أصلي

أصلي

 

الأب سعد سيروب

 

أرض صحراء،
تغطيها الرمال والموت،
بعض الاشواك هنا وهناك،
أراد الناس أن يحولوا الصحراء الى واحة خضراء.
بدأوا العمل. فتحوا الطرق وشقوا القنوات وشيدوا الجسور…
لا شيء تغير: بقت الصحراء هي هي.
ينقصنا العامل الاساسي: الماء.
أدرك الانسان هذا، بدأ بالعمل من جديد
ولكن هذه المرة، لم يعمل على السطح،
أخذ يحفر في الاعماق.
يبحث عن الماء.
حفر بئراً!
فخصب الواحة لا يعتمد على القنوات المصنوعة،
وعلى الشوارع المفتوحة، وعلى البيوت المشيدة، بل على ذلك البئر.
فاذا تدفقت المياه من أعماق الأرض،
كلّ شيء سيحيا، فبدونه لا حياة.

أصلي لأني أحبّ …
كلّ إنسان يصلي. فأما أنه يصلي الى الله، أو أن يصلي الى خليقة ما. الانسان خليقة محتاج. القديس أوغسطينوس يقول بأن “الانسان هو كائن متسول ومحتاج (أمام) الربّ”. ولكن ليست الصلاة مجرد حاجة مادية: إنها حاجة للخروج من عزلتي؛ حاجة الى الشركة؛ حاجة الى فهم أن كلّ ما نصنعه له معنى أكبر منه. أنها الحاجة لتبرير وجودي، لماذا ولدت ولماذا أموت؟ أنها الحاجة الى الصمت؛ الحاجة الى الحب؛ الحاجة الى السعادة؛ الحاجة الى الشعور بآمان؛ الحاجة الى الغفران؛ الحاجة الى الخلاص: الخلاص من الحرب، الخلاص من الموت، الخلاص من الجهل والخلاص من اليأس…
كل شيء يأتي من الله ويتجه إليه، ولهذا فأنا أتكلم مع الله أكثر من كلامي مع الناس. فهو يسمعني ويفهمني. هو الذي يستوعبني، لست أنا من أستوعبه. أنه الخير بذاته، والحب بذاته. ما يفعل الله للانسان يفعله بدافع الحب، والحب وحده. ليس له مصلحة أخرى معي، فالصديق أحياناً ينتفع مني ومن صداقتي. أما الله فلا، ولهذا هو الله. فأذا خَلصت، فأنا المستفيد الوحيد. فالدين ليس لله، بل للانسان. الرابح والخاسر هو الانسان. ولهذا إذا ما صليت له، أنا متأكد بأن الفائدة تعود عليّ…
ولكن، أنا لا أريد أن أصلي حتى من أجل هذا كلّه: أريد أن أصلي لأني أحب؛ أريد أنا أصلي مجاناً، لأن الصلاة هي فرح بذاتها. ولهذا أعتقد بأن الصلاة فنٌ صعبٌ، لا بل انها أصعب الفنون كافة.

(يتبع….)

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO