الأحــد الثالث للـدنــح !

الأحــد الثالث للـدنــح !

2014.01.26

“| تحت مظـلة الـروح |”

يُتلى علينا اليوم إنجيلُ -::< يوحنا 1: 29-42 >::- وهو تتمـة انجيل الأسبوع الماضي. يكشف يوحنا عن أنه كان يجهلُ يسوعَ من هو ، أو أين هو!. يكشفُ أنَّ اللهَ أرسله ليُعَّمدَ حتى يأتي المسيح للعماد ، وأعطاه العلامة التي بها يتعَّرفُ عليه. ولما عمَّده ورأى الروحَ يحُّلُ عليه أعلنه لتلاميذه وشهدَ أنه هوالمسيحُ المنتظر. وأضافَ أنه  الحمل الألهي” الذي يحمل خطايا الناس ليُكَّفرَ عنها، وأنهُ ” ابنُ الله” أي كلمة الله المتأنس. وأنهى الأنجيليُّ حديثَه بالإخبار عن إيصال التلاميذِ الخبرَ الى إخوانهم وأصدقائهم ، ويذكر بطرس بالذات الذي ما أن سمع خبر ظهورالمسيح حتى أسرعَ الى لقائِه. وما أن إلتقاه حتى سَّماه يسوع ” صخرًا ” مختصرا بذلك إعترافَ القيصرية (متى16: 13-20). كما سيُسَّبقُ ايضا حلول الروح على الرسل و يذكره منذ القيامة (يو20: 22).

التدبيرُ الخلاصي يكتملُ بقـوة الروح القدس !

لما أخطأ الأنسانُ في البدء، وعدَه الله بمخّلص. وذكَّرَ بوعده عن طريق الأنبياء وهَّـيأَ لمجي المخلص. فـدَّبرَ الله بنفسه مسيرة التأريخ البشري وقادَ الأحداث المهّمة الى تحقيق هذا الوعد. عاش الناسُ حياتَهم ، بحلوها ومُرّها، بحرّيتهم أو منقادين للشهوات والنزوات أو لقوىً أعتى منهم. عاشوا حياتَهم ونَّفَذَ اللهُ من خلالهم مشروعه الخلاصي. وتدَّخلَ من حين لآخر فوَّجه بعضَ الناس الصالحين إختارهم ليُؤَّدوا دورا معَّينا ضروريا  لتسيرَ الأمورُ حسب المخطط الألهي. كما كان روحُ الله مرفرفا على الكون قبل ان يستقبلَ الحياة يحفظه ويُصَّقله (تك1:1)، هكذا تحَّركَ الروحُ الألهي ، لما حان زمان الخلاص، فدَّبر أمرَ ولادةِ المخّلص، ثم حماه من المخاطر. وأخيرا هوذا يقودُه الى الأردن كما يقود اليه ايضا يوحنا ليُؤَّديَ مهمَّتَه ويُعلنَ المخلص للعالم. يحلُ الروحُ على يسوع ليعرفه يوحنا ، ويوحي الى يوحنا صورة يسوع الفادي فيُحَّددُ هوّيتَه بأنه ” حملُ الله الذي يحملُ خطايا البشر”، دافعا ثمنها بأن تلدغُ الحيّة الجهنمية عقبه بينما هو يسحقُ رأسها (تك3: 15). لقد صَّورَالروحُ ليوحنا وجه يسوع  وكأنه تيسُ الشريعة الذي يُكَّفرُ عن خطايا الناس بحملها الى البرية ورميها في مزبلةِ إبليس (أح16: 21-22).

وهكذا إستطاعَ يوحنا أن يكشفَ ويعلن رسالة يسوع. ويسوعُ نفسُه يقودُه الروح ، بعدما حلَّ عليه ، الى البرية لمحاربة ابليس و سيبقى معه الى أن يتمجَّد ، فيَنفخه بدوره على الرسل (يو20: 22)، ثم يسكُبه فائضا على تلاميذه أجمعين (أع2: 3-4) حتى يواصلوا رسالته و يقودوا عملية خلاص البشرية جمعاء عبر الأزمان. لم يتخَّلَ اللهُ عن قيادةِ دفّةِ الكون. ولكن تدَّخلاتِه ليست بمقاييس البشر. حركةُ الأنسان سريعة وقصيرة. أما حركة الله فتشملُ قرونًا عديدة ما دام كلُ ألفِ 1000 سنة بشرية هي عند الله بيوم واحد ، والفُ سنة الهية هي يوم واحد مقارنة بالأزلية (2بط3: 8). وروح الله لم يُفارق عمله. والله يعمل بآستمرار، في كل حين (يو5: 17).

¨ الروح يدفـعُ الى الشــهادة !

الروحُ هو الذي كشفَ المسيح للمعمدان. ودفعَ يوحنا الى أن يكشفَه لغيرِه. ودفعَ أندراوس ليخبرَ سمعان، ودفع سمعان ليُسرعَ الى لقاء المسيح المنتظر والتعَّرفِ عليه. وسيقودُ الرسل

للأنتشار خارجًا في العالم كله حاملين الشهادة عن يسوع ، معلنينه أنَّه نورُ الحّق الذي جاء وأضاء سبيل الخلاص. وفي الداخل أيضا يوَّجههم و يلهمهم أن ينظموا رسالتهم وعبادَتهم و حياتهم كلها. فالروح هو الذي وجَّهَ بطرس ودعاهُ الى عدم تحريم ما حـللَّه الله (أع10: 15)

وأمره أن يرافق رجال القائد الروماني لتعميده (أع11: 12).

وقاد فيلبس الى الوزير الحبشي ليعَّمده (أع8: 29) ، ومنع بولس من التبشير في بيثينية و أوحى اليه أن يعبرَ الى مكدونية (أع16: 6-9) ، وأن يصعد الى أورشليم ويُحَّذرُه من أنَّ القيود والمشَّقات تنتظرُه (أع20: 22) ، وأنه سيُقبضُ عليه في أورشليم ويلقى في السجن (أع21: 11)، وأنه سينجو من الغرق هو ور كاب السفينة ويحضر أمام قيصر(أع 27: 23 -24). لم يخامر الشَّكُ الرسلَ أبدًا بأنَّ الروحَ لم يغادرهم  ولا أهملهم. بل كان إحساسهم أنَّ كلَّ ما يقومون به هو عمل الروح يُرشدُهم اليه ويُنَّفـذونه بالتعاون معه حتى قالوا في ختام مجمعهم في أورشليم : ” الروحُ القدسُ ونحنُ رأينا …”(أع15: 28).

الروح القدس يُرشدكم !

أحَّسَ الرسلُ بل وتأكـدوا من أنَّ ما يقومون به هو عمل الله ، وهم وكلاءُ فقط عليه. يحسّون أيضا برهبة الأمر وبأنه يفوقُ طاقتهم. لكنهم يعرفون أيضا بما أنَّ اللهَ هو العامل من خلالهم فلن يفشلوا ولن يخسروا أية معركةٍ دخلوها من أجل خلاص البشرية ، لأنهم ” يقوونَ على كل شيء بالذي يقَّويهم “(في4: 13). وحتى لما كانوا يفكرون ويُخّططون للقيام بعمل ما ، كانوا أولاً يستشيرون الروح طالبين أنوارَه (أع1: 24)، حتى صَّرح بولس بأننا ” نسلكُ ، نحن المسيحيين، سبيل الروح لا الجسد”(رم8: 4). ولهذا أضافَ فنصحَ أهل أفسس بألا : ” تحزنوا روحَ الله الروح القدس “(أف4: 30) ، “الساكن فيكم “(1كور3: 16) والذي يجري تجديد الأنسان من الداخل(طي2: 5؛ أف 4: 23).

لقد أدركَ التلاميذ قول الرب :” الروحُ يرشدكم الى الحَّقِ كله “(يو16: 13). كلُ ما يعوزهم من فكر وخُلُق وطاقةٍ لأداء رسالتهم يُرشدهم اليه الروح. كلُ حَّقٍ في الأيمان ، وفي الأداب والصمود والنطق يُسعفُهم به الروح ،لاسيما عند الضيق” ستعطون في حينِه ما تتكلمون به. لأنكم لستم أنتم من يتكلم بل روح أبيكم السماوي يتكلمُ فيكم ” (متى10: 19-20).

فما يزالُ اللهُ يعملُ في العالم بواسطةِ روحهِ القدوس. وما يزال الروحُ القدس يُرشدُ الكنيسة الى ” الحَّق كله ” الذي يحتاجه زماننا وإنساننا المعاصر، بل كلُ جيلٍ في عصرِه.  فنحن اليوم مدعوون الى أن نصغيَ الى الروح بثقة و”أن لا نُعيق عمله فينا ولا نستهين بإرشاداتِه “(1تس5: 19). فعملية التدابير الخلاصية يقودُها ، في كل عصر، الروحُ نفسُه ولو بأشكالٍ وأساليبَ جديدة مختلفة عن سابقاتها. يطلبُ منا الروح أن نقبلَ فنتجَّددَ في ” ذهننا ” وفي ” شعورنا ” ولا نتحَّجر في أرائنا وتقاليدنا وتراثنا. لنكن مستعَّدين أن نغَّيرَ كلَ شيء ، إذا طلبَ منا الروح ذلك ، وننقادَ الى توجيهاتِه دون خوفٍ ولا ترَّدُد. فالله يريدُ أن نقتديَ به كأولادٍ أحّباء (أف5: 1).  فهـو القائل :” ها أنا أجعـلُ كلَّ شيءٍ جديــدًا ” (رؤ21: 5).

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO