هل أوصى الكتابُ المقدس بالصلاة من أجل الموتى

 هل أوصى الكتابُ المقدس بالصلاة من أجل الموتى !

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ 

 

أهلا وسهلا بالأخ السائل الكريم. لقول الحق إستغربتُ بدايةً من سؤال الأخ الذي أعرفُه مؤمنا ، ويُصَّلي من أجل موتاه عن عقيدةٍ وإيمان. ولما إستفسرتُ صَّرحَ لي بأن السؤال يخُّصُ مقالا نشرَ على الهواء وآختصَّ جزءٌ منه بعنوان :” 2. الصلاة لأجل الموتى “. وأذكرُ فيما يلي مقتطفاتٍ رئيسية تُلَّخصُ المقال . يكتبُ بعد ذكر الآية ” 2كور 6: 2″، :

 

1-       ( السطر الأول من المقال = ) الصلاةُ لأجل الموتى في الكنيسة الكاثوليكية أمرٌ طبيعي ومصاحبٌ لعقيدةِ المطهر. ولكن البعض يمارس الصلاة والتضرع من أجل الأموات على أنه لا علاقةَ له بالمطهر ؛

2-      سنبرهن في هذا الفصل أنَّ هذه الصلاة تناقضُ الديانةَ المسيحية حسبما عَّلمها الربُ يسوع لتلاميذه ، وكما ينص عليها الكتاب المقدس  ؛

3-      يعلمنا الكتاب أن فرصة التوبة والرجوع لله متوفرة في هذه الحياة فقط. ليس بإمكان الأموات أن يتوبوا ويرجعوا للمسيح  ؛

4-      فالصلاةُ لأجل الأموات خطيئة لأنها تحُّط من قيمةِ تعليم وانذارات الرب يسوع بضرورة التوبة والرجوع عن الخطيئة  ؛

5-      لأنَّ الناس سيحاكمون في اليوم الأخير كلُ واحد حسبَ أعمالِه التي عملها في الجسد على الأرض ، ويشهد ُ بـ “(2كور5: 11) الذي يؤيد كلامه  ؛

6-      المؤمنون لا منفعة من الصلاة على أرواحهم لأنهم مُخذَلصون  !؛

7-      وغيرالمؤمن من العبث والخطأ أن نصلي لأجله لأنه قد ” دين ” وهلك الى الأبد ! ؛

8-      إن العهدَ الجديد من أوله الى آخره مملوء بالأنذارات للخاطيء ليتوب  ؛

9-      فالخلاصُ مقدمٌ لنا في اليوم في هذه الحياة فقط وليس فيما بعدُ    ؛

10– فمن يموتُ بلا توبة لا شفاءَ له ولا رجاء. الآن وقتٌ القبول. الآن وقتُ الخلاص ؛

11–  ليس في الكتابِ المقدس كلمة واحدة تعلمنا الصلاة لأجل الموتى ؛

12–  والكنيسة الأولى لم تُصَّلِ ولا مرةً واحدة من أجل الاموات  ! ؛

13– (السطر الأخير من المقال =)  لكن هذه العقيدة أدخلتها الكنيسة الكاثوليكية بعد أكثر من ثلاثمائة عام نتيجةَ إحتكاكها بالوثنية  ؛

14–  لذلك فان عقيدةَ الصلاةِ لأجل الموتى تتناقضُ وروح الكتاب المقدس وارادةِ الله و ممارستها أمرٌ خاطيء  !

                            ***************    

 

هل ما قرأناه كله صحيح ؟. نحاولُ من خلال الجواب على هذه النقاط أو الآراء أو، ربما يحسبُها كاتبها ، مباديءَ لا يجوز تجاوزها، أن نجاوب على السؤال المطروح علينا.

أبدأ بملاحظة أن بداية الكلام ونهايته إرتبط بالكنيسة الكاثوليكية، وما جاءَ بينهما لم يكن إلا تبريرا لهذا الهدف ؛ زرعَ فأسقى ثم حصد!. كلُ إنسان حُرٌ أن يؤمن بما يشاء ويقول ما يشاء. حتى اللـه نفسُه طلبَ فعلا من آدم لكنه لمْ يُرغمه على الطاعة. وإلا كان قد أبادَه عند تمَّرُدِهِ عليه. وكذلك يسوع المسيح عرضَ على سامعيه وتلاميذه مبادِئه ولم يفرض عليهم. وأعلن لتلاميذه أنهم أحرار، حتى هم ، أن يؤمنوا به ويقبلوا كلامه أو يتراجعوا من ورائه (يو 6: 64-67).

 

قبول المسيح أو رفضه لا يؤثر على المسيح ، بل يكشف فقط جوهر من يؤمن او يجحد. لأنَّ ” كلَّ إناءٍ بما فيه ينضحُ ” !. والكنيسة الكاثوليكية هي ، في نظرِ الكثيرين ، خاطئة و كافرة. ويحاولون إستئصالَ حتى جذورها. هذه نظرتهم وهم مسؤولون عنها. و أما الحقيقة فهي أن نحاولَ قبل أن نتهّمَ فنعرفَ حقَّ المعرفة أولاً ما تؤمنُ به الكنيسة الكاثوليكية حَّقًا ، و ثانيا ما يقوله الكتابُ المقدس فعلاً.  لذا لا أكتُبُ هذا ردًّا على كاتب المقال. بل لأخوتي المؤمنين الذين يَقلقُ البعضُ منهم سريعا. إذ ما أن يعترضُ عليهم كاتبُ أو يتهمُ الكنيسة حتى ” يغرقون بالتفلة “! فينوحون ولا يعرفون ماذا يجاوبون. لأنهم جهلةٌ بالأيمان وبالكتاب المقدس. فلذا أولَ ما ينبري مختلفٌ و يدَّعي لنفسه علم الفلسفة واللاهوت والكتاب والتأريخ، وقد يكون اجهلَ منهم ، يتباكون ، وحتى يتبنى بعضُهم موقفَ المقابل موَّرطاً بذلك نفسَه أكثرَ مما ورَّطه الآخر!.

 

¨       دَّسُ السُّــم بالعسَـل  !

إنَّ المقالَ بذاتِه سيفٌ ذو حَّـدين. إنَّ ثلاثة أرباع ما جاءَ فيه لا فقط هو صحيحٌ ومقبولٌ ، ولكنه تعليمُ الكنيسةِ الكاثوليكية الأصيل. إنما بالألتزام بما أعلنه في البند الأول : أى أنَّ تعليم الكنيسة الكاثوليكية بخصوص الصلاة لأجل الموتى مرتبطٌ مع عقيدتها عن ” المطهر”. و لولاها لما كلَّفت نفسَها وأبناءَها بمشَّقةِ الصلاة والتضحية من أجل أمواتٍ هلكوا ، لا تنفعهم الصلاة، أو من أجل مخَّلصين قديسين يتمتعون بالمجد والسعادة مع الله منذ لحظة وفاتِهم ، و في تلك الحالة لا يحتاجون الى صلاة!. ولهذا لا تُصَّلي الكنيسة “من أجل” الشهداء ولا من أجلِ القديسين، بل تطلبُ شفاعتهم وتصلي الى الله ليُظهرَ قداستهم للبشر بمعجزاتٍ يُجريها بشفاعَتِهم.  لقد مَّـيزَ الكاتبُ بشكل قاطع أنه يتحدَّث عن فئةٍ تصلي لأجل الأموات لا لأنهم في المطهر، بل لأنهم أخطأوا بعد وفاتِهم. لكنه أنهى بأدانةِ موقف الكاثوليك!.

إنَّ الموتَ حدٌّ فاصل لا خيرَ بعدَه ولا شر. والكنيسة تعلن هذا المبدأ لا منذ 300 سنة بعد المسيح بل منذ يوم حلول الروح القدس عليها في العلية (أع2: 2-4). وتقولُ في تعليمها ما يلي :” الموتُ يضعُ حدًّا لحياةِ الأنسان كزمن منفتح على تقَّبُل النعمةِ الألهية التي تجَّلت في المسيح أو رفضها “( تعليم الكنيسة الكاثوليكية.. رقم 1021). وتُضيفُ في الرقم التالي 1022 ما يلي: ” كلُ إنسانٍ ينالُ في نفسِه الخالدة جزاءَه الأبدي ، منذُ موتِه ، في دينونةٍ خاصّة .. إما للهلاك الفوري الدائم ، وإما للدخولِ في سعادةِ السماء”. وهنا مَّيزت بين من يدخلُ السماءَ مباشرة بعد الموت ، وبين البعض الذين يعبرون أولاً بعضَ الوقت بعذاباتِ المطهر. لآ لأنهم أخطأوا بعدَ موتِهم. بل لأنهم إذ كانوا خطأة وتابوا قبل الموتِ بقليل لم يكن لديهم الوقت الكافي لأيفاءِ عقوباتِ خطاياهم. لقد غفرَ الله خطيئتهم ولكنهم لم يتنقوا كليا عن آثار تلك الخطايا ولا إستعادوا محَّبتهم لله في المستوى المطلوب واللائق بقداسةِ الله. والذين قال عنهم الكتاب لم يلبسوا ثوب العرس (متى 22: 11-12)، وكنى عنه سفر الرؤيا بالكتان الأبيض (رؤ19: 8)، أولئك الذين ” اتوا من المحنة الشديدة غسلوا حللهم وبَّيضوها بدم الحمل “(رؤ7: 14)، إذ لم يسمح لهم الزمن أن يُبيضوا أنفسَهم  كالقديسين ” بالأعمال الصالحة ” بعد توبتهم، لأن الموتَ عاجلهم.

 

وكاتبُ المقال الكريم لا فقط لم يُمَّيز هذا الشيء على طول المقال. بل نوَّهَ بسطره الأخير الى إدانةِ الكنيسة الكاثوليكية أنَّها إختلقت المطهر لتبَّررَ تعليما يدَّعي ” أنَّ  الخاطيءَ إرتكبَ أفعالا سيئة بعد الموت “، والكنيسة برَّاءٌ من كذا تعليم!. ربما لم ينوِ الأفصاح عن عدم إيمانه بالمطهر فدَّسَّ السمَّ ، بعلمه أو بجهلِه لا أدينُه، بآىسم عسل الكتاب المقدس، الذي يبدو أنه يجهله أكثر من الكنيسة الكاثوليكية.

 

¨        المطـهـــر  !

أما عن عـقيدة المطهر فهو تعليم يرتقي الى الكتاب المقدس ولهذا أعلنته الكنيسة ، وآنطلاقا منه صَّلت من أجل أبنائها الموتى المؤمنين. يقولُ مار بولس أنَّ كلَّ مؤمن يُحاسبُ ، عند موته ، فتمتحن أعمالُه بالنار:” و من بقيَ بناؤُه نالَ أجرَه، ومن إحترق عملُه يكون من الخاسرين ، غيرَ أنه سيخلصُ كمن يخلصُ من خلالِ النار”(1كور3: 14-15). ويقول مار بطرس :” لا بد لكم من الأغتمام حينًا بما يُصيبُكم من مختلفِ المحن، فيُمتحنُ بها إيمانكم كما يُمتحن الذهبُ بالنار” (1بط1: 7). وهذا الأمتحان بالنار هو ما سمَّته الكنيسة “المطهر”.

 

وهذا التعليم بناه الرسولان على ما قاله الأنجيل عن الرب : “بادر الى إرضاءِ خصمكِ (الله الذي خلقك وأعطاك الحياة فيحاسبك عليها) ما دُمتَ معه في الطريق (مسيرة الحياة التي يرافقها الله  – متى24: 20؛ لو24: 15-16-)، لئلا يسلمك الخصمُ الى القاضي ( وهو المسيح –يو5: 27-)، والقاضي الى الشرطي، فتُلقى في السجنِ (المطهر حيث يوفي العقوبة). الحق أقول لك : لن تخرجَ من هناك حتى تؤدي آخرَ فلس (وعندما تنتهي عقوبتُه يخرج الى حرية السماء) “(متى5: 25-26). إنه لا يتوبُ. لكنه يدفعُ الذي لم يدفعه على الأرض ، رغم توبتِه عن خطاياه !.

 

يمكنُ إذن بعدَ الموت دفعُ ضريبة العقوبة عن خطايا غُفرَت بالتوبة قبل الموت. لكنَّ هذا الغفران لا يمكن نيلُه “لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة ” كما قال الرب (متى12: 32) لمن يخطأ ضد الروح القدس ، أى يرفضُ الحقيقة ولا يؤمن بالمسيح ويرفضُ أن يغَّيرَ رأيَه فيتوب. أما الذي تابَ قبل موته ولم يلحق أن يوفي ديونه فسيوفيها في المطهر قبل التمتع بخلاص السماء للأبد.

 

¨        الصــلاة من أجل المـوتى  !

والكنيسة تصَّلي من أجل هؤلاء سجناء الله الذين لا يقدرون أن يعملوا خيرا يقللون به عن

عذابِ سجنهم. ولما ظهرت مريم العذراء في فاتيما / البرتغال سنة 1917 يوم 13/5 : للرؤاةِ الثلاثة لوسيا وهياسنت وفرانسوا ، كشفت لهم مريم عن مصيرِ فتاتين من الرعية  توفيتا قبل ذلك وقالت بأنَّ إحداهن في السماء وأما الثانية فلا تزالُ في المطهر” ،و طلبت منهم الصلاة من أجل نفوس المطهر لينتهي عذابها سريعا.

 

وقد إدَّعى الكاتبُ الكريم أنه ” ليس في الكتاب المقدس كلمة واحدة تعلمنا الصلاة لأجل الموتى”. قد يكون غامضا قليلا طلب مار بولس”رفع الصلاة والدعاء من أجل جميع الناس”

(1طيم 2: 1)، لكن ما يقوله سفرُ المكابيين فهو صريحٌ وقوي جدا جدا. جاءَ فيه عن جنودٍ يهود قُتلوا في المعركة لأنهم أخفوا في ثيابهم تماثيل للأصنام :”..وأخذوا يُصَّلون ويبتهلون الى الله أن يمحوَ تلكَ الخطيئة. .. ثم جمَّعَ قائدُهم يهوذا المكّابي من كل واحد من جنوده تبَّرعا.. وأرسله الى أورشليم ليُقَّدَمَ بها ذبيحةٌ عن الخطيئة. وكان ذلك خيرَ عملٍ وأتقاهُ…ولو لمْ يؤمن أنَّ الذين ماتواأنقياءَ جزاءًا حسنا، وهو رأيٌ مقدَّسٌ ونقي، لهذا قدَّمَ الكفارةَ عن الموتى ليغفرَ الرَّبُ لهم خطاياهم ” (2مكابيين 12: 42-45).  

 

وقال المقالُ أيضا أن الكنيسة الأولى لم تُصَّلِ من أجل الموتى. لا أعرفُ مدى إطلاع الأخ على الكتاب المقدس ، أو كيفَ يقرأُه. وربما لمْ يطلع ، كما يفعلُ البعضُ ، إلا على آياتٍ يعتقدُ أنه يقدر من خلالها أن يهدم صرحَ الكنيسةِ كلها لا فقط الكاثوليكية. سامحهم الله. ولو قرأنا رسالة بولس الأولى الى أهل كورنثية نقرأ فيها بُرهانا على الأيمان بالقيامة ،ما يلي : ” وإذا كان الأمرُ على خلافِ ذلك ، فما الفائدةُ من عملِ الذين يقبلون المعموديةَ في سبيل الأموات .. واذا كان الأمواتُ لا يقومون فلنأكل ولنشربْ لأننا غـدا مائتون … أفيقوا كما ينبغي ولا تخطأوا ، لأنَّ بينكم قومًا يجهلون اللهَ كلَّ الجهل..”(1كور15: 18- 31). وارجو ألا يكون أحدنا من بين أولئك الجهلة !. في كورنثية وعلى زمن بولس لا فقط يصلي المؤمنون لأجل موتاهم بل يعتمدون ثانيةً لأجل من ماتوا ولم يحصلوا على المعمودية!.

 

¨       كيفَ نقـرأ الكتاب   !

هناكَ من يقـرأه ويفسّرُه ” حرفـيا ” ، بينما يؤكدُ مار بطرس بقول صريح ” أنه ما من نبوءةٍ في الكتاب تقبل تفسيرا يأتي به أحدٌ من عندِه “(2بط1: 20). وغيره يقرأ بعضَ الآيات ويحفظها أو يُشيرُ اليها في الكتاب ليبرُزها برهانا ضد من يختلفون عنه في المذهب. وربما لم يقرأ ما سبقَ تلكَ الآية أو لحقها. الكتابُ كلُه وحدة واحدة متكاملة من سفر التكوين في العهد القديم والى سفر الرؤيا في العهد الجديد. ولا يجوز لا عزلُ آيةٍ عن فصلها ، ولا الفصلُ عن سفرِه، ولا السفرُ عن مجمل الكتاب. لانَّ فصل الآيات عن بعضها تُشَّوهُ الكتاب. يمكن الأستشهاد بآيةٍ واحد ، إنما حسب معناها في النص ، وليس حسب ما يريدُه البعض أن يُقَّولَها. فأمرُ قيامةِ الموتى والحياة ما بعده لم يكن واضحا وعاما قبل القرن السادس قبل الميلاد. وحتى في زمن المسيح كان الصدوقيون لا يؤمنون بالقيامة ولهذا حاولوا إحراج

يسوع بمثال المرأة التي تزوجت بسبعة إخوة على الأرض (متى22: 23). فكلام الكتاب

يجب أن يُفهم في إطارِه وكما تُفسّرُه الكنيسة وليس أي كان، ويُفهم روحيا لا حرفيا كما قال الرب “الروح هو يُحيي، أما الحرف فلا ينفع. وكلامي روحٌ وحياة “(يو6: 63).

 

¨       الكنيسة والعصمة من الخطأ  !        

لقد سلمَ يسوع مفاتيح ملكوت السماوات ومقاليدَها الى الكنيسة وقادتها. فليس كلُّ من يعَّلم و يتكلم هو مُحَّقٌ ومعصومٌ من الخطأ الأيماني ، أى لا يسمحُ الرب يسوع لأبليس أن يُشَّوهَ الحقيقة في فكر رئيس الكنيسة ومعاونيه في البشارة والتعليم. قال يسوع لبطرس قبل الآلام ” طلبَ الشيطان أن يُغربلكم كما يُغربَل القمح. لكني صليتُ من أجلك ألا تفقدَ ايمانَك. وأنتَ متى إهتديتَ ثَّبت إخوتَك “(لو22: 32). بطرس سينكرُ المسيح عن ضعفٍ وليس عن إلحادٍ. لكن الرب صانه من سوء التفكير الأيماني. كما سبق و وعدَه أن ابوابَ الجحيم لن تقوَ عليه لتُزله في الضلال، ثم سلمه سُلطانه الألهي في الحل والربط (متى 16: 16-19)؛ وسلمه رعاية الكنيسة جمعاء (يو21: 15-17)؛ وبطرس يعرفُ هذا السلطان وآستعمله في أول خلاف دبَّ بين الرسل أنفسهم حول الختانة ، فأعلن هو الأيمان الصحيحَ وخضع له كلُ الرسل (أع15: 7-12). نفس العصمةِ مضمونة لكل الرسل/ الأساقفة مجتمعين مع بطرس (متى18:18) ؛ دون غيرهم. وكلُ من لم يسمع من بطرس لم يسمع من المسيح نفسِه (لو 10:  16).

 

¨       و دورُ الروح القدس  !

لو إفترضنا وأحببنا أن نجاريَ المقال فنقول أن الكنيسة أعلنت ايمانها بالمطهر وبالصلاة للموتى فقط  300 سنة بعد المسيح. وأين الخطـأ في ذلك؟. أما قالَ المسيحُ للرسل أنَّ له أشياء كثيرة يقولها لهم لكنهم لا يتحملونها الآن فسوف يكشفها لهم الروح القدس؟. بل قالها ولنقرأها في انجيل يوحنا 16: 12-13. والروح القدس ما زال مع الكنيسة يُرشدها من يوم العنصرة والى الآن. أما هو الذي أرشد الرسل الى تصنيف الكهنوت الى ثلاث درجات فأقاموا أساقفة (أع13: 2-3) و كهنـة (أع 14: 23) وشمامسة (أع6: 3-6) ، والى عدم إنغلاقِ الكنيسة على ذاتها بل الى الأنفتاح على الوثنيين وتبشيرهم (أع 11: 12-15؟. هذا الروح مازال يرافق الكنيسة من تلك الأيام ويُرشدُها كل فترةٍ الى أمور كثيرة هي ضمن تعاليم المسيح لكن الكنيسة لم تستوعبها كفاية إلا في العصر الذي أظهرَ حاجته إليها، مثلا : التوزيع على الرعايا والأبرشيات والولايات والبطريركيات وإقامة كرادلة لمساعدة رئيس الكنيسة البابا في قيادة الكنيسة الجامعة.

 

¨       سلطة الرسول  !

ومن هذا المنطلق يتخذ مار بولس مثلا إجراءات لم يأتِ ذكرها في الكتاب : مثلا البتولية و الزواج المختلط ، المساواة بين الرجل والمرأة فيقول: ” أما المتزوجين فأوصيهم ،ولستٌ أنا الموصي، بل الرَّب .. وأما الآخرون فاقول لهم ، أنا لا الرب “(1كور7: 3-16). يستعملُ الرسول سلطانه ضمن تعليم المسيح لأيجادِ حلولٍ لمشاكل خاصة لم ترد على لسان الرب، أو كأنها تخالفُه ، في حين هي تتماشى مع تغليم الرب.

 

هكذا إفتهم الرسلُ أقوال المسيح المُدَّونة في الكتاب أو غير المُدَّونة ولكنها من صلب الحياة المسيحية كما يريدها المسيح. وهذا قولٌ له : ” علينا أن نجتهد لنُسعفَ الضعفاء ذاكرين كلامَ الرب :” السعادةُ الكبرى في العطاء لا في الأخذ “(أع20: 35). مع العلم لم يذكرأي انجيلي هذه العبارة. كما يذكر من جهة أخرى يوحنا ” بأنَّ يسوع أتى بأموركثيرة(من كلام وأعمال) لو كتبت مُفَّصلةً لحسبتُ أن الدنيا نفسَها لا تسعُ الأسفارَ التي كتبت فيها ” (يو21: 25). لهذا تستندُ الكنيسةُ الى الكتاب وتستقريءُ أيضا التقاليد التي تركتها لنا الأجيالُ المسيحية الأولى، بدءًا من الرسل ،لتُدرِكَ عمقَ رسالةِ المسيح ، كما تلتجيءُ دوما الى الروح القدس وتتلقفُ إلهاماتِه لتسيرَ على خطى يسوع وتكَّمـلَ رسالتَه.

 

¨       الصلاة من أجل المؤمن أو غير المؤمن  !

إحدى مطاليب المقال أن لا نصَّلي لأي ميّت : كان  مؤمنا أو غير مؤمن. المؤمنون فلأنهم ،كما أكد الكاتب ، ” مُخَّلصون “، فلا منفعة للصلاة لأجلهم. وأما غير المؤمن “لأنه ، كما

أكد أيضا الكاتب ، قد دينَ وهلكَ للأبد “، فمن العبث والخطأ أن نصلي من أجلهم!. ولكن هل يؤيد الكتابُ المقدس هذا التعليم؟. أما المؤمنون فلم يُؤكدُ أنهم كلهم يخلصون ” بالفعل”. المسيحُ خلصَّ كلَ البشر، المؤمن والوثني الملحد، ومع ذلك حَّذرَ المؤمن قائلاً:” ليس من يقولُ لي يا رب يارب ، يدخل ملكوت السماء. بل من يعملُ أعمال أبي الذي في السماوات. سوف يقول لي كثيرون في ذلك اليوم : ربنا ربنا، أما بآسمكَ تنبأنا، وبآسمك طردنا الشياطين، وبآسمك أجرينا معجزات كثيرة؟ أقول لهم علانية : ما عرفتكم قط. اليكم عني أيها الفاسقون”(متى7: 21-23). وكذلك للعذارى الخمس الجاهلات يقول : اني لا أعرفكن” (متى25: 12)، مع أنهن راهبات كرَّسن حياتهن له!. ولهذا قال الرسول :” ضاعفوا الطاعة وآعملوا لخلاصكم بخوفٍ ورعدة ” (في2: 12). ويقول مار بطرس :” إذا كان البارُ يخلصُ بعد جهدٍ، فما هي حالةُ الكافر والخاطيء “(1بط 4: 18). لهذا لا يضمنُ الأيمانُ وحده حياة السماء، بل تُكملهُ أعمالُ المحَّبة (1كور13: 2-3؛ غل5: 6).

 

أما غير المؤمن فمار بولس يقول بأنَّ كل إنسان يُدان على ضميره :” فالوثنيون الذين بلا شريعة ، إذا عملوا بالفطرة ما تأمرُ به الشريعة، كانوا شريعةً لأنفسهم…فيدُّلون على أنَّ ما تأمرُ به الشريعة من الأعمال مكتوبٌ في قلوبهم وتشهدُ له ضمائرُهم وأفكارُهم. فهي تارةً تشكوهم، وتارةً تدافعُ عنهم.. لأن الله يدينُ سرائر الناس..” (رم2: 15-16). ولهذا وصَّى بولس تلميذه طيمثاوس، أسقف أفسس، أن يقيموا الصلاة والدعاء من أجل جميع الناس، و منهم “الملوك وذوو السلطة”(1طيم2: 1)، مع أنَّ أكثرهم وثنيون بل ويضطهدون الكنيسة!.

إذن لا نستعجلُ في إعلان الأحكام على أحد، لا سلبًا ولا إيجابًا. لندع الحكم للـه !.

 

¨       النتيـجة  !

فعلى أساس هذا الأيمان المستند الى الكتاب المقدس مباشرةً ، يعضُدُه التقليدُ المسيحي ، تؤمن الكنيسة بوجود حالةِ تطهير لبعض المؤمنين الغير مستعّدين ، مباشرة بعدَ الموت، أن يواجهوا قداسة الله ، فيتحملوا عذابَ عدم مشاركة مجد الله وسعادته رأسا لفترة ، تطولُ أو تقصر حسب كل حالة، ولا يقوون بأنفسهم على عمل تعويضي أو تكفيري ، فتُنجدُهم الكنيسة بالصلاة وبأعمال الرحمة والتضحيات ليُخّفف الرب من عذابهم ويدخلون سريعا الى سماءِ مجد الله. ولقد أكَّدَ الرَّبُ أن كلَ عمل صالح ، بآسم المسيح ، لا يضيعُ أجره عند اللـه. ولم يخصصْ العمل بالأحياءِ فقط. وتؤمن الكنيسة وتقول ما نقدر أن نعمله من أجل الأحياء نقدر أن نعمله أيضا من أجل الأموات. لاسيما وأن المسيحية تؤمن بوحدة الشركة بين الأحياءِ والأموات من خلال المسيح الواحد. وإذا كان القديسون يُصَّلون في السماء من أجل إستتباب العدل والسلام على الأرض بين الأحياء المتألمين (رؤ6: 10؛ 8: 3-4) ، فهكذا يمكن للأحياء ان يرفعوا صلواتهم برجاء وثقة من أجل إخوتهم الأموات المتألمين. 

وأيضا أدعو جميعَ المسيحيين ، والكاثوليك خاصّة ، بآقتناء الكتاب المقدس ومطالعتِه و محاولة فهمه كما تُفَّسرُه الكنيسة. ولهذا يحتاجُ المؤمن، بالأضافة الى الكتاب، مطالعة الكتب والمجلات التي تنشر ما يساعدنا على فهم الكتاب على حقيقتِه ، وليس على ضوء قناعتنا الفردية الخاصة. وكذلك حضور الندوات الدينية لتكثيف ثقافتنا الأيمانية. ولهذا ضروري أيضا الأطلاعُ على تيارات فكرية ومذهبية متعَّددة لتكون معرفتنا أوسع وأغزر ونقدر أن نصل الى الحقيقة بشكل أسهل.

 

 

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO