هـل كلُّ من لا يؤمنُ بالمسيح يَهــلُكْ ؟

هـل : كلُّ من لا يؤمنُ بالمسيح يَهــلُكْ  ؟

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ 

 

أهلا وسهلا بالأخـت السائلة. في جلسةٍ حميمية دار الحديثُ عن الخلاص. أعطى كلُ واحدٍ رأيه. ناقشوا ، ربما بحرارة وبآرتفاع نبرة الصوت أحيانا وآختلفوا، إنْ لم يكن أنْ أدان كلُ واحد الآخر المختلف معه. ولم تُنَّـوهْ السائلة الكريمة إذا كانوا راجعوا الأنجيل ليبحثوا عن

جوابٍ لسؤالِهم وآختلافِ آرائِهم. ربما ولا فكروا بذلك. فآلتجأت ريزان إلى سؤال من يقدر أن يساعدهم. وخيرَما فعلت إذ لم تتقوقع على رأيها، بل بحثت لتعرف الحقيقة. فسألتْ :    

1-      هل: كل من لا يعرفُ المسيح ، حتى لو كان صالحًا بأعمالِه  ؟

2-      هل: لا يخلُصً الأنسان إلا إذا عرفَ المسيح وآمن َ بهِ  ؟.

3-      أرجـو أنْ توَّضِحَ لنا ” مفهومَ الخلاص ”  !

 

¨       مَنْ يُـقَّــررُ مَنْ يَخلـُص  ؟

أحيانا كثيرة ننـدفعُ في غيرتنا على الأيمان الى أبعد من الحقيقة ، فـنتـطرف ونُحّلُ أفكارَنا ورغـبتنا محل فكرِالمسيح وإرادتِه. نحن ننطلقُ غالبًا من ذاتِنا ومعرفتنا ومنطقنا ، ولاسيما من واقعنا الأنساني في حياتِنا الأجتماعية اليومية. نادرا ما نحاولُ أن نصغيَ الى المسيح. و نادرًا ما نفهمُ كلامَ المسيح. وإذا كانت تتناقضُ تعاليمُه مع مباديءِ العالم فأحيانا كثيرة نفضلُ نظرة العالم على نظرة اللـه. وإذا لم نناقضْه فعلى الأكثرنسكُتْ له على مضض. ولكن نادرا ما نحاولُ أن نتقـيَّدَ بتعليم المسيح ، خاصة وإذا كانت تُكلفُنا بعضَ الأتعاب أو التضحيات. لا ننطلقُ من حبنا للآخرين وكيفَ نبذلُ جُهدَنا لنساعدَهم على الخلاص. عوضًا عن ذلك ندينُ الآخرين ونحكمُ عليهم. مع أن المسيح نهانا عن الدينونة :” لا تدينوا لئلا تُدانوا “(متى7: 1) وأكدَ بأنه جاءَ ليُخلصَ جميع الناس:” لم يرسل الله ابنه الى العالم ليدين العالم بل ليُخَّـلضَ به العالم” (يو3: 17).

 

اللهُ هو خالق الأنسان. الله يُحّبُ الأنسان أعظم محبة (يو13: 1). الله هو فادي الأنسان. والله وحدَه حاكمُ الأنسان لأنه وحدَه مانحُ الحياة والمتحَّكمُ بها (يو5: 26-27) . فلسنا نحنُ من يُقَّـررُ من يخلص ومن يهلك. الله وحدَه القادرُ على ذلك ، لأنه وحدَه فاحصُ القلوب والكلى ، وحده مغربلُ السرائرِ والضمائر. وبدَلَ أن نُضَّيعَ وقتـنا ونهتم بما لا يَخُصُّنا (يو21: 21-22) ، بمن يخلص ومن يهلك، لنهتمَّ بحياتِنا ونسلكَ طريق الخلاص. عوضَ أنْ نتفاضَلَ في معرفة مصير الآخرين لنعمل من أجل خلاصِ ذواتِنا ” بخوفٍ ورعـدة ” (في2: 12).

 

¨       مَـنْ يَخـلُـص   ؟

يخلُص من عرفَ المخَّلص وآمنَ به وقبـلَه وتـبعَه. “من آمن وآعتمَدَ يخلص” يقول الأنجيل. ويقول مار بولس :” كلُ من يدعو بآسم الرب يخلص” (رم10: 13). ولكن الدعاء بآسم الرب لا ينفصلُ عن الأعمال النابعة من الأيمان؛ فليس ” كلُ من يقول : يا رب يا رب يخلص. بل من يعمل بمشيئة ابي الذي في السماوات”(متى7: 21). فالأيمان وحده لا يكفي. يقول الرسول:” لو كان لي الأيمان لأنقل الجبال ولم تكن فـيَّ المحبة فما أنا بشيء “(1كور 13: 2). لأن الأيمان والمحبة يكتملان ويثبتان بالأفعال (غل5: 6). ولهذا دينونة الأنسان تقومُ على حياتِه العملية وليس الفكرية (متى25: 31-40) كما أكدَّ الربُ نفسُه :” سيأتي ابنُ الأنسان في مجد أبيه مع ملائكتِه : فيجازي يومئـذٍ كلَّ آمريءٍ على قدر أعمالِه” (متى16: 27). ويؤكد ذلك مار بولس : ” وينكشفُ قضاءُ اللهِ العادل فيجازي كلَّ واحدٍ بما قَّـدمتْ يدُه ” (رم2: 6) ” من الأعمالِ الصالحةِ “(اف6: 8). ويُعاقب الأشرارُ ايضا ” كل واحد بأعمالهِ ” (رؤ20: 12-13).

 

إذن يخلُصُ من يرضى اللهُ عنه ويقولُ لهُ ” هَلُّـمَ يا مُبارَكَ أبي رثْ الملكَ المُعَّـدَ لكَ منذُ 

إنشاءِ العالم ..”(متى25: 34)، مثلَ اللص التائب الذي إذ آمنَ وآسترحَمَ أجابَه يسوع :”

تكون اليومَ معي في الفردوس” (لو23: 43).

 

¨       مَنْ يَهـلُك   ؟

يَهلُكُ من يؤمن بالله لكنه يرفضُه ويُعاديه ويُخالفُ عمدًا مشيئَتَه ، أى إبليسَ وملائكتُه و أعوانُه :” وطُرِحَ إبليسُ فتَّـانُهم في مستنقعِ النار والكبريت ، ولحقَ بالوحشِ والنبَّي ِ الكَّـذاب ، حيثُ يُكابدون العذابَ نهارًا وليلا ، أبَـدَ الدهور”(رؤ20: 10). ويلحقُ بهم من يعرفون الحَّق ويرفضونه ، الذين يجدفون على الروح القدُس ، لأنه ” يخطأُ خطأ ً أبـديًا ” (مر3: 29). يهلُكُ فقط ” ابنُ الهلاك ” (يو17: 12)، الذي يستسلمُ لأبليس مثلَ يهوذا لأسخريوطي (يو 13: 2، و27؛ لو22: 2) الذي ” كان خيرا له ـ ولأمثالِه ـ لو لم يُولَد” (مر14: 21) ، لأنه يرفضُ كلامَ الله ودعوَتَه ومشيئَتَه.

 

يهلكُ من يجهلُ الله ، لا لأنه لم يسمع عنه ، بل لأنه سمعَ لكنه يرفضُ مع ذلك أن يتعَّرفَ عليه خوفًا من ألا يمنعُه عن شهواتِه الغريزية وملَّذاتِه المجونية. يعمل مثل النعامة التي تتصَّور أنه إذا أخفتْ نظرَها عن عدّوها اللاحق بها ولم تروه فسوفَ لن يراها ولا يقتلها. فيعتقدُ أنه إذا لم يعرف مشيئة اله فلا مسؤولية له ولن يُحاسبُه. أو كما يقولُ المثل :” العينُ التي لم تـرَ لم تخطـأ “! أى الجاهلِ بالقانون بريءٌ!!. لكن من يتعَّـمدُ و يرفضُ أن يتعَّرفَ على الله وعلى مشيئتِه لئلا يتقَّـيَدَ بها فهذا ايضا خلاصُه ليس مضمونًا.

 

¨       ومَن لمْ يعــرف اللـه  فعلا   ؟

قال يوحنا ” من لمْ يؤمنْ بهِ ـ بالمسيح ـ يُحكمُ عليه “(يو3: 18) أو ” من لم يؤمن يُـدان ” (مر16:16). لم يقُل ” يهلك “!. بل قال يُدان أو يُحاكمُ. والدينونة والمحاكمة تعني فحص أمرٍ ما مُشـتبَهٍ فيه لأجلاء حقيقتِه. وبعدَ التحقيقِ فيه يخرجُ القرارُ أو الحكمُ إما بتبرئة المتهم أو بإدانتِه. والأيمان فالتعَّلق بالمسيح لا يأتيان إعتباطًا. بل هما نتيجة معرفة سابقة. يقولُ مار بولس:” وكيفَ يؤمنون بمنَ لم يسمعوا به؟. وكيفَ يسمعون به من غير مُبَّشر” (رم 10 : 14). فالسؤالُ هنا : هل بَّشرنا نحنُ غيرنا حتى ندينُه ؟. وهل كانت بشارتنا صحيحة وعن غيرة أم مُشَّـوهة للتظاهر والتباهي فقط ؟. يعود مار بولس الى الحديث : ” أَوَ تظُّنُ ، أنتَ الذي يدينُ .. أنكَ تنجو من قضاءِ الله “(رم2: 3)؟. أو بمعنى آخر:” أنتّ الذي تدين، كائنا من تكون، دِنْ نفسَك وعَّـدِلْ سيرتَك. داوِ جُرحَك أولا وآضمن خلاصَك. هذا أفضل من أن تدين غيرَكَ “!. أما هكذا قال الرب :”  اخرج أولا الخشبةَ من عينِك ..”(لو6: 42)؟.

وأما عن دينونةِ الله لمن لم يُؤمن بالمسيحَ ولا عرفَ مشيئتَه فيتابعُ بولس قـولهُ :” إنَّ اللهَ لا يُحابي أحـدًا. فالذين خطِئوا بغير شريعة يهلكون بغير شريعة… وليس المُصغونَ الى كلامِ الشريعة هم الأبرارُ لدى الله، بل العاملون بالشريعة…فالوثنيون الذين بلا شريعة ، إذا عملوا بالفطرة ما تأمرُ به الشريعة ، فيدُّلون على أنَّ الأعمالَ التي تأمرُ بها الشريعة مكتوبٌة ٌ في قلوبهم. وتشهدُ لهم ضمائرُهم وأفكارُهم: فهي تارة ً تشكوهم وتارة ً تُدافعُ عنهم. وسيظهرُ ذلك كلهُ، كما أبَّشرُ به، يومَ يدينُ الله سرائرِالناس، بيسوع المسيح” (رم2: 11-16).

 

¨       كاثوليكي أكثر من البابا  !!

إنَّ بعضَ المؤمنين يُعلنون مباديءَ إيمانية على هواهم. ويتعصَّبون فيُشَّددون على السلوك المسيحي ويُحاسبون بقساوة حتى يُصَّفونَ البَّـق، لكنهم يبلعون الجمل بحملِه مثل الفريسيين. يُطالبون ويشترطون على غيرهم ما لم تطلبُه الشريعة. فيقول المثل :” هؤلاء كاثوليك أكثر  من البابا “!. لأن البابا هو الذي يُمَّثلُ نقاوة الشريعة ويحَّددُ ما تطالبُنا به. والبابا يُعلنُ علينا كلَّ يوم أن يكون إهتمامنا بكل الناس بغير التمييز، حتى بأجرم المجرمين. قال عن المثليين: ” إننا لا ندينهم ، ولا نحكمُ عليهم. من نحنُ حتى نبعثَ الناس الى الجهّنم؟. إننا لا نبَّررُ أعمالَهم. ولا نؤَّيدُ مبادِئَهم. إننا نُطالبُ بأن نهتم بهم ونوَّفرَ لهم فرصة الخلاص. لا نحرُمُ أحـدًا من رحمةِ اللـه ، الدَّيانُ الوحيد “.  ولا نكن نحن مسيحيين أكثـرَ من المســيـح !

 

 

القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO