عـيد المـيلاد وأبعــاده

عـيد المـيلاد وأبعــاده  !

~~~~~~~~~~~~~~

 

 

أهلا وسهلا بالشماس السائل. سأل الشماس عن :

1-      معـاني ورموز عـيد المـيلاد ؟ ؛

2-      كيف نحتفلُ نحن المسيحيين بهـذا العـيد ؟ ؛

 

¨       العــيدُ ورمــوزه  !

 

العـيدُ ذكرى سنوية نحتفلُ بها عن ميلاد ” يسوع ” الناصري. قبل 2018 سنة ولِدَ في بيت لحم ، في فلسطين ، طفلٌ فقيرُ الحال، لم يجد ذووه بيتا يسكنونه ليولد فيه. ولد متواضعا في إصطبل للحيوانات لا يملك مناما فوُضِع في المذود حيث يوضعُ العلفُ قوتًا للحيوانات. لم يكن لأمه مالٌ تشتري به ، كأي أم ، ملابس لتُدفيءَ طفلها وتحميه قرصَ البرد فقمَّطته بأبسط ما كان لديها.  هـذا الطفلُ لمّا وُلدَ ظهرت ملائكة من السماء تُعلن الخبر لرعـاةٍ يحرسون قطعانهم ويرعونها في المنطقة. هـذا الطفلُ جاءَهُ ملوكٌ وحُكام ـ المجـوس ـ من الشرق ، تقودُهم من جديد نجمة سماوية فسجدوا له وقدموا له هـدايا تُشيرُ الى أنَّه ملكٌ (هدية الذهب) وإلاهٌ (هدية البخور) ولكنه سيتألم (هدية الّلُـبان)(متى2: 1-12).

 

فما نعني بالأحتفال هو إذن إعلانُ إيماننا بأن اللـه صارَإنسانا. فكلمةُ اللـه الأزلي إتّخذ جسدا وحلَّ بين البشر(يو1: 14). أصبحَ اللـه معنا (عمانوئيل :متى1: 23) وقاسمنا الحياة بحلوها ولاسيما مُّرها ؛ ” فمع أنه في صورةِ الله ، لم يعُّـدَ مساواتِه لله غنيمة ً، بل تجَّردَ من ذاتِهِ ـ تخَّـلى عن مجدِه الألهي ـ وآتخذ صورة َالعبد ( الأنسان) وصار على مثال البشر..و تواضعَ فأطاع حتى الموت ، موت الصليب “(فيلبي 2: 6-8). الله تنازلَ عن ذاتِه وأصبحَ إنسانا في أدنى حال ليكون واحدأ مثلنا “أُمتُحِن َفي كلِّ شيء مثلنا ما عدا الخطيئة”(عب4: 15).

 

هـذا هو المـيلاد: اللـه ينحدِرُبآتجاه الأنسان خليقتِه وصورتِه، ينزلُ الى مستواه ليتعَّرفَ عليه الأنسانُ ويُحّسَ بحُّبه العظيم له فيُحِبُّه بدوره ويؤمن به أنه اللـه ويتعَّـلقُ به ، فيرفَعُه من سقطتِه وذله ، و يضعه في مستوى اللـه. لأن من يؤمن بيسوع أنه الله يُصبحُ بدوره إبنا لله. صار يسوع أخا للبشر بالناسوت. وإخوته البشر يُصبحون بالأيمان والنعمة إخوتَه في اللاهوت ؛ ” والذين قبلوهُ فقد أولاهم أن يصيروا أبناءَ الله. هم الذين أمنوا به ” (يو1: 12). فالميلادُ إذن حركة تنازلية من اللـه نحو الأنسان >< فيـتأنَّس >< ليرفعَ بعدَه الأنسان في حركةٍ تصاعدية نحو اللـه >< فيتــألَّـه >< !.   

 

اللــــــــــــــــــــه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  الأنســـــــــــــان

       |                                                × 

       |                                                 |                 

      ×                                                 |

   الأنسان ـــــــــ يسوع :الأله / الأنسان ــــــــــــ اللـــه

فاللـه يتقاسم مع الأنسان ضعفَه وذُّلَـه حتى يتقاسمَ الأنسانُ مجدَ الله وراحتَه (يو14: 3؛ عب 4: 1-3).   لذا أنشدَ الملائكة ُ قي ميلاد يسوع ” المجدُ للـه في العلى. وعلى الأرضِ السلام ، وللناس المسَّـرة ” (لو2: 14).

 

 

¨       كيف نحتفلُ بالعيد ؟

 

 

أعلنَ الملاكُ وبَّشرَ الأنسانية بفـرحٍ عظيم مَّـنه اللهُ عليها وهو ولادةُ المُخَّلِص. فالمسيحي مدعُّوٌ إلى الفرح. مدعو إلى التفاعل مع هذا الحدث. هذا ما فعله الرعاة لمّا بشرهم بولادة يسوع. ” لنذهب ونرَما أنبأَنا به الرب “. ليس الشكُ قادهم ليتحققوا إن كانت البشرى حقيقة ً أم خِدْعة. بل هو الفرحُ الذي غمرَهم لما سمعوا بأن ما ينتظرونه من أجيال قد تحَّـقق. ولهذا لم يسيروا بهدوء بل أسرعوا، لأن شوقهم لرؤية المخلص والتعّرفِ عليه والتعامل معه فجَّرَ قرارهم في معاينة المخلص ولم يتحملوا الأنتظارَ الى اليوم الثاني. ولما شاهدوا يسوع و خرجوا من عندِه صاروا يُخبرون كلَّ من صادفوه بما حدث ، وأنهم رأوا المسيح إبن الله الحي المنتظر. وبالإضافة الى نشر الخبر صاروا يُمَجّدون الله ويُسَّبحونه ويشكرونه على هذه النعمة الكبيرة.

 

ثلاثة أبعـاد لتفاعل الرعاة مع الميلاد وما عملوه ، وثلاثة نماذجَ لنا لنعرف كيف نتصَّرف و نحتفل بالعيد. نحن مسيحيون ، أى مُنتَمون الى المسيح ، أى تلاميذه المرتبطون به حيويا إذ هو حياتنا ، ولا حياة لنا بدونه (يو15: 5)، ماذا نعرفُ عن مسيحنا؟.  

 

بُعدُ المعرفة : هل نعرفُ يسوع حَّقَ المعرفة ؟. نعرف ولادته ، عماده، موته وقيامته. هذه أخبارٌ فقط عنه. ولكن هل نعرفُ بالضبط ماذا قالَ وماذا عمل؟. هل نعرفُ ماذا كان يُفكر؟ هل نعرفُ كم كان يُحّبُ؟. وكم كان يُسامحُ ؟. وهل ، بالنتيجة ، نتثقَّف عنه فنسأل ونبحث ونُطالع كتبا تحكي عنه وتفَّسرُ لنا انجيلَه؟. هو جاءَ الينا وتشَّبهَ بنا وعاشِ حياتَنا ، والرعاة ذهبوا اليه ليشاهدوه ولا يبقوا فقط سامعين للخبر!. فهل نذهبُ نحن اليه ونحاولُ ان نُحَّولَ حياتنا صورة تشُّع حياتَه هو، ونُصغي اليه لنتعّلمَ منه كيف نُصبحُ حقا أولادًا لله ، بل وآلهة ً بسلوكنا وأعمالِنا؟. سمعنا أخبارًا كثيرة ونسمع اليوم عن طريق وسائل الأعلام أمورا غريبة وأغلبها تُعارضُ ايماننا فهل نكلفُ أنفسنا لنحققَ فيها أولا ونمَّيزَ الصحيحَ منها من الخطأ ، وهل نثبتُ على إيماننا أم نستقبل كلَ شيءٍ حتى المخالفَ لأيماننا ونتبعُهُ ونبتعدُ عن الكنيسة وعن المسيح؟.

 

بعدُ تمجيد الله : مجَّدَ الرعاة الله وحمدوه على نعمةِ ميلادِ المخَّلِص. والخلاصُ لنا أيضا واللهُ إلاهُنا ايضا ويُحّبُنا. والمسيحُ وُلِدَ لنا فهل نُقَّـدرُ هذه البادرة وهذه النعمة ونشكرُ اللـه على أنه لمْ يتركنا فريسة ًتحت سلطان الشيطان بل حَّررنا من قيوده وأعطانا أن نستعيدَ الفردوسَ و نحيا من جديد في نعيمِه، في علاقة أحَّباء ونُدماء :” لآ أدعوكم عبيدا بل أحباء “(يو15:15) . أعطانا الله بيسوع أن نكون أبناءَه و وُرَثاءَ خيراتِه (غل 4: 7؛ رم8: 17) فهل نُقَّدرُ هذه البُنوَّة وهذا الحق ؟. وهل نفكرُ أننا نكرناه في أبينا الأول ، وننـكره آلاف المرات بآثامنا و مخالفاتِنا ومع ذلك يُعاملنا هو بمحَّبة فيتغاضى عن أخطائِنا ويصبرُ على نكراننا جميله وإحسانه وينتظرنا أن نعود اليه ؟. الميلادُ يذكرنا بأنعام الله ويدعونا الى الأعترافِ بها و حمدهِ عليها. إنه ينتظرنا أن نذهبَ اليه لا فقط وهو في مغارة الكنائس، أو في بيت القربان في المعابد ، ولكن أيضا ان نقتربَ منه بحُّبِنا ، بآهتمامنا ولاسيما بالذهاب الى المحتاجين والمعوزين فنكون قريبين منهم بعاطفتنا ومالِنا وخدمتنا !. الميلادُ أن نكون دوما أقربَ الى الله سنة ً بعد سنة ، قريبين بالفكر والقلب والفعل !.

 

بعدُ البشــارة : الرعـاة لم يكتفوا برؤية يسوع بل نشروا أخبارَه. نشروا أخبار الله. نشروا أخبار الحقيقة. لم يحتفظوا بالبشرى في السر. وكان كلامهم مُحَّركا لآنذهال السامعين بالخبر. لم يكن ممكنا ليسوع أن يولدَ في نفس الوقت في كلِ مدن العالم ، حتى ولا في المدن اليهودية فقط. كان طفلا ولم يكن يقوَ على أن يذهبَ الى كل الناس، ولم يملك لا وسائل إعلام ولا جيوشا تنتشرُ في الأمبراطورية لتنشرَ الخبرفي كل الأمصار. صار الرعاة وسيلة يسوع لأيصال البشرى الى الآخرين. ومن سمع من الرعاة خبَّرَ غيره. والخبر ظلَّ ينتقلُ بين الشعوب عبر الأجيال بفضل الرعاة. والدور وصلَ الينا لنوصلَ الخبرَ الى العالم. لقد سمعَت البشرية بخبر يسوع ولكن كم وكم من الملحدين وعملاء ابليس ينكرون ذلك أو يُشَّوهون الحقيقة لينشروا عوضَها أساطير وقصصًا خيالية يمُّجها العقل السليم فيبتعدُ عن يسوع. ونحن رعاةُ اليوم وقد بَّشرتنا الكنيسة بميلاد المخلص ، وقد قصَّ علينا آباؤُنا أخبار الأنجيل ، كم نجتهدُ لنكون رسلَ يسوع ، رسلَ السماء وننشرُ لا الخبرَ فقط بل أبعاد الميلاد ومتطلباتِه؟.

 

لم يَروِ الرعاةُ الخبر فقط بل كانوا ينقلون معه إختبارَهم عند سماعِ الخبر وأحاسيسهم عند مشاهدة الطفلَ ، ولاسيما نقلوا ما كلمهم عنه لا فقط الملائكة بل أيضا مريم ويوسف. أكيدأ سألوا لماذا وُلدَ في الأصطبل؟ ولماذا كان فقـيرا؟. وربّما زوَّدوأ أهله بمواد غذائية ؟. المهم في الأمر أنهم نقلوا صورةً عن هوية يسوع. وحتى يكَّونوا فكرة عنها فقد إهـتّموا بالأمر. لم يمُّر الحدث مثل ولادات بقية الأطفال. بل عرفوا أن هذه الولادة مختلفة ومهمة وتستحقُ أن يهتموا بها. بل أن يتبنوها. فميلاد يسوع عطاءٌ إلهي للبشر، عطاء ذاته وخيراتِه، ودعوة الى الناس أن يقتدوا به فيعطوه هو أولا للبشرية كلها، و ثم أن يعطوا أنفسهم لخدمةِ الآخرين فلا يبحثوا عن مصالحهم الدنيوية فقط بل أن يتعلموا كيف تنازل يسوع عن لاهوتِه ومجدِه ليخدمنا، هكذا هم ايضا ” ينكروا ذواتِهم ويتبعوه” في درب البذل والتضحية (متى16: 24)، درب الطاعة لله والتواضع (في2: 8)، ويتسعَ فكرهم وقلبهم ليحتووا جميع الناس ويعملوا لخيرالبشرية جمعاء. فرَّحنا يسوع بميلاده فعلينا أن نزرعَ البهجةَ والفرح في حياةِ الناس بآهتمامنا و تعاملنا الأخوي مع الكل.

 

لقد إعتدنا على إستعمال مظاهر الفرح للعيد بالمآكل والملابس وزينة البيوت وتوزيع الهدايا لأطفالنا ، وربما ننسى أن نقُّصَ عليهم قصة الميلاد!. نتمتع في العيد بالمآكل اللذيذة والدسمة وقد نُهملُ مُعوزين يتضورون جوعا!. نلبس أجددَ الثياب وأثمنَها وقد لا نعيرُ الأنتباه الى من لا مأوى لهم ولا ثيابَ يتدفأون بها!. نلعبُ ونتسَّلى ونلهو ونصرفَ المالَ بلا قيد وربما لا نفكر أن الحياةَ ليست فقط ذلك. لأنه كيف أفرحُ إذا كان جاري حزينًا؟. كيف أتنعم وقريبي يموتُ جوعًأ؟. كيف أفتخرُ وإذا كان الآخرون عُريانين؟. هناك أهمَّ منها : تمجـيد الله ونشر حقِـه وحبه للبشر عندما نحيا في الحق ونشهد للمحبة، وعندما نعتني بضمان سعادةِ الحياةِ الأبدية حتى لو على حساب الزمنية!. غالبا ما نملأ حياتَنا ونشغلها بأموردنيوية كثيرة في حين تبقى حياتنا فارغة من الله !. وإذا فرغت حياتنا من الله فرغَ عيدنا من الفرح وفرغ الميلاد من حبٍ ورسالة. ولن يكون الله بعدُ ” عمانوئيل ” ، معنا وفينا. فإن اردنا أن نقضيَ عيدا مبارَكا وسعيدا حَّـقًا ، عيدا مسيحيا ، علينا أن نحاول فنُحَّققَ هدفَ العيد فيكون المسيحُ المخلص حَّـيًا في أفكارنا وقلوبنا ، في كل تصَّرفاتِنا اليومية. لنقـتدِ بالرعاة فنصغي الى الله ، ونتفاعلْ مع مشيئتِه ، ونخدمْ قصيتَه بوعي وتصميمٍ وفرح وصبر؛ لأنَّ قضية َ الله ليست سوى خلاص جميع الناس ومشيئَـتَه هي راحتُـهم وسعادتُهم.   

 

 

القس بول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO