الأحــد الأول للـدنـــح

الأحــد الأول للـدنـــح   !

 

 

                                         لا يُقبَلُ نـبيٌّ في وطــنِهِ  !

يتلى علينا اليومَ انجيلُ -::< لو4: 14-30 >::- يسوع في الناصرة، يقرأ الكتاب المقدس في المجمع يوم السبت ويُفَّسرُ ما قرأ. ثم يقرأ أفكار الحضور الذين يلومونه في داخلهم لأنه اتخذ من كفرناحوم مركزا لنشاطه. ولما دافع يسوع عن موقفه وبين أن الأنبياء مرفوضون في أوطانهم استنكروا عليه ذلك وثاروا عليه وحاولوا التخلصَ منه لكنه تمَّلصَ من بينهم.

 

¨       نعــرةٌ عنـصرية  !

لم يذكر لوقا نشاطًا ليسوع يكون قد قام به ، ولا معجزات أجراها من قبلُ تكون قد حَّفزتْ مواطنيه النصراويين. ذكرفقط أنه ما أن رجعَ من اليهودية، حيثُ إعتمد وحيثُ جرَّبهُ ابليس ، حتى باشرَ نشاطه الرسولي بالتعليم في المجامع حتى ” انتشرَ ذكرُه … ويُمَّجدُه الجميع” . بدأ يسوع نشاطه في كفرناحوم. ومنها وسَّع نشاطه متحركا نحو المدن والقرى المجاورة. و  لما وصل الناصرة واصل نشاطه وقام في المجمع يوم السبت يقرأ الكتاب المقدس وفسَّره للشعب. وكان من سفر إشعيا 61: 1-2. وآكتفى لوقا، عن التفسير، بالقول” اليومَ تمَّت هذه الآية التي تُليَت على مسامعكم”(آية21). مع أنَّه سجَّلَ إندهاشَ مواطنيه من “كلامه العذب”. لكنه ركَّز على ما أضافه يسوع من حديث ، وهو :” لا شَّكَ تقولون لي …يا طبيب إشفِ نفسَكَ. وآصنع في وطنِك كلَّ شيءٍ قيلَ لنا انه جرى في كفرناحوم “!.

 

إنه كلامٌ تفوحُ منه رائحة العنصرية. لقد قرأ يسوعُ ما دارَ في عقولهم من أفكار وآنتقادٍ و تمنّيات. بقدر ما هم فخورون به ، لأنَّ سُمعَتَه يترددُ صداها في قريتهم، بقدر ذلك و ربما أكثر يلومونه على أنه أعطى باكورة نشاطهِ لغرباءَ وليس لأهله وذويه. إنهم أولى به. لهم الحَّقُ عليه لأنه أبن مدينتهم. ويجبُ عليه أن يفكرَ ويعمل لأجل ذويه ومواطنيه قبلَ غيرهم. لمْ يتجاسروا أن يكشفوا له نواياهم. أبوا أن يجرحوا كبرياءَهم بإعلان حقدهم على مواطن لا يعرفُ ولا يحترمُ حقوقهم وآمتيازاتِهم. بالمقابل تمَّسكوا بالأحتفاظ بقناع إنسانيتهم وآنفتاحهم على غيرهم .

 

لكنَّ يسوع فاجأهم بأنه يعرفُ خفاياهم. إنه إبنُ البلد. ولا يترَّدد في إخبارِهم أنه لمْ يأتِ من أجل أهله ومواطنيه. فلا يقتصرُ على أقربائِه وأصدقائِه وقومِه وعشيرتِه. ولن يُمَّيزَهم عن بقية الناس. ولا يتحَّزبُ لا لمدينة ولا لقومٍ ولا لمذهبٍ. لا قريبَ في قاموس الله ولا غريب. لقد جاءَ وسيعملُ كلَّ شيءٍ لمن يؤمنُ به: يقبلُه ويُؤَّيدُه ويتبعُه. لمْ يأتِ ليتبعَهم بل ليسمعوا هم منه ويتبعوه في تعليمِه الجديد. فأرملةُ صرفت صيدا ونعمانُ السوري (آية 26-27) لم يكونا من شعب الله لكنهما آمنا بالله وأصغيا الى أنبيائِه فنالا حاجتهما. أما ” أهلُ الله” ، ومواطنوا الأنبياء فلم يُصغوا الى أنبيائِهم بل رفضوهم ورفضوا إلاهَهم؛ ” لا يُقبلُ نبيٌّ في وطنِه” (آية 24). وهكذا يفضحُ يسوع من الآن موقفَ شعبِه العدائي تجاهَه. ويُبَّررُ بهذا نشاطه خارجَ وطنِه. ولن يُكَّذبَ النصراويون الخبرإذ ” ثارَ ثائرُهم ، فقاموا ودفعوه الى خارج المدينة، و ساقوهُ الى جرفِ الجبل..ليلقوهُ عنه”!(آية 28-29). هكذا يتصَّرفُ العنصريون المتعَّصبون.   

 

وبهذا برهن يسوع أنه لا إمتيازعند الله لأحد بسبب : دينهِ ، قومِه، قرابتِه، مواطنتِه ، علمِه، منصبهِ. يكسبُ قلبَ الله وبركتَه من يؤمن بالله ويُصغي اليه ويثقُ به. يرفضُ اللهُ المحسوبية والمنسوبية ويتجاوبُ مع من يُحِّبُه ويسلك درب البر والقداسةِ والعدالة.

 

¨       روحُ الرَّب عـلَّي  !

مقابل رفض العنصرية والتمييز والتحَّزبِ رفعَ يسوع شعارَ” روح الرب عليَّ”. أو بالحري إنطلقَ من طبيعتِه ورسالتِه وأعلن أنه مختلفٌ عن البشر فيرفضُ إنحرافَهم وآنانيتهم. إنه يحملُ في داخله فكرًا إلاهيا أبويا يسعُ الخليقة كلها ، وقلبا حنونا ورؤوفا أموميا لا يحتملُ مشاهدة متألمين ومظلومين ومُعَّذبين:” لو نسيت الأمُ رضيعها، أنا لا أنساك “(اش49: 15).   فالله يختلفُ عن الأنسان ” قلبا وقالبا” ، فلا ” أفكاري أفكارُكم ولا طرقي طرقكم “(اش55: 8-9). وهكذا أعلن يسوعُ للنصراويين ، ومن خلالهم للبشرية جمعاء، مخططَ رسالةِ المسيح والمسيحية من بعدِه. إنها رسالةٌ إنسانية خلاصية تداوي جروح الأنسانية وتعيد اليها عافيتها الأولى ، عافية صورةِ الله لتتمتع معه في فردوس الراحةِ والهناء. لقد حَّنَ اللهُ فآنحنى على الأنسان الجريح بالخطيئة والمضروب بقروح الأنانية والمُحَّوط بأشواكِ الحقد والكراهية و التفرقةِ والتمييز.

 

أوحى الروح الى إشعيا فأعلن عن لسان المخلص الموعود الآتي الى العالم ، فقال: ” روحُ الرَّبِ عليَّ. لأنه مسحني فأرسلني لأبشّرَ الفقراء ، وأبَّلغَ المأسورين إطلاقَ سبيلِهم ، و العميانَ عودةَ البصرِ اليهم ، وأُفَّـرجَ عن المظلومين..”(اش61: 1-2). وأعلن يسوع للجمع  المستمع اليه ، ومن خلالهم لكل الأجيال التالية : ” اليومَ تمَّت هذه الآية ..”. وكأنه يقول : الواقف أمامكم والمُتحَّدثُ اليكم ليس ناصريا ، ليس يهوديا، ليس نبيا. بل هو اللـهُ المخَّلصُ. اللهُ الذي وضعَ كلامه على فم إشعيا. وهو نفسُه الله الذي حَّلَ في يسوع الأنسان. والخلاصُ ليس حَكرًا على النصراويين ولا حتى على ” شعب اللـه ” وحدَه. ولا هو حسبَ رأي هذا الشعب أو رغبتِه. إنه بعيد عن مظاهر المجد والعنف. ولا دخل له في السياسةِ والأقتصاد. إنه دواءٌ روحيٌ وخلقي لكل البشر، و للذين بحاجة اليه قبل غيرهم. إنه علاجٌ لمساوِئ الناس. إنه تحريرُ الأنسان من شهواتِه وأوهانِه، ورفع الغشاوة عن عمى فكره وقلبه. لم يأتِ للأصحاء الأبرار الذين لا يحتاجون الى طبيب ، بل للمرضى الخطأة المنتظرين علاجا يشفيهم من بليةِ خطاياهم (متى9: 12-13). يسوع طبيبُ البشرية ومعلمُها الألهي بلا منافس (لو4: 32؛ متى7: 25؛ يو3: 2)، ” قصبةً مرضوضة لا يكسرُ وفتيلةً مُدَّخنة لا يُطفيءُ حتى يسيرَ بالحَّـقِ الى النصر” (متى12: 20)، لأنه وحده يقول الحق (يو3:3؛ 8: 32، 51؛ 14: 6).

 

¨       أمّـا نحنُ فـنقبل نبيَّـنا !

تدعونا الكنيسة في هذه الفترة ، بين عيد الدنح والصوم، الى الجلوس عند أقدام الرب مثل المجدلية نستمع اليه (لو10: 39)، نحتفظ بأقوالِه ونتأملُ بها مع مريم في قلوبنا (لو2: 19، 51). لنبحثْ عن الحَّق عنده ، ولنطلب الحياة في تعليمه لأن كلامه ” روحٌ وحياة ” (يو6: 63، 68)، لأنه هو الرب حاملُ الروحَ الألهي للبشر. ليكن إذن تعليم يسوع المسيح ، وليس تعاليم أبناءِ العالم، نورنا نبني عليه حياتنا و نقيس عليه أفعالنا وأعمالنا ، فيصبح سلاحنا ، ترسنا وسـيفنا (اف6: 16-17). لنحاول أن ” نتخَّلقَ بأخلاقِ المسيح “(في2: 5). لا نحاول أن نتراضى ونتوازى مع العالم. إننا نتحلى بروح المسيح ، وقد لبسناهُ بالمعمودية (غل3: 27). وقد أفاضَ علينا أيضا روحَ الرب. لنهتم ألا نحزن هذا الروح الذي به خُتمنا ليوم الفداء (اف4: 30)، بل لنقتنِ ثمارَه ولنقـتفِ آثارَه (غل5: 22، 25)، و نـنقَـدْ لإرشاداتِهِ (يو16: 13).

 

 

القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO