موعظة عيد الدنح

موعظة عيد الدنح

الأب سعد سيروب

 

لقد بدأ يوحنا المعمدان كرازته بصرخة: “توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات”، فسمع نداءه العديد من اليهود وجاؤوا ليتعمدوا، اولئك الذين قرّروا في قلوبهم تغيير العقلية والسلوك وان يثمروا ثمار التوبة. يوحنا انسان متطلب: فلا يكفيه مجرد الغطس في الماء لكي نخلص من الغضب الآتي، ولا يكفيه التباهي بالهوية الشخصية كـ “أبناء أبراهيم”. فالخلاص يتطلب طريقة حياة تكشف عن رغبتنا بالابتعاد عن الشر، والتوقف عن الخطيئة: عندها فحسب ستغفر الخطايا. فمن الذي قبل كرازة يوحنا المعمدان؟ لم يقبل الكهنة والكتبة وعلماء الشريعة رسالة يوحنا! على العكس نرى رجالاً ونساءًا خاطئين، يصفهم متى بانهم “عشارين وزواني” (متى 21/ 32) يتوافدون على يوحنا ويلبون دعوته. يمكننا ان نتصور طابور طويل من الاشخاص الذين يتوجهون الى نهر الاردن ليعتمدوا على يد يوحنا، وفي هذا الطابور يقف يسوع ايضاً.

فعل فاضح، حتى بالنسبة للمسيحيين في الجماعات الاولى، حتى ان البعض سيحاول ان يقلل من شأنه الى غاية نسيانه، ولكن الانجيل يشهد عليه: يتضامن يسوع مع الخاطئين، ويظهر بينهم كواحد منهم ويطلب من يوحنا العماذ. فبحسب الانجيل، يمنع المعمدان يسوع ويعترض على فعله، ولكن يسوع يطلب باصرار: “ليكن هذا الآن” ويدعوه الى “تتميم مشيئة الله” وليس مشيئتهم. فبرّ الله ليس كبرّ الانسان، وان كان هذا البرّ الاخير ليس إلآ ثمر لبرّ الله. برّ الله هو تماسك من نوع خاص يحقق به الله رحمته تجاه الخطأة وتصميمه وخلاصه الشامل.

ان مشهد العماذ هو المناسبة الاولى التي يدخل فيها يسوع كانسان ناضج في الحياة العامة: يقدم نفسه ليس كمجترح للمعجزات، او معلم، بل كانسان متضامن مع العشارين والخطأة، كتلميذ ينحني امام معلمه. يبدأ يسوع رسالته متضامنا بكل تواضع مع الانسان الخاطئة. فهو لا يقدم نفسه كمخلّص قادر، ذو اعمال قادرة، بل ينظم الى جموع الخاطئين الذين يريدون ان يتوبوا: فطريق يسوع منذ البداية هو طريق يتصف بالتخلي، وافراغ النفس، والتواضع.

في اللحظة التي يصعد فيها يسوع من الماء، محملاً بخطايا البشرية، إذا صوت من السماء (الآب) يقول: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت”. فقد اراد الله ان يرى يسوع مع الخاطئين، متجردا لكي يملئه بالروح القدس. فالاناجيل تقول بان يسوع بدأ حياته يعلن الله ويتكلم ويعمل باسمه: لهذا فهو ممسوح بمسحة الروح القدس. ففي عماذ يسوع نجد وحدة عمل خلاص الله الذي يعمل من خلال الابن ويمنحه كل قدرة الروح القدس.

ان الاحتفال بعماذ الرب يسوع المسيح يدعونا الى تذكر عماذنا والصوت الذي وجّهه الآب الى كلّ واحد منّا: “انت ابني الحبيب”. كلّ واحد منّا هو ابن الله بيسوع المسيح، وهو مكان فرح الله اذا وضع نفسه في مسيرة توبة ورجوع الى الله. يصير كل واحد منّا مكانا لحلول الروح القدس اذا عرفنا كيف ندعوه ونقبله. عندها يمكننا ان نشعر باننا ابناء الله وباننا قادرون على دعوته لنا: “أبي، ابي المحبوب” وقادرون على استنشاق الروح القدس.

ان عماذ يسوع يثبت بان الروح القدس حلّ عليه وسكن فيه بقدراته المختلفة: قدرات بالظاهر ضعيفة ولكنها قادرة أكثر من أية قوة أخرى، قدرات إلهية. نفس هذه القدرات تسكن في كل مسيحي معمذ: قدرات مخفية، إلا انها قدرات فاعلة، اقوى من الخطيئة، وكما سنرى في يوم ما، قدرات أقوى من الموت.

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO