موضــوعٌ ، مُثــيرٌ للجــدل

موضــوعٌ ، مُثــيرٌ للجــدل  !

~~~~~~~~~~~~~~ 

 

أهلا وسهلا بحضرة الشماس. 

يبدو أنَّ الشماس يشهدُ سجالاتٍ ونقاشاتٍ طويلة وحّـادة حول موضوع :>> القومـية و الأيمـان << ودورُ الكنيسة منها وفيها. فطـرَح أسئلة ً عديدة  نثَّبتها هنا للفائدة ، هي :

 

1-      ما هي وجهة نظرك بما يُسَّـمى ” القـومية الكلـدانية ” ؟

2-      هل الكلدان هم فعلاً ” قــومية وليســـوا كنيســة ”  ؟

3-      هل صحيحٌ أنَّ أجدادَ كلدان اليوم هم سُّكانُ بابل القديمة وبلاد ما بين النهرين ؟

4-      لماذا كانوا يتكلمون السومرية القـديمة التي  إنقــرضتْ  ؟

5-      أو لم تظهر الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية بعد إنتخاب البطريرك يوحنان سولاقا ونصبِه من قبل الفاتيكان عـام 1553 م  ؟

6-      لماذا نسمعُ اليومَ من يُطَّبلُ ويُزَّمـرُ لهذه الفكرة وكأنها مفتاحُ الدخول إلى ملكوت السماوات  ؟

7-      هنا في سان دييكو يُنظـرُ الى فكرةِ القـومية الكلدانية وكأنها شـيءٌ مقَّتدَسٌ  !

     أرجــو منـكَ تـوضــيحَ هـذه الألتـبــاســات.

 

¨       القـــومـية   !

قالَ الأخ ” ما يُسَّـمى” بالقومية الكلدانية ، وكأنه يشُّكُ في وجودِها. حتى نتأكد من وجودِها أو عدم وجودِها نتساءَلُ أولا ” ما هي القومية “؟ ماذا تعني ؟. يُحَّددُ قاموسُ اللغة كلمة القومية كالآتي : >< مبدأٌ سياسي إجتماعي يُفَّضلُ معه صاحبُه كلَّ ما يتعَّلقُ بأمَّـتِهِ على سواء مما يتعَّلقُ بغيرِها ><. و” المَقامة ” تعني مجلسٌ أو جماعة ٌ من الناس يُقيمون معا. والقَومُ (جمعه أقوام ) يعني مجموعة من الناس تربُطهم مع بعضهم أواصرُ القرابة ولاسيما الإقامة معا في مكان مُعَّـين ومحَّدد. والشعبُ ينالُ إسمَه الأجتماعي الخاص من ذلك المكان. والمكان بدورِه يكون قد أخذَ إسمَه من اللغة التي يتحَّدثُ بها ذلك القوم.

 

تُستعملُ ايضا مُفردُة غربية هي “” الإتنـية “” Ethnie وتعني الشعب للدلالة على القومية. ويُحددُها قاموس اللغة الفرنسية بـ :” تجَّـمُعُ عوائلَ بالمعنى الواسع يمتلكُ قاعدة ً / هيكلية عائلية إقتصادية وإجتماعية متـفقة تُـوَّحِدُها لُغّـة ٌ واحدة وثقافة مشتركة وحِسٌّ جماعي “. وهنا نتساءَل : هل عرفَ التأريخ مكانا وقوما بهذه المواصفات ؟. بالتأكـيد <> نعـم <>. حتى الكتابُ المقدس ، بالأضافة الى التأريخ، يذكر أرضًا وشعبًا بآسم ” الكلدان”. حتى قالَ عنهم إشعيا النبي :” أُهربوا من أرض الكلدان لأنهم قومٌ أشرار”. وذكر عاصمة مملكتهم قائلا :” بابلُ زينةُ الممالكِ وفخرُ أمجادِ الكلدانيين تصيرُ..” (غش13: 19). هناكَ أرضٌ تعرَفُ بـ “كلدو”، وقومٌ يُسَّمى ” الكلدان” ودولةٌ ، أى حضارة و وحدة إجتماعية، عاصمتها ” بابل” !.

 

وإمبراطورية بابل الكلدانية مشهورة في التأريخ ، وقد ورثها وآستولى عليها الآثوريون و وَّسعوها وطَّـوروها. فالقوميةُ أمرٌ بشريٌ محض ، لها مباديءُ دينية كالعلمية ، لكنَّها تتـمَّيزُ كليا عن الكنيسة. وقد ينتمي الى نفس القومية مجموعاتٌ عديدة موحدة سياسيا وثقافيا وإداريا ، لكنها تتمَّيزُ بينها في إنتمائِها الديني. مثلا عبد بعضُ الكلدان الأله الشمس ، وعبد غيرهم الأله القمر!. ثم أصبحوا بعده مسيحيين أو مسلمين. كان إبراهيم مواطنا من اور الكلدانيين ـ حاليا الناصريةـ. ويسكن الناصرية اليومَ أقوامٌ تدعي العروبة، بل وأصبح اليومَ جنوبُ العراق الكلداني كلُه ” عربيًا “!.

 

¨       القـومية والكنيســة  !

رأينا مواصفاتُ القومية. أما الكنيسـة فتقولُ عنها القواميسُ أنها :” جمعية ٌ دينية أسسها يسوعُ المسيح. إنها جماعة يُكَّونها ويُنظـمُها أشخاصٌ يؤمنون بنفس العقـيدة “. فهي إذن مؤسسة روحية ترتبطُ بعقيدة إيمانية ، مؤسسة بفكرةٍ وإرادةٍ الهـية لا علاقة لها لا بالمكان ولا باللغة ولا بالقومية ولا حتى بالحضارة و الثقافة. إنها تحتضنُ كلَّ هـذه العناصرالبشرية وتستعملها لتحقيق هدفها الذي يفوقُ الزمن ليمتد إلى الأبد. أما في العقيدة المسيحية فالكنيسة هي “”جماعةُ المؤمنين بالمسيح (رم16: 5؛ 1كور1: 2؛ 2كور1:1؛ اف1:1)، يشكلون مع المسيح جسما واحدا يسوعُ الرأس والمؤمنون الأعضاء” (اف1: 22-23).

 

ونعلنُ في قانون الأيمان بأننا ” نؤمن بكنيسة واحدة ، جامعة، مقـدَّسة “. جامعة تعني أنها تجمع تحت خيمتها البشرية كلها ولا تُحَّددها لا اللغاتُ ولا الأمم ولا الأقـوام. مقَّـدَسة تعني أنها تُحاولُ نشر الحَّق والمحبة بين الناس. و واحدة تعني أنها لآ تنقسمُ بين الشعوب ومعها بل تبقى واحدة ، بوحدة رأسها المسيح و وحدة رسالتِها الخلاصية. إذا كانت القوميات تعتني بجماعات خاصة مُحَّددة، أما الكنيسة فتهتم بالعائلة البشرية الواحدة كلها. وتُرَّكزُعلى ضمان الحياة مدى الأبد مع الله وليس على حياة الزمن وحاجاتها المادية. إنها لا ترفضُ هذه ولا تُحاربُها. بل تترُكها لآهتمام الناس و القيم البشرية ، لتتخَّـصصَ هي بما لا يهتم به البشر و يتغافلون عنه ، ” القِـيَم الروحية الأبــدية “. هكذا عملُ الكنيسة لا يُعارضُ القومية بل يقومُ على جمعِ الأقوامِ و توحيدها في الحق والمحـبة. ” فالكلـدانُ قـومٌ بين بقية الأقوام ، وكنيسـة مع كل الأقوام “!.

 

¨       الكنيسة الكلـدانية  !!

أكَّـدَ الشماس بأن ” الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية ” ظهرت مع البطريرك يوحنان سولاقا سنة 1553م ، وأضاف بأن ” الفاتيكان ” نصبَ هذا البطريرك. يوجدُ هنا خلطٌ بين الأوراق وتشويهٌ في التأريخ. إنَّ الكنيسة الكلدانية لم تظهر في 1553م. إنها إمتـدادٌ لكنيسة المشرق التي يرتقي تأسيسُها الى القرن الأول الميلادي. أما ما حدثّ سنة 1551م هو رفضُ جزءٍ من هذه الكنيسة النظام الوراثي للبطريركية الذي تبَّـنتهُ كنيسةُ المشرق حوالي سنة 1450 م ، على عهد البطريرك شمعون الرابع باصيدي (1437-1497). إعترضَ بعضُ الأساقفة و بعض الأبرشيات الشاغرة على آرتقاء شمعون الثامن دنحا سدة البطريركية بالوراثة. طلبوا العودة الى نظام الأنتخاب الكنسي. لم يستجبْ حزبُ البطريرك. فآنتخبَ المعارضون رئيسَ دير ربن هرمز بطريركا. لم يرسموه لا أسقفا ولا بطريركا. أرسلوه الى روما حيث عرضَ على البابا إيمانه، فرسمه هذا أسقفا سنة 1553م، وأيَّـدَ إنتخابَ الأساقفة له فأعلنه بطريركا. فليس الفاتيكان الذي إختاره ونصَّبه بطريركا، بل أساقفة كنيستِه. أمّا الفاتيكان فآعترفَ فقط  بذلك وثبـَّـته ، تماما كما يفعلُه اليومَ عند إختيار أي بطريرك.

وما حدثَ أيضا أنَّ روما أحيَتْ اسم إبراهيم وقدَّستْ ذكراه فسَّمت يوحنان سولاقا “بطريرك بابل للكلدان” ، لا إنعاشًا لقوميتِه بل إعتزازًا بإيمانِه الذي قال عنه بولس الرسول : ” آمـنَ راجيا على غيرِ رجاء ، فأصبحَ أبًا لعدد كبير من الأمم ” (رم4: 18). وقد يكون أيضا للتمـييزبينه وبين السلسلة الكنسية القديمة التي ما تزالُ قائمة، رغم مخالفتها شريعة المسيح!. 

 

فيَصُّحُ إذن أن التسمية الكلدانية ظهرت رسميًا فقط  سنة 1553 م، مع بدء الفرع الكاثوليكي لكنيسة المشرق. أما الكنيسة الكلدانية فهي ايضا كنيسة المشرق منذ بدء المسيحية في العراق.

 

¨    أجدادُ الكلدان وبابل وبين النهرين  !

عرفتْ كلُ الشعوبِ تنقلات وآغترابًا ولاسيما قبول غرباءٍ هاجروا إليهم. وهكذا إندمجتْ الأمم ببعضِها على أرضها أو على أرضِ غيرِها. ومنها الأمَّـة الكلدانية. لقد جلبَ منها الآثوريون كثيرين إلى مناطقهم لتخفيف ضغطهم السياسي ، وجلبوا بالمقابل مواطنيهم الى بابل للآتكال عليهم في إدارةِ شؤون البلاد تحت زعامتهم ولمصلحتهم. كما سبى الكلدانُ ، كالآثوريين ، اليهودَ الى بلادهم وأسكنوهم في وسط وجنوب كلدو أو العراق الحالي. وحكم الفرسُ كلـدوعشراتِ القرون. وحتى اليونان وصلوا هنا وحكموا البلد. وآخر هذا الأمتزاج و الآختلاطات أتت على يد الغزو العربي للـبلاد. أكون لرَّبـي شاكرًا إذا إستطاعَ اليومَ أحـدٌ أن يُبرهن َ علميا بأنه يتسلسل من دم أو قوم ٍ كلداني صرف ونقـي. ربما يكون علينا كمسيحيين سهلاً أنْ نُبرهنَ على أننا لسنا من دمٍ غير آرامي ولكن أن نُبرهن أننا من دم الكلدان الأوائل فهذا ليس بسيطًا ولا سهلا. وهكذا أيضا بالنسبة الى كل الأقوام التي تعيشُ على أرض بابل وآثور. فأجدادُ الكلدان هم من عاشوا في هاتين المنطقتين، وتسلسلنا نحنُ عنهم.

 

أما أن نكون من سكان ما بين النهرين فأعـتقدُ أنَّ الأمرَ لا يحتاجُ إلى بُرهان أو توكيد. إننا ما زلنا نعيشُ بين دجلة والفرات. وأجدادُنا المسيحيون لم يقدموا من خارج بين النهرين ، بل إهتدوا الى المسيحية وصانوها ، ونقلوها الى بلدان أخرى بمبادئهم الدينية وطقوسِهم العبادية  وتواصلوا عليها الى اليوم. وبين النهرين مقاطعة واسعة وشاسعة من الأرض تمتَّـدُ من الفاو في القرنة وإلى أعالي منبع دجلة والفرات في تركيا الحالية حيث كانت تقوم مملكة الرُها المسيحية وملكها أبجـر، بشَّرها مار توما ، ومنها نزل الى العراق، ثم تابع رسالته إثنان من تلاميذ المسيح الأثنين وسبعين أدّي وماري. فبين النهرين بلادُنا وكلدو وآثور وطنُـنا. 

 

¨       الكلـدان يتكلمون الســومرية  !

عنـدما حكم السومريون جنوبَ العراق فرضوا حضارتهم ولغتهم ، كما كان يفعلُ دوما كلُ الغـزاة. ثم أنا لستُ أخصائيا باللغات وبأيةِ لغة كان السومريون يتحَّـدثون. إنما ليست لغتهم بعيدة كثيرا عن بقية اللهجات المَحكية محّليًا. وإذا كانت اللغة السومرية قد إنقرضت إلا إنَّ الشعبَ لم ينقرض ، بل تلـَّونَ بلون الحاكم الجديد بعد سقوط السومريين. وقد إنقرضت لغات كثيرة ، وستنقرض أخرى. أما الشعبُ فباق ٍ. هذه سُّـنة الحياة. لأنَّ القـويَّ دوما يأكلُ  الضعيف ويَمحو هويتَه. واللغة الكلدانية المستعملة حاليًا ليست سوى لهجةٍ مُعَّـينة من اللغة الآرامية الأصلية. إنها لهجة شمال ما بين النهرين تبَّنتها الأمبراطورية الآثورية

 

سنة721ق. م. لتُصبحَ لغة الثقافة والدواوين في الأمبراطورية كلها. وآستمرت المسيحية بآستعمالها الى يومنا هذا، وإن كانت حاليا تقتصرُ على الطقوس وتُحكى في العوائل بلهجتها المعروفة ” بالسورث “. وكلُ لغـةٍ حَّـية تتـطـَّور، أي تتـبنى مفرداتٍ من غيرها وتُعطي أيضا لغيرها. لأنها تتفاعلُ مع الحياة التي لا تعرفُ الركودَ أبـدًا بل تتجَّددُ بآستمرار وتُخرجُ الجديدَ كلَّ يوم من كنوزها المخفية. أما إذا ركـدتْ لغـةٌ فآقرأ عليها السلام عاجلاً أم آجلاً.  

 

¨       قـداسةُ القـومـية  !

كلُ ما يملكُه الأنسان ثروة ٌ وغنىً حتى اللغة وحتى القومية. لأنها رابطٌ بين الأنسان وبين ما يَشُّدُه الى الحياة : الأرض ، اللغة ، الثقافة. وقداسةُ هذه الخيرات لأنها خرجتْ من يد الله القدوسة ، ولأنها منحةٌ منه لكي نعيشَ حياةً رغيدة وسعيدة. قداستُها ليست من ذاتِها ولا لذاتِها. قداستُها لأنها تقودُنا على دروبِ خالقِنا وتُساعدُنا على أنْ نكون صورةً كاملة لمن هو الكمال بالذات والقداسة بالأعمال. تبقى إذن وسيلة ً وليس هـدفًا. فالمفروضُ أن تكون كلُّ القوميات قدوسة لا تفَّرقْ بين ناس وناس ، بل تجمعُهم وتُوَّحدُهم في اللـه الآب والأبن و معهما. هذا مطلوبٌ من كل قوم ولاسيما من الأقوامِ المسيحية. هكذا طلب يسوع المسيح لتلاميذه :” فليكونوا بأجمعِهم واحدًا. و كما أنتَ فيَّ أيُّها الآب ، وأنا فيك كذلك فليكونوا فـيـنــا واحدًا ” (يو17: 21). فـفي اللـه تتـوَّحدُ القوميات وتتـقَّدس.

 

أما إذا خرجت القوميات كلها ، أو واحدةٍ منها ، عن هذا المسار فتكونُ عندئذ خاطئة في مسارها وملتوية في مبادئِها. لقد لامَ يسوعُ أورشليم لأنها رفضت أنْ تلتئمَ تحت خيمـةِ الله . وسيلومُ من بآسمِه يُفَّـرقُ ويُفّضلُ قومية ً بمقاييس الساسة البشريين وليس بمقاييس المسيح مُخَّـلصِ العالم (متى23: 37-39).

 

¨    هل القـومية مفـتاحُ الملكــوت  ؟

إختارَ اللـه شعبًا كوَّنه من إبراهيم وعلى شرفِه ليأتي منه المخَّلصُ الموعود المسيح ابنُ الله الحي. لكن الشعبَ سُرعان ما نسيَ ما للـه وتبَّـنى أفكار البشر وتصَّرفَ خلافا لدعـوتِه. لأنَّ الله دعاه ليكون ” نورا للأمم وخلاصًا الى أقاصي الأرض” (اش49: 6). لكن الشعبَ برهنَ على ” قساوةِ قلبه وغلاظةِ رقـبتِه ” فخانَ الرسالة وقادته ” قومـيتُه ” الى خسارةِ نعمـةِ الله ، فقال عنهم يسوع ” يُـؤخذُ منهم الكرمُ.. ملكوتُ الله سيُنزعُ عنكم ، ليُسَّلمَ إلى أُمَّـةٍ تجعلهُ يُخرجُ ثمرًا “(متى21: 43). فالقـومية أمـانةٌ وليست إمتيازا ، وهي تفـتحُ بابَ الملكوت لمن يستثمرُها بشكل صحيح. أوقد تنقلبُ عاصفـةً تَقـتلعُ من جذورِها القومية التي تسلك درب الأنانية وتنسى الحَّـق ولا تُمارسُ المحـبة. لم يُسَّلم المسيحُ مفتاحَ ملكوتِه إلى اليهودِ القوميين والعنصريين. بل إختارَ مَن عجنّـته نعمةُ الرب فالتوى معها ناسيا ذاتَه وحقوقَه ليتبنى حقوقَ الله والناس. ليس مهما ان يكون عمال الملكوت كلدانا أو آثورا أو سريانا او أرمنا أو عربا أو أكرادًا. وقد يكونون مشكلين من كل هؤلاء. لكنه مهّمٌ ان يكونوا ” يُحبون اللـه والقريب من كل قلوبهم، وأن يُحبوا حتى أعداءَهم، وأن ينكروا أنفسَهم، وأن يحملوا صلبان التضحيةِ والبـذل، ولاسيما أن يتبعوا المسيح وليس تعليم العالم “.  وهكذا ليس مفتاحُ الملكوت في القِـيم البشرية النابعة من القومية بل هو بيـد من يُفَّـعلُ إيمانَه بموجب القِـيم الألهية.

 

¨    الزيتـونة المُطّـعمة  !

الأنسانيةُ كلها ” قـومية واحـدة ” هي ” القـومية البشرية “، لا ملائكية روحية ولا حيوانية بهيمية. إنها قومية آدم ، صورة اللـه ، وأولادهِ من أبٍ واحد ، و لغة واحدة ، و من وطن واحد وذي حضارة واحدة أن يسود الطبيعة ويستثمرها ويقودها الى كمالها. هذه القومية زاغت عن الطريق المستقيم ، فجاءَ حفـيدٌ لها ، “الأله المتجسد ” فصحَّح وضعَ قوميتِه ثمَّ رفعَها الى مستوى أعلى لتُصبحَ ” قـوميةً الهـية “. وقد عَّبرَ عن هذا بولس الرسول بمثل الزيتونة المُطَّعمة. شَّبهَ اليهودَ بزيتونةٍ بُستانية لم تُثمرفقُضّبتْ أغصانُها وطُّعمَ على جذعها الوثنيون وهم زيتونةٌ برية ، أى لا تثمرُ أصلا، لتُصبحَ شريكا للزيتونة في خصبِ جذعِها. زيتونة آدم ، قوميتها البشرية، بطَّلت أن تُثمر فطُّعمتْ على جذعها الأنساني قومية المسيح الألهية لتعودُ القوميةُ الأصلية فتعمل بقـوةٍ جديدة مطَّعَـمةً بالقيم الألهية. ويستمرُ مار بولس فيقول: ” إذا قُضّبَتْ الأولى لكفرها ، وأنتَ باقٍ لأيمانِكَ ، فلا تستكبرْ بلْ خَـفْ. إن كان الله لم يُبقِ على الفروع الطبيعية فلن يُبقِ عليكَ أيضا “(رم111: 20-21). قوميتُنا الكلدانية إذن طُّعِمَتْ بالهـوية المسيحية ، وأي فصلٍ بينهما والعودة الى القومية الأولى وحدَها وإهمال الهـوية المسيحية يُؤذي الوحدة الأنسانية فينا ويُؤَّدي الى خلل في الموازين ، وبالنتيجة إلى الأساءَة الى الأنسانيةِ جمعــاء.

 

 

<>:+:<>

الشماس العزيز. طلبتَ مني رأيي وإيضاح بعضَ ما التبسَ عليك وعلى غيرِك أيضا. ارجو أن أكون قد أرويتُ عطشَك. تبقى هذه الأيضاحات، كما نوَّهتُ أعلاه، رايي الشخصي وليست تعليما رسميا للكنيسة. وبالمناسبة كان غبطة البطريرك قد نـوَّه ودعا الى عـدم الخلط بين ما هو من الأيمان العقائدي المُعلن والمطلوب التقّـيُد به ، وبين الأجتهادات الخاصة ، و لاسيما بين القومية بأبعادِها السياسية والأقتصادية. إذا إلتقتْ القومية والأيمان وتعاونا لا بُـدَّ و تُحققان خيرا للبشرية. أما إذا إختلفتا أو، لا سمح الله ، تناقضتا وتصارعتا فلا خير فيها ، ومن الأفضلِ تجَّنبُ ذلك. وملكوتُ اللـه الأبـدي يسـتحّقُ أن نُضَّـحيَ من أجلـهِ ،أحـيانا ، ما ينبعُ من منطقنا البشري المحض ونقـبل بفـرح بحـكمةِ اللـه وقدرتِه ، وبـ ” فكر المسيح ” (1كور2: 8 ، و16).

 

القس بول ربان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO