مصـيرُ الأنسان بعـدَ المـوت

مصـيرُ الأنسان بعـدَ المـوت  !

~~~~~~~~~~~~~~~  

 

أهلا وسهلا بالأخ السائل. طرَحتَ سؤالاً يبدو أنَّ الكثيرين يطرحونه على أنفسهم ويبحثون عن الجواب في ما ورثوه من الأجيال الماضية ، أو في ما تبُّثـهُ جهـاتٌ مُعَّـينة مخفية تزرعُ الفوضى في أفكار الناس لتُبعِدَهم عن الأيمان المستقيم الذي تنادي به الكنيسة إستنادًا إلى الوحي الألهي الذي نقله الينا الكتابُ المقدس. وكان السؤال :

. أين يذهبُ الأنسان عند الموت :

1- هل يُحاسَبُ حـالاً  ؟

2- أم ينتظرُ الى نهايةِ العالم ؟

 

¨       المــوت والقـيامة !

قبلَ أن يُقيمَ يسوعُ لعازر سألَ مرتا هل تؤمن بقيامة الموتى؟. والقيامة بمفهومِ الكتاب المقدس تعني بقاء الأنسان حّيًـا للأبد ، ومُتنعّمـا بحياةٍ مجيدة وسعيدة. وقال يسوع لمرتا :” أنا القيامة. ومن أمن بي يحيا وإن مات. ومن يحيا مؤمنا بي لن يموتَ أبدا ” (يو11: 25-26). والموت يعني الهلاك ، أى العذاب والشقاء. يرِدُ الموت والقيامة بمفهوم ” الأنسان ” ذي الروح الخالدة وليس فناء الجسد. الجسد يموت ” وإن مات َ”. أما الروح ، الأنسان الذي هو نسمة من روح الله (تك2: 7) فيبقى للأبد ” لن يموت “، وإما يتنعم فيحيا ، أو يتعَّذب فيموت لأنه خسر نعمة الله له والدعوة الى السعادةِ والمجد معه.

 

¨       عـند المــوت  !

الموتُ الجسدي هو إنفصالُ الروح المُحيية له عنـهُ. يقولُ الكتاب :” وجبلَ الربُ الأله آدمَ تُـرابًا من الأرض “، هذا هو الجزءُ الأرضي الذي يزول. ثم :” ونفخَ في أنفِـهِ نسمةَ حياةٍ.. فصارَ نفسًا حَّـية ” (تك2: 7). بالموت تنفصلُ الروح عن الجسد. الجسد يفسد ويزول، أما الروح فترجع الى خالقها. لما مات يسوع قال :” بين يديكَ يا رب أسَّلمُ روحي”(لو23: 46) . كل عُنصرٍ من الأنسان يعودُ الى أصلِه.

 

¨    المُحـاســبة  !

هذا عن الموت. أما عن المحاسبة متى تُجرَى: هل حالا بعدَ الموت أم في نهاية العالم؟. نعلمُ أنَّ الموتى الأبرار قبل المسيح إنتظروا الى أن تمَّ الخلاص بيسوع فقاموا مع المسيح وعادوا الى ” الفردوس ” (متى 27: 52) أى الحياة المريحة مع الله. وهنا نتساءَل : إنْ هذا لا مفَّرَ منه لأنَّ مدخل الفردوس قد أغلقَ في وجه الأنسان بسبب الخطيئة (تك3: 23)،و لكن يسوع قد دفع ثمن الخطيئة بموتِه على الصليب وفتحَ من جديد بابَ الحياة أمام الأبرار ، فهل يوجدُ مُبَّررٌ بعدُ لينتظرَ الموتى الى نهايةِ العالم؟.

 

إذا كان أبرارُ العهدِ القديم نالوا الحياة ولم ينتظروا الى نهايةِ العالم ، ما معناهُ أنهم حوسبوا على حياتِهم، لماذا ينتظرُ أبرارُالعهدِ الجديد؟. لماذا لا يُحاسبون حالاً؟. بل يُحاسبون وينالون جزاءَهم حالا. لقـد قالَ يسوع للص اليمين : ” الحَّقَ أقولُ لك : اليومَ ستكون معي في الفردوس” (لو23: 43).  حاسبه الربُ حالا بعدَ توبتِه وإيمانِه وطلبهِ أن يرحَمَه ، فخلُصَ!. ومن جهةٍ أخرى أكَّدَ يسوع على شقاءِ ابن الهلاك الذي رفضَه (يو17: 12). حاسبَه هو أيضا حالا بعدَ وفاتِه. وتأكيدا على هذا قال الرسول : ” أما و نحن نؤمنُ بأن المسيحَ ماتَ ثم قام ، فكذلك نؤمنُ بأنَّ الذين ماتوا في المسيح ينقُلهم اللهُ إليه معه ” (1 تس4: 14). وجاءَ في سفر الرؤيا :” قال لي أحد الشيوخ : من هم الذين يلبسون الحُللَ البيض ومن أين أتوا؟. فقلتُ له : أنت أعلمُ يا سَّيدي. فقال لي : هؤلاء هم الذين أتوا من المحنةِ الشديدة. غسلوا حًللَهم وبَّيضوها بدم الحمل. لذلك هم إزاءَ عرشِ الله يخدمونه في هيكله بيلا ونهارا” (رؤ7: 13-15). هؤلاء هم الموتى القديسين الذين يرفعُ الملاكُ صلواتِهم ويُقَّـربُها لله مع عطورٍ كثيرة “(رؤ8: 3-4).  و نحنُ نبني إيماننا على المسيح وعلى تعليمه الذي تنقله لنا الكنيسة

وليس على أفكار العهد القديم أو فئاتٍ لا نعرفُ من هم وما هي صفتُهم، الذين يُحَّرفون الكتبَ المقدسة كما قال عنهم بطرس الرسول :” يُحَّرفُها الذين لا علمَ عندهم ولا ثبات ، كما يفعلون في سائر الكُتُب ، وإنما يفعلون ذلك لهلاكِهم ” (2بط3: 16)!.

 

وننهي الفقرة بالإستشهاد بتعليم الكنسة التي تقول :” كلُ انسان ينالُ في نفسِه الخالدة جزاءَه الأبدي، منذ موتِه، في دينونةٍ خاصّة تُحالُ فيها حياتُه الى المسيح : إمَّـا عبرَ تطهير، وإما للدخولِ مباشرة في سعادةِ السماء ، وإما للهلاك الفوري والدائم. وفي مساءِ حياتِنا ، سوفَ

نُدانُ على المحّبـة ” (كتاب : التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية. رقم 1022). 

 

¨    في نهــايةِ العالم  !

اذا كان الموتى يُحاسبون في ساعةِ موتهم ماذا بقي لنهايةِ العالم؟ أو ماذا يعني اليوم الأخير ؟  بعدَ الموت دار الكلام عن المحاسبة الخاصّة. أما في اليوم الأخير فتجري الدينونةُ العامة للبشرية جمعاء معًا ، كما نقول في نؤمنُ : ” وأيضا سيأتي بمجدِه العظيم ليدين الأحياءَ و الأموات ..”. يتكلمُ مار بولس عن مجيء المسيح الثاني في نهايةِ العالم ويقول : ” نقولُ لكم ماقالهُ الرب يسوع (لو 18:  8)، وهو أننا نحنُ الأحياء الباقين الى مجيءِ الرب ، لن نتقدَّم الأموات،لأنَّ الرَّبَ نفسَه،عند..سينزلُ من السماء فيقومُ أولا الذين ماتوا في المسيح، ثم نُرفَعُ معهم في الغمام نحن الأحياء الباقون لملاقاةِ المسيح في الجو”(1تس4: 15: 17).

 

وسبق يسوع فأخبر عن الدينونة العامة فقال :” واذا جاءَ ابنُ الأنسان في مجدِه ..يجلسُ على عرشِ مجدِه وتُحشَرُ لديه جميعُ الأمم، فيفصلُ بعضَهم عن بعضٍ ..يقيمهم عن يمينه وشماله . يقول للذين عن يمينه : تعالوا يا مباركي أبي ، رثوا الملكوت… ويقول للذين عن شمالِه : إليكم عني، أيها الملاعين،الى النار…المعدة لأبليس وملائكتِه..”(متى 25: 31- 49).

 

وجاءَ في سـفر االرؤيا عن الدينـونة العامة : ” رأيتُ عرشا أبيضَ عظـيما. فهربَت السماءُ و الأرض من أمام وجهِه ، ولم يبقَ لهما أثر. ورأيتُ الأمواتَ كبارا وصغارا قائمين قبالةَ العرش. و فُتِحَتْ الكُتب ( تخص أعمالَ الهالكين )، ثم فتحَ كتابٌ آخر، سفرُ الحياة ( يحوي اسماء المختارين). وعوقِبَ الأمواتُ مثلما في الكتب ، كلُ واحدٍ بأعمالهِ (رؤ20: 11-15). و أما عن المخَّلصين فقال : ” هوذا بيتُ اللهِ والناس. يسكنُ معهم ويكونون له شعبًا. اللهُ معهم و يكون لهم إلاهًا ، يُكفكفُ كلَ دمعةٍ تسيلُ من عيونِهم. لم يبـقَ للموتِ وجـودٌ ، ولا للبكاءِ ولا للصراخِ ولا للألم ، لأن العالم القديم قد زال. وقالَ الذي إستوى على العرش : ها أنذا اجعَلُ كلَّ شـيءٍ جديدًا “(رؤ21: 3-5).

 

ونخـتُم بتعليم الكنيسة ، فهي تقول شارحة ما جاءَ في الكتب :” في يوم الدينونة ، عند إنتهاءِ العالم، سيأتي المسيحُ في المجد ليُحَّققَ الأنتصارَ النهائي للخير على الشر اللذين ، مثل حَّـبةِ القمحِ والزؤان ، ينموان معًا على مَّـر التاريخ “. و ” عندما يأتي المسيحُ المُـمَّجَدُ في آخرِ الأزمانِ ليُقاضيَ الأحياءَ والأموات سيكشفُ عن إستعدادات القلوبِ السّـرية ، ويُنيلُ كلَّ إنسان ما إسـتحَّقـتْهُ أعمالُه ، وقبوله أو رفضُـه للنعـمــة ” (كتاب : التعليم المسيحي للكنيسـة الكاثوليكـية. أرقام 681  و 682 ).

فـ ” الدينونة الأخيرة هي إنتصارُ اللـهِ على ثـورةِ الشَّـر” (رقم 677).

 

 

القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO