنح

الاحد الرابع من الدنح

المطران سعد سيروب

لا تبغي آية قانا الجليل أظهار مجد والوهية المسيح. فعلاوة على أظهار ألوهية المسيح، انها تعبر تعبيرا رمزيا عن جانب مختلف من جوانب عمله.
أريد ان أبدأ من الموقف الساخر لرئيس المتكأ تجاه العروس “جرت العادة..”. انها تسلط الضوء على العروس لامتداحه ولاظهار الغرابة في تصرفه. وفي الحقيقة انها موجهة الى يسوع، بدون علم من رئيس المتكأ لان رئيس المتكأ لم يكن يدري من اين أتت الخمرة. فيسوع هو العريس الحقيقي الذي قدّم خمرة العرس، وتحت ستار عرس القرية كان عرسه هو المعني: عرس الحمل المسيحاني الذي بشّر به يوحنا بمجيئه، والذي سيقول فيه عما قليل: “من يأخذ من العروس، فهو العريس. أما صديق العريس، وهو الواقف يسمعه، فيستولي عليه الفرح لهتاف العريس. هذا هو فرحي قد تمّ. لا بد له من أن يعظم، ولابد لي من أن أصغر” (يوحنا 3/ 29).  

الاجاجين الست التي يتكلم عنها يوحنا هي رمز لليهودية التي ينفحها يسوع بروح جديدة. “والخمرة الجيدة المؤخرة حتى الآن” والتي أعطيت بوفرة، تمثل النعمة في هذا العهد.ويسوع لم يأمر بالغرف منها إلا بعد أن طفحت الاجاجين كلها. ففي يسوع يكمل العهد القديم بالروح الذي جاء به. والقديس ايريناوس يرى في الافخارستيا تحقيق لرمز آية قانا الجليل. فالمسيح الذي يقدم لكنيسته كأس الخمرة الكاملة التي لا تنضب، نبع الفرح والحياة الابدية ، والعهد الجديد بدمه. ويقول فيها لتلاميذه، أفضل مما تقول حكمة العهد القديم: “هلموا!… اشربوا من الخمر التي مزجت” (أمثال 9/ 1-5؛ ابن سيراخ 24/ 17).

يسوع لا يعمل بمفرده بل قد اشرك الخدم في صنع الاعجوبة. لقد طلب منهم ان يملئوا الاجاجين حتى صفحت. اننا نجد هنا طابعاً مميزا للاعاجيب في انجيل يوحنا. فمهما سمت، فانها تستند الى حقيقة ملموسة وتشرك فيها الانسان. فالاعجوبة، عند يوحنا، تحصل نتيجة لسعي البشر، وجهودهم التي لا يغفلها، وانما يتبنها بمفهوم جديد.

دور مريم وايمانها مهم جداً: فهي لم تطلب أعجوبة، بل نقلت الى يسوع غمّها واغتمامها لاهل العرس. والتباين بين الاراء ظاهر. فيسوع يرجع الى ساعته. وساعة يسوع تعني الزمن الذي يُظهر فيه، مطيعا حتى الموت، ملءَ مجده كابن لله، ووحدته مع الآب وحبه للبشر (12/ 23-27..، 17/ 1). وهذه الساعة لم تأت بعد. ويسوع ينتقل من الحقائق المادية الى الحقائق الروحية: ينتقل من نقص الخمرة في العرس، الى الساعة التي يداوي فيها نقصاً أكثر ألحاحاً، فيخلص البشر من الموت، بتضحيته، وينقل اليهم الحياة. فمنذ البداية يرى يسوع كل عمله من منظور تلك الساعة ويرد كل شيء إليها.

قالت أمه للخدام: “افعلوا كل ما يأمركم به”. فهمت مريم أن نظر ابنها ينفذ الى أبعد واسمى من هموم الساعة الحاضرة ويصل الى نقطة المستقبل، سريّة، كل الحاضر يُنظم ويوجه نحوها. وخضعت بكل كيانها لسرّ تلك الساعة، فأمرت الخدم بأن يتقيدوا بأوامر يسوع، ويطيعوه طاعة عمياء. فماذا سيصنع؟ انها تجهل ذلك. وانما تفهم معنى عمله: فمهما فعل، فانه سيفعله من اجل تلك الساعة، التي قبلت ان تكون خادمة لها منذ الازل. فالاعجوبة هي جواب لطاعتها وايمانها. استبق يسوع ساعته فخلق خمر الاعجوبة كآية، وكشعور مسبق بمجد وسخاء العهد الجديد.

نحن نعيش اليوم، في الكنيسة حقيقة هذا السرّ. واليوم تتم الاعجوبة ويظهر مجد يسوع. لقد اشركنا المسيح في عمله الخلاصي، فعلينا ان نعمل معه لكي ما يعرف كلّ انسان الساعة التي ارادها الله له شخصيا في موت ابنه وقيامته. لنا دور مع مريم في ان يكون ايماننا وطاعتنا أساساً لكيما ما يُظهر الرب مشيئته الخلاصية

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO