ما رأيُك لو غَّـيَرْنا موقع الفارزة ؟

ما رأيُك لو غَّـيَرْنا موقع الفارزة  ؟  

 

أهلا وسهلا ً بالسائل الكريم. سلام الله معك ومع كل الراغبين في السلام!.

سألت قائلا : ” جاء في لوقا 23: 43 ما يلي : الحَّقَ أقولُ لكَ ، اليوم ستكونُ معي في الفردوس “. لا يحوي النَّصُ الأصلي على الفارزة . لقد أضيفت بعد فترة من الزمن. لو وضعنا الفارزة بعد اليوم ( هكذا: ” ..أقولُ لكَ اليومَ ، ستكون..”) يصبحُ مفهومٌ جديد. لأن: – يسوع نزلَ بعدَ موتِه الى شيول ؛ — وأقامَ الموتى من هناك ؛ — قامَ في اليوم الثالث ؛

—- وبعدَ أربعين يومًا صعدَ الى السماء ؛  << ما هو رأيك بهذا الموضوع >>؟.

 

¨       هكذا جاءَ في كلِ النسخ المطبوعة !

أعرفُ أن توزيع النص الى فصول وآيات تمَّ متأخرًأ. قسَّمه رئيس أساقفة كانتُربوري  سنة 1226 الى الفصول بأطوال متقاربة ، تسهيلاً لمراجعة النص للدارسين. ثم أعادَ العلامة لانجدون ، أستاذ مادة الكتاب المقدس في جامعة باريس ، سنة 1228 الى الفصول كما هي بين أيدينا. بينما التوزيع على الآيات تم على يد العلامة الطَّباع الشهير روبرت اسطيفان سنة 1551م.

 

إنَّ عملية التقسيم رأت النور منذ العصور المسيحية الأولى على يد أوسابيوس اسقف قيصيرية +340م. بينما سبقه ططيانس من أربيل ودمجَ الأناجيل الأربعة في نصٍ واحد من 55 خمسةٍ وخمسين فصلا دعاه ” دياطَسارون “. ففي كل هذه النصوص ، وكل الترجمات اللاحقة لا تقبلُ الآية توزيعا آخر غير أن تبقى الفارزة بين ” لك ، اليوم “. هكذا إفتهم النصَّ كلُ المسيحيين من البداية. ونظرًا الى طريقة القراءة التقليدية للنص وضعَ الخبراء في الكتاب المقدس وأساتذةُ تدريسِه في الجامعات المسيحية الفصول والآيات، وثبتوا القراءة التقليدية بوضع الفوارز والنقاط والحركات. ولما طبعوا النص فقد حافظت على هذه القراءة كل النسخ من أي مذهب مسيحي كانت ، وبأية لغةٍ طبعتْ ، أمانةً للأيمان التقليدي وما فهمته الأجيال السابقة وسَّلمته الينا. ويجبُ علينا نحن ايضا أن نكون أمينين لنقل النص في معناهُ الأصلي.

 

¨       لماذا هذه القــراءة  ؟       

جاءَ كلامُ يسوع جوابًا على سؤال اللص اليمين. وجاءَ في جُزءَينْ: 1- الحَّـقَ أقولُ لكَ ، وهو خطابٌ إعلاني يؤكدُ أن ما سيتبعُه هو حقيقة لا شكَّ فيها. كما لو كان قد قالَ ” كُن واثقًا ” أو” لا تَهْتم ” أو ” خُذها مني “!. و2- الجزء الثاني ” تكون معي في الفردوس”. وماذا أتت تفعلُ هنا كلمة ” اليوم”؟. إنَّه الجواب المنتظر الذي يُشكلُ مادة الأعلان. إنَّ بعضَ الترجمات تُسَّبقُ ” ستكون” على ” اليوم”. وغيرُها تختلفُ في تقديم وتأخير الكلمات. ولكل لغةٍ قواعدُها في تصفيت كلمات العبارة حسبَما يُرادُ أن يُشَّددوا عليه. يبدو هنا التشديدُ على ” اليوم” فقَّدموه لأهميتِه وفصلوه بالفارزة عن سابقِه لُتُعطيَ قراءَتُه المعنى المطلوب. و لو أعدنا قراءةَ  سؤال اللص نجد ما يلي :” أُذكرني يا سيد متى جئتَ في ملكوتِك”. هكذا جاءَ في نص ططيانُس من سنة 173م، بفارق فقط كلمة ” ملكوتك ” التي ترجمها بـ :” المُلكَ”. إنَّ السؤال يُشَّددُ على “متى”. اللصُ ويسوع كلاهما أحياءُ على الصليب. ولا يعرفُ اللص متى سيُباشرُ يسوعُ مُلكَه بعدَ موتِه. فجاءَ سؤالُه وكأنه يقول: أُذكُرْني عندما تُنشيءُ مملكتِك! .فجاءَ جوابُ يسوع مُشَّددًا أيضا على زمن مباشرة مُلكِه :” اليومَ ” سيبدأ مُلكي. فلهذا جاءَتْ بعضُ الترجمات بالشكل الآتي :” من اليوم ” تكون معي..

 

¨    بــدءُ مُـلكِ المسيح  !

لقـد إفتهمَ الرسلُ والتلاميذ والمسيحيون الأوائل أن الخلاص ، القيامة والحياة،  تحققَ مع

لحظةِ تسليم يسوع روحَه. وهذا يصدي له أنجيل متى بصراحة وبقــوة :” لفظَ الروح. وإذا ستارُ الهيكل قد إنشَّقَ.. وزلزلت الأرض، وتصَّدعتِ الصخورُ، وتفَّتحت القبورُ، وقامَ كثيرٌ من أجسادِ القديسين الراقدين، و..” (متى27: 51-52). لقد تمَّت القيامة  في اللـه. لقد بشَّريسوع أبرارَ العهد القديم فنالوا الخلاص ، وقاموا من قبورِهم (1بط3: 19؛ 4: 6). أما البشر فلمْ يُعطَ لهم أن يُعاينوا ذلك. لم يعرفوا القيامة إلا صباحَ الأحد. لتتم النبوءةُ و يبقى يسوع في القبرِثلاثة أيام(متى12: 40)، ولا يدَّعي اليهودُ أن يسوع لم يمُتْ. ولهذا استطردَ متى كلامَه قائلاً :” وخرجوا من القبورِ بعدَ القيامة فدخلوا المدينة المقدسة ، وتراءَوا لأناسٍ كثيرين”(متى27: 52-53). ولهذا ايضا عندما يذهبُ النسوة الى القبرِ صباحَ الأحد يُفاجِئُهم الملاك :” لماذا تطلبنَ الحَّيَ بين الأموات . انه ليس ههنا بل قام” (لو24: 5-6).

 

هكذا بدأ مُلكُ يسوع من لحظة موتِ جسدِه البشري، وليس لا بعد أربعين يوما ولا بعد ثلاثة أيام. ولهذا لا يتردد في التأكيد للص ” اليوم تكون معي في الفردوس”. ولهذا ايضا شَّددَ المؤمنون على “اليوم ” وقرأوه مع الجواب وليس معَ الأعلان. هذا هو الأيمانُ المسيحي الذي اصدى له الأنجيليون ليوصلوا الحقيقة الينا بأمانة. ولهذا بقــاءُ الفارزة في محلها ، فاصلةً بين ” لك ، اليوم ” تُعطي المعنى الأصح للقراءة ، وبالتالي لم يخطأ من وضعها هناك لأنه أصدى للتقليد المسيحي ولاهوتِ قيامةِ المسيح وبدء الخلاص. وإنَّ طقسَ ليترجيا الكلدانية تصدي لهذا الأيمان حيثُ تقولُ في ترتيلةٍ ليوم جمعة الآلام :” يا من شقَّ القبورَ بموتِه ، وأقام الأموات تأنـيبًـا لصالبيهِ : نطلبُ منك ، إرحمنا ” (الحوذرا ،2 : ص 376) ، كما تختمُ صلاة نفس اليوم بترتيلة تبدأها هكذا :” وقع الحزن لألم رَّبنا. وأذهلَ عجبٌ الملائكة والناس. ونهضَ أمواتٌ راقدين ، وخرجوا من قبورِهم منشدين : المجدُ للأبن الذي تنازل، وعُّـلقَ من أجلنا على الصليب. صارخًا بصوتِه الحي ، فهَّـزَ الأرضَ والسماء ..” ، وتنهيها كالآتي :” مبارَكٌ موتُك. مجـيدةٌ قيامتُك. ترَّحم .. وساعِدْ ..الجموع التي في كنائسك تعترفُ بأنك قُمتَ حَّـقًا. فلك المجدُ والسجودُ مع أبيكَ والروح القدس على الدوام “(الحوذرا ، 2: ص377 و380).

 

¨    رأيــي  !

فرأيي هو إذن : أولاً: النصُّ كما هو يُعطي المعنى الحقيقي الأصح. لأنه لو فصلنا ” اليوم” عن بقية العبارة سيعني أنَّ اللص يكون قد شاركَ ملكوت المسيح في زمن متأخر، لأنه تأخَّرَ قيامُ مملكتِه. وهذا مخالفٌ لآتجاه النص. وثانيا : أنْ يكون اللصُ قد تمتَّعَ بالقيامة والخلاص قبلَ أبرار العهد القديم لا يُشَّكلُ حاجزا وعائقا أو تقليلا من حَّق أولئك الأبرار. لاسيما وأن لا أحد منهم أعلن إيمانه بالمسيح مباشرة وبهذا الشكل المُدهش. وثالثا : إنَّ المسيحيين الأوائل أولى منا لقراءةٍ حقيقية وصحيحة للأنجيل. لأنهم أقربُ منا الى النبع ، وشـهادَتهم أقوى من شهادتنا. وأخيرًا : إنَّ نصَّ الأنجيل يُعتبرُ موحًى من الروح القدس ، في معناه وحتى في عباراتِه. وليس صحيحًا تغييرُ معنى ولو بتأخير فارزةٍ فقط !. وسفرُ الرؤيا شديد تجاهَ من يُغيرون في آيات الكتاب فيقول:” إذا زادَ أحدٌ ، على أقوال الكتاب، شيئا زادَه الله من النكبات..، واذا أسقط أحدٌ شيئا منها.. أسقطَ الله نصيبَه من شجرةِ الحياة..”(رؤ22: 18-19).    

 

 

القس بول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO