الأحــد الأول للمــيلاد

الأحــد الأول للمــيلاد  !

~~~~~~~~~~~~~~       

 

 

                            و رأيــنا نجـمــه في المشـــرق !

 

يُتلى علينا اليومَ انجيلُ -::< متى 2: 1-18 >::- ويَروي خبرَ المجوس الذين جاؤوا من بعيد ، يقودهم نجمٌ فريدٌ، ليسجدوا ليسوع إعترافا منهم بأنه ملكٌ سماوي. هيرودسُ ملك اليهود يضطربُ للأمر. يستفسر من الكهنة وعلماء الدين عن المسيح ومولده ، و من المجوس عن زمن ظهور النجم لهم وكم طالَ سفرهُم الى أورشليم. تظاهرَ بالأيمانَ وضمرَ في قلبِه الشَّر. ثم حاول التخَّلصَ من يسوع بقتلِ أطفالِ بيت لحم حيثُ ولدَ وكان ما يزالُ مقيما بسبب الأحصاء.

 

¨       1+ مَنْ هُم المجــوس  ؟!

 

تتـفقُ قواميس كلِ اللغات بأنَّ أصل كلمة ” مجوس” يأتي من فعل معناه ” تعاطى السحر”. وإن كان أصلُ الكلمة فارسيا من ” ميخْ +كوش” ومعناه ” صغيرَ الأذنين” إلا انه دَّلَ لدى كل الشعوب على قومٍ يتمَّيزون عن باقي المواطنين بسلوكهم ولاسيما بثقافتهم التي تتسامى عن مستوى الناس العاميين. إعتبَرَتهم أغلب الأمم حكماء وفلاسفة أو حتى سحرة. حتى أعمال الرسل يُسمي سيمون وبريشوع السحرة ” مجوسيين”(أع8: 9؛ 13: 6).  وإذا كانوا في الغرب، فرنسا مثلا، يتبَوأون مناصبَ إدارية في الولايات أو قضائية ، أما في الشرق فأُعتُبروا عُّبادَ الشمس أو النجوم والنار، وأنهم يتعاطون علم الفلك فيُدعَون بـسحرة. إنهم على أية حال من علية القوم والبارزين فيه.

 

ولمْ تدَّعِ وثيقة ٌ ما أنهم ملوك. حتى ولا الأنجيل. إنما ما قدَّموهُ من الهدايا <: ذهب ، بخور، ومُّر:> جعلَ التقوى المسيحية الشعبية تعتبرُهم لاحقًا ملوكا. وثيقةٌ آرامية من القرن السادس الميلادي حددت عددهم بـ ” ثلاثة ” و أعطت لهم أسماء ، هي: ملكيور، بلشاصر، وغسبار. و وثيقة أخرى تقول أنه نُقلتْ رُفاتُهم من ميلانو، حيث كانوا يرقدون، الى كولن في القرن الثالث عشر، حيثُ تفتخرُ كاتدرائية كولن بآمتلاك وآحتواء رفاتِهم!. الأنجيلُ يذكرُ فقط أنهم جاؤوا من الشرق. والطقوس، وأخصُّهم الكلدانية، تنسبُهم الى الشرق والغرب. وتدَّعي بأنهم قدموا من بلاد فارس والهند والصين شرقًا، ومن ترشيش والجزرغربا، ومن ســبأ جنوبا، ومن شبا من أفريقيا.  

 

يشُّكُ العلماء في تأريخية المجوس. حتى العلماءُ مفسّروا الكتاب المقدس. لم يذكَرْ التأريخ ، ولا كان ذلك ممكنا، أن يأتيَ ملوكٌ مع بعض الخدم ويدخلون بلادًا دون إخبارأوإتفاقٍ سابق. والملوكُ ترافقهم جنودٌ لا غلمان!. والجيوش تجتاحُ وتغزو لا تزور!. كان من الممكن أن تعتبرَ زيارتهم عملَ جواسيس يستطلعون البلاد ليغزوها مستقبلا. كما لم تذكر أيةُ مصادر تأريخية من ولا بلد مذكور أن ملوكه قاموا بهكذا زيارة!. وزيارتهم تقلقُ هيرودسَ وأهل أورشليم فقط. ويرسلُهم هيرودس الى بيت لحم وكأنهم عُّمالٌ له!. وما أدوا الزيارة حتى انتهى ذكرهم!. هل بَّشروا بالمسيح في بلدانهم؟. وأحبارُ اليهود وعلماؤُهم يسمعون بنبأ ولادة المسيح و لا يُحَّركون ساكنا، إنه أمرٌ مُدهش ومُحَّـير. ليس الأمرُ منطقيا لا علميا ولا دينيا!.

 

 

¨       2+ التقـوى الدينية  ! 

 

أما التقوى المسيحية الشعبية فمبنية على نص انجيل متى وحده فقط. وما ساعد على تجَّذرها وآمتدادها عبر التأريخ هو نبوءات العهد القديم ، وما جاءَ في المزمور المسيحاني72القائل : ” أمامَه يسجُدُ أهلُ الصحراء…ملوكُ ترشيش(اسبانيا)والجزرالنائية(وراء البحار!). يحملون إليه الهـدايا. ملوكُ سبأ وشبا يُقَّدمون له العطايا. جميعُ الملوكِ يسجدون له ، وتتعَّبدُ له جميعُ الأمم “(مز72: 9-11)؛ وأيضا ما قاله إشعيا النبي :” ثروةُ البحار تنتقلُ إليكِ… وقوافلُ الجمال تملأُ أرضَكِ. ومن مِديان وعـيفة بواكيرُها، والذين من سبأ يجيئون كلُهم ، حاملينَ الذهبَ والبخور، ومُبَّشرين بأمجادِ الرب .. جزرالبحر تنتظرُ الرب ، وسفن ترشيش في الطليعة.. ومعهم الفضة والذهب لآسم الرب إلاهِكِ ، لقدوس اسرائيل.. وتنقادُ إليكِ ملوكُهم ” (إش60: 5-6 ، 9-11).

 

من هذا النص ، ومن قاعدةِ انجيلِه أنَّ الأهل تنكروا للمسيح وطلبوا قتله عكس الغرباء الذين إعترفوا بلاهوته وسجدوا له ، إنطلقَ متى في كتابة صفحاتِ انجيله ليقولَ لقرّائِه أن يسوع هو المسيح الملك الموعود والمُتـنَّبأُ عنه والذي سبقَ إليه الوثنيُ الغريب وأبتعدَ عنه الأقرباءُ المؤمنون. العالمُ كلهُ <* آسيا وأوربا وأفريقيا *> آمنوا بالمسيح وقبلوه ، في حين أهمله شعبُه المختار وناصبه العداء. يُقَّدمُ متى يسوع على أنه إبن الأيمان والوعد، ابراهيم وداود. فيغترفُ من كتاب الأيمان والوعد نبوءاتِه ليُطَّبقها على يسوع الناصري ليقول لليهود ، أصحاب الكتاب والوعد، أنه هذا هو المسيحُ ابنُ اللهِ الحي (متى16:16).

 

فيسوع هو موسى الجديد. موسى تقابلَ مع فرعون ويسوع مع هيرودس. موسى خرج من مصر منهزما من فرعون ويسوع ينهزمُ من هيرودس ويلتجيءُ الى مصر. كما رفع موسى الحية في البرية كذلك يجبُ ان يُرفَعَ ابنُ الأنسان لينال به الحياة الأبدية من يؤمن”(يو3: 14 ). وكما دعا اللهُ اسرائيلَ ” ابنَه البكر”(خر4: 19) من مصر(هو11: 1) طبَّقَ متى النبوة على يسوع “من مصر دعوتُ ابني”(متى2: 15). يسوع ابنُ الله هو الملك الآتي الى تاريخ البشر. اليهودُ يتجاهلونه، وهيرودس يرى فيه منافسا له على العرش فيضمرُ القضاءَ عليه. المجوس يتحملون مشاق السفر لتقديم واجب الخضوع له. وهذا يُمَّهدُ الأرضية لمتى حتى يواجه المتنصّرين العنصريين الذين يرفضون قبول الوثنيين في المسيحية. فالمجوس مدخلٌ لقبول فكرة شمولية الأيمان المسيحي. وهكذا مهَّدَ متى لما سيقوله بعده عن الوثنيين السَّباقين في الأيمان، مثل قائد المئة(متى8: 10)، والكنعانية(متى 15: 28) وقائد فرقة الصلب (متى 27: 54)،خلافا لليهود أهل البيت، فيعلن أنَّ ملكوت الله سيستقبلُ غرباءَ من الشرق والغرب بينما بنو الملكوت يُطردون خارجا (متى8: 12).

 

لم يخترع متى قصة المجوس أو قتل أطفال بيت لحم الذي يعقُبُ زيارتهم. هناك قتلُ أطفال في بيت لحم ، وهناك وثنيون بارزون يؤمنون بيسوع ، وهناك نصوصٌ كتابية تتـنَّبأُ عن إعترافِ قادةِ العالم بالمسيح والخضوعِ له، كما هناك سحبُ امتياز الأختيارعن اليهود: ” إنَّ ملكوتَ الله سيُنزعُ عنكم، ويسَّلمُ إلى أمَّةٍ تجعله يُثمرُ “(متى21: 43)، كلُّ هذا ساعدَ متى أن يصوغَ الخبرَ بهذا الشكل ليُسَّهلَ للقراء أن يُدركوا هذا السر: سر تخلي شعبِ الله عن مسيحه وقبولِ الوثنيين له وبناءُ ملكوتِه ، وسرُ شمولية رسالة المسيح الخلاصية الذي بموتِه سيهدمُ الحاجز الفاصل بين المؤمنين والملحدين(أف2: 14).

 

بهذا إهتمَّ متى ليُبرِزَه لا بشخص المجوس ، ولا بزيارتِهم. يهُّمه أن يؤمن قراءُه بلاهوت المسيح وملوكيتِه وقـُّوة ألامِه الفـدائية. وهذا الفـداءُ يرتكزُعلى تفاعلِ المؤمنين مع المسيح وليس على التقاليد والحقوق البشرية. لا غريب عن الله بل كل البشر ابناءُه. ومن يستجيبُ لدعوتِه هو ” ابن اللهِ “. يبقى المجوسُ نموذجا وحافزا للبشر، وقادتُهـم في مقدمتهم ، ليتواضعوا رغم كلِ مواهبهم وإمكانياتِهم ويتبعوا تعليم المسيح ليضمنوا خلاصهم وخلاص شعوبهم.

 

 

القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO