الأحــد الثاني للبشـــارة

الأحــد الثاني للبشـــارة   !

~~~~~~~~~~~~~~~

 

 

 عــيد البشـارة   عيد المحبول بها بلا دنس

 

يُتلى علينا اليوم إنجيلُ -::< لوقا 1: 26-56 >::- يقُّصُ علينا بشارة الملاك جبرائيل لمريم ، حيرَتها ، إيمانها وموافقتها على أداء المهمة المطلوبة منها ، ثم زيارتها لأليصابات حيث يتفاعلُ إيمانهما ويتقدس يوحنا في بطنها. مدحت اليصابات إيمان مريم بينما سبقَ الملاكُ و لامَ عدمَ إيمان زكريا كما قرأنا في الأحد الماضي (لو1: 20).

 

¨       بين زكــريا ومريم  !

 

 لما ظهرَ الملاكُ لزكريا وبَّشره بمولد يوحنا سألَ زكريا الملاك، وهو مصعوقٌ بالخبر الذي لم يعُد ينتظرُه رغم تشَّوقِه الشديد اليه وإلحاحِه في سؤال الله نسلاً تقُّرُ به عينُه مثل جمـيع الناس، وقالَ ” بمَ أعرفُ هذا ؟ “، طلبَ تفسيرا ، وأضافَ حالاً حيرَتَه وحجَّتَه في الأندهاش إن لم نقل في الشَّك ،” وأنا شيخٌ كبير وآمرأتي طاعنة في السن”؟ (لو1: 18). ردَّ عليه الملاك بعد كشف هويتِه :” ستُصابُ بالخرس..” فجاءَ وكأنه عقوبة ٌ لاسيما وأنَّ جبرائيلَ أعطى مُبَّرِرَه كالآتي :” لأنكَ لم تؤمنْ بكلامي” (آية 20).

بينما لما بَّشرَ مريم وآضطربت هي فساءَلت نفسها من يكون هذا الرجل وما معني مديحِه لها ، قاطعَ الملاكُ أفكارَها وطمأنها وخَّبرَها بمشيئة الله أن تلِدَ هي المسيحَ المنتظر ابنَ الله.   إحتارَت مريم أيضا وسألت :” كيفَ يتمُ هذا “؟. كان لها أيضا مبّررٌ، إنما مختلفٌ. هي شابة وليست عاقرًا مثل زكريا واليصابات. ولكن كان لها أيضا مانعٌ بشري هو:” وأنا لا أعرفُ رجلاً “. معَ أنها مخطوبة ليوسف ، أى قد تزَّوَجتْه شرعيًا ، والأنجابُ متوَّقعٌ طبيعيًا؟. هنا تفَّسرُ الكنيسةُ قلقَ مريم. فيعني قولها أنها قد كَّرستْ بتوليَتها لله ، وانها حتى لو عَّرست مع يوسف لكنهما لن يمارسا حقَّهما الزوجي بل يعيشان في العّفةِ كأخ وأخت. طلبت مثل زكريا تفسيرا لكيفية تحقيق كلام الملاك. يستمرُ الملاكُ في الجوابِ، بكل هدوء،على أسئلتها الخفية والعلنية. إنَّ القاريءَ يندهشُ أمام هذين الموقفين المتضاربين. وأحيانا يعترضُ البعضُ على هل الملاكُ ايضا يراعي ضعفَ المرأة فيلاطفها على حساب الرجل الذي يعنفُ معهُ ؟. و زكريا بالذات!. إنه لم يعترض. سألَ فقط علامة ًعلى أنَّ ما سمعه سيتم. إنه شيخٌ ولا يضمنُ أيامَه!. طلبَ نعمة ً إضافية تسنُدُ رجـاءَه !.

 

¨       ابراهـيم و منــوح  !

 

إنَّ ابراهيم أيضا تألم لعدم إنجابٍ طفل يرثُه و تشَّكى عقـمَه (تك15: 2). ولما وُلدَ اسماعيل إعتقد أنَّ الله عناهُ بوعدهِ إعطاءَه نسلا. ولما بيَّن له الله بأنه يُعطيه إبنا من سارة :” وقعَ على وجهِه ساجدًا وضحِك وقالَ في نفسِه : أ يولدُ ولدٌ لآبنِ مئةِ سنة ؟.  أم سارة تلدُ وهي إبنةُ تسعين سنة “؟. وأضافَ بنوعٍ من مرارة : ليتَ اسماعيلَ يحيا أمامَك” (تك17 : 17-18). ورغمَ أنَّ سارة ستدخلُ بعده في نقاش حاد مع الله على أنها لم ” تضحك ” أى لم تزدرِ ولم تشك بكلام الله إلا إنها لم تنَلْ أية عقوبةٍ! (تك18: 13-15). وحتى منوحُ ابو شمشون الجبار لمْ يُخفِ شكَّهُ لا في المُخبرِولا في حقيقة النبأ ” أ  أنتَ الرجلُ..والآن إذا تحَّققَ قولك ..دعنا نُعّدُ لك جديًا من المعز.. ما آسمُكَ..” (قض13: 11- 18). وإن كادَ الملاكُ أنْ يفقُد صبرَهُ معه ” لماذا تسأل عن اسمي ؟” ، لكنه لم يلجأ الى أيِّ شكل من عنفٍ أوعقاب.

 

¨       زكـريا وعـظمةِ النعــمة  ! 

 

لو عُدنا الى زكـريا نرى أنَّه واليصابات لم يهتما إلا بنسل ٍ يبعدُ عنهما تهمة َ الشعبِ بأنَّ الله قد قاصصهما فحرمهما النسل. كان العقمُ مُعتبرًا عقوبة إلهية. لأنَّهُ حرمٌ عن الطفل الذي هو بركَة ٌمن الله ليسندَ شيخوخةَ الوالدين. فالعقمُ كارثة ٌ بعين زكريا و زوجتِه التي لا تحوي  فرَحَها وهي حاملٌ فتصرخُ “..أتاني الربُ من فضلِه يومَ عطفَ عليَّ، فأزالَ عني العارَ من بين الناس” (لو1: 25). أما فضلُ الله فقد تعَّدى كثيرًا هذا الطلب. فقـد قالَ عنه يسوع أنه ” أعظم مواليد النساء… إنه ايليا الذي يُنتظرُ رجوعُهُ “(متى11: 14؛ ملاخي3: 23-24). وهذا هو ما سمعهُ زكريا من الملاك :” سيكون عظيما لدى الرب. يمتليءُ من الروحِ القدس وهو بعدُ في بطنِ أمّه. ..يتقَّـدمُ اسرائيلَ وفيه روحُ ايليا وقُّـوتُه …فيُعّـدُ للربِ شعبًا صالحا” (لو1: 15-17). نعمةُ فاقت لا فقط سؤالَه بل وحتى كلَّ توَّقعاتِه. لم يخطُرْ ببالِه قط شيءٌ من هذا القبيل. كان طلبُه بسيطًا ومحدودًا : طفلاً فقط. أما الجوابُ فوقعَ عليه مثلَ البرق ٍ شوَّشَ عليه موجاتِ التفكير. جاءَ جوابُ اللهِ رعـدًا هَّزَ كلَّ كيانِه!. إبنٌ ونـبيٌّ ، وخليفة ٌ لأيليا ، وسابقٌ للمسيح يُهَّـييءُ له الطريق!. إنه امرٌ عظيم يفوقُ إستيعابَه. فبقدرِ عظمةِ فرحِه أنه سيُصبحُ ” أبًا “، بقدر ذلك إشْتـدَّتْ حيرتُه بل وقلقُه على مصيره!. إنه يرى من الآن مجدَ هذا الطفل كما يرى أيضا ما يُرافقُه من معاناة.

 

¨       نقــمة  أم نعـمــة  ؟ !

 

وفي هذا الموقف لا يُمكنُ لزكريا إلا أن يسألَ كيفَ يتم هذا؟. لقد رفعتهُ عاصفة ُ مستقبل الطفل وكان بحاجةٍ الى هـدوءٍ داخلي ليتفاعلَ مع مشيئة الله ويتعاون مع الطفل ليترَّبى في بيئةِ الرسالةِ التي تنتظرُه. وكان لا بُدَّ للأنجيلي لوقا أن يضعَ ردَّ الملاك في صيغة النقمـة ، لأن إنجيله يبقى تربويًا لأجيال القُّراء، حتى لا يُشَّجعَ المؤمنين على أن يُحاججوا الله في كلِّ صغيرةٍ وكبيرة ، بل يدعوهم إلى أن يثقوا بكلام الله ويقبلوهُ دون مناقشة ويُطبقوهُ. فالأيمان يستفسرُ ويسألُ أنوارَ الله لفهم كلامِه دون أن يعترضَ عليه ، ودون أن يحتارَ أو يقلق. ولذا سيُقَّـدمُ لوقا حالا مثالَ مريم :” أنا أمة ُ الرب، فليكن لي كما قلتَ”، ويُضيفُ على لسان اليصابات : ” طوبى لكِ يا من أمنتِ بأنَّ ما بلغها من عند الرب سيتم “(لو1: 38 و48). و إذا كنا نرى في ” الخرس ” عقابا ، فنِـعِمَّ العقاب. لأنه أبعدَ زكريا من الحديث الزائل ليُعيدهُ الى داخله لـيتأملَ في الرسالة التي تنتظرُ ابنَه ويُهَّـيئُـه لها.

وليس هذا فقط. بل خرسُ زكريا جعلَ الناس يفكرون بأنه رأى رؤيا. وهذا يدفعهم الى التفكير في ماذا طلب منه الله ؟ ولماذا أخرَسَه ؟. وسيظهرُ اهتمام الناس ويُعطي ثمارَه بعد ولادة الطفل و عندما ينحَّلُ لسانه وينطلقُ في الحديث عن مستقبل يوحنا ، ” تحَّدثَ الناسُ بجميع هذه الأشياء في جبال اليهودية كلها. وكان كلُّ من يسمع بذلك يحفظه في قلبه قائلا: ما عسى أن يكون هذا الطفل ؟. فإنَّ يدَ الرب كانت معه “. وحتى زكريا نفسُه سينالُ نصيبا عظيما من نعمة الرب : ” إمتلأ ابوه زكريا من الروح القدس فأنـبأَ ..” (لو1: 65 -67). لقد استفاد من خرسه فأعاد قراءة الكتاب وهضمه بدّقة ، وصقلَ ايمانَه حتى إختصر بأسطرٍ قليلة مسيرة خلاص الأنسان. وهكذا تحَّولَ خرسُه من نقمةٍ الى نعمة ، فآنتقلَ من التفكير براحتِه الى الأهتمام بخلاص كل الناس و” تسديد خطى البشرية لسبيل السلام ” (لو1: 79). 

 

وهكذا قد تتحَّـولُ نقمات أخرى كثيرة الى نعـمة. فالله ليس مثل البشر ليتفاعلَ معهم بطريقةٍ إنفعالية. بل يدعُ الناسَ يتصرفون بعفوية وحرية ليحَّولَ أفعالهم وحالاتِهم الى خير لم يفكروا به. لو عُدنا الى موسى وإخراجِ بني اسرائيل من مصر نقرأ بأن الله إختارَ موسى ليتزعَّمَ شعبَ الله ويقابل فرعون, ولا تنفعُ إعتراضاتُ موسى :”أما تراني ثقيل اللسان، فكيف يسمعُ لي فرعون “. يرُّدُ عليه الرب :” جعلتُك بمثابة إلاهٍ لفرعون. ويكون أخوك هارون بمثابةِ نبيّكَ..”، ويُضيفُ ” أُقَّسي قلبَ فرعون. فمهما أكثرتُ معجزاتي وعجائبي في أرضِ مصر، فلن يسمعَ لكما..الى أن يعرفَ المصريون أني أنا الرب” (خر6: 30؛ 7: 1-5). يتركُ الله فرعون في عجرفته وتعاميه الى أن يضطر الى الأعتراف بسيادة الله عليه. وايضا الى أن تتعَّمقَ وتتقوى ثقة الشعب بموسى فتتبعه بسهولة.

 

وقد قال يسوع أيضا بأنَّ الأعمى من مولِدِه لم يخطأ بل” ولد أعمى لتظهرَ فيه أعمالُ الله “(يو9: 3). وزكريا ايضا نالَ الخرس ليكشفَ الله على يده عظمتَه وأمانتَه وعجيبَ أعمالِه. وفعلا لم يُشِرالأنجيلُ بشيء إلى أنَّ زكريا إمتعضَ من خرسِه أو تذمر. ولا أنَّ الشعبَ إحتقرَه أو أساءَ الى سمعتِه. بل قبل زكريا وضعه بهدوء ، وآستغلَّه لأعادةِ ترتيب إيمانِه وتصفيتِه من تشويهات ” الكتبة والفريسيين “، وفتح آفاقِه لنور الله وقبولِه إضاءاتِ الروح القدس و التفاعل معها. إنَّ الأيمان الذي يُعلنه في نشيده نقلـة ٌ مهمة في تحديد فكرة الأيمان والخلاص. فمثلا بينما يؤمن الكلُ بأن المسيح يُخَّلصُ الشعبَ من استعمار روما يُعلنُ زكريا بأنَّ الخلاص الحقيقي هو في غفران خطايا الشعب. الخطيئة هي التي تُقَّـيدُ الأنسان وتُؤَّلبُه على غيره فتجعلُه غريبا بل عدوا :” من يعملُ الخطيئة هو عبدٌ “، هو مُستَعْمَرٌ ومُستَعمِرٌ في نفسِ الوقت. والحقُّ هو ضد الخطيئة ، لأنه سماعُ كلامِ الله. و” الحَّقُ وحدَه يُحرركم” (يو8: 31-36).

 

¨       إيمــانٌ عاطف وعاصف  !

 

إن كانت مريم تمَّثلُ نوعَ الأيمان الفاعل بهدوء ، وستشبهها المجدلية أيضا ، لأنه تشوبه في نفس الوقت عاطفةُ المحبة فهو قوي، فقد يُمثلُ زكريا نوع الأيمان الذي تخترقه العواصف ، وسيُشبهه من الرسل بطرس وتوما، لأنه يشوبُه في نفس الوقت منطقُ الحكمة البشرية. إنهم يبتغون مبرراتٍ محسوسة لقناعاتِهم. يريدون أن يّطلعوا على ما يفكرهُ الله ويريدُه. إنَّ هذا النوع من الأيمان أضعف في ظاهره لكنه أنقى لأنه يقوم على الفكر،” ونحن لنا فكرُالمسيح ” (1كور2: 16). يُشاركُ الأنسانُ اللهَ في فكره وعملِه!. لكنَّ اللهَ هو أيضا ” محَّـبة “(1يو4: 7-8). والمحَّبة أقوى من الفكر. فمريم أحَّبت اللهَ من كل قلبها وفكرها وفوقَ كلِ شيءٍ. فكان سهلا عليها أن تثقَ بمن تُحّبُه وتقتنعَ بكلامهِ. أما زكريا فكانت علاقته العاطفية مع الله أقلَّ بكثير. إنه مؤمن بالله لكنه مثل كل المؤمنين الكبار من ابراهيم وموسى وداود يشتاقون إلى أن يكون اللهُ أقربَ اليهم فيحسَّ بضعفهم ويعاملَهم كنّـدٍ لنـد. وتفاعلهم مع الله مبنيٌّ على الفكرِ أكثر مما على العاطفة. أما اللـه فيرعى كلا النوعين من الأيمان والمواقف ، يحُّسُ بها أكثر مما نتصَّوره نحن، ويتفاعلُ معها كما ينبغي،لأنهما كليهما ضروريان للناس ويتكاملان ، لأنهما نورُ الحياة وشريانُها.

 

 

القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO