الأحــد الثـالث للكـنيسـة

الأحــد الثـالث للكـنيسـة

نؤمنُ بكنيســة رســولية

يُتـلى علينا اليومَ إنجيلُ -::< يو2: 12 – 22 >::- ويَروي لنا خبر طردِ يسوعَ الباعة َوالصيارفة من الهيكل الذي تَحَّولَ الى محل تجاري بكل أبعاده وأساليبِه الفاسدة عكس هدفِه الأصلي الذي هو مكان العبادة حيث يلتقي الأنسان بالله خالقِه. يعترضُ سَـدنة الهيكل على تصرف يسوع الأنفرادي، من دون لا إستئذان السلطة الدينية العليا ولا حتى إستشارة القائمين على إدارة شؤون الهيكل. بتصَّرفه هذا يتعَّدى يسوع حدودَه الخاصة ، ويتحَّـدى سلطة غيرِه. هل هو المسيح المنتظر؟ إذن ليُجرِأمامهم ” آية ً ” حتى يُصَّدقوهُ ويوافقوهُ التصّرف.  يعرُضُ عليهم يسوع أنْ يهدموا الهيكل وهو مستعّـدٌ أن يُقـيمَ صَرحَه من جديد بـ ” ثلاثة أيام “. بين دهشتهم وآستهجانِهم قولَـه ، قال الأنجيلي : ” كان يسوع يعني هيكلَ جسَدِه “!. ولا أحدَ إفتهم في حينه كلام يسوع ، حتى ولا التلاميذ، إلا بعد موت وقيامة يسوع!ا

إهـدموا هذا الهيـكل

كثُرَتْ الهياكل التي بناها الناسُ عبر التأريخ وأقاموها ” مساكِن” حوتْ تماثيل ترمزُ الى القوى الألهية التي تسيطرُ ، حسبَ ظنهم، على الكون والحياة ، فكانوا يقدمون لها مظاهر العبادة لأرضائِها ونيل حمايتِها وتجّنبِ غضبها وإساءَتِها. ولما تكّوَنَ شعبُ الله على يد موسى لم يكن سهلا، إنْ لم يكن مستحيلا، إدخالُ فكرةِ إلاهٍ ” روحي ” يُخيمُ على الكون كله. فلمْ يغبْ موسى أيامًا حتى طلبَ الشعبُ من هارون أن ” إصنع لنا آلهة ً تسيرُ أمامنا “(خر32: 1). أقام موسى خيمة يؤُّمُها ليلتقي بالله ” يستشيرُه ، يرفعُ اليه صلاته وحاجاتِ الشعب ، ويتلقى تعاليمه وتوجيهاتِه (خر 33: 7-11). ولما أقيمت الخيمة ودُّشنتْ  غطَّاها ” السحابُ وملأَ مجدُ الربِ المسكنَ”(خر40: 34). كانت الخيمة رمز حضور الله مع الشعب لحمايته وقيادتِه (خر33: 14). فكرَّ داود الملك ان يبني بيتا لله يُضاهي ويفوقُ قصرَه الملوكي ، مسكنا يليقُ بقداسةِ الله ومجدِه. وآبنه سليمان هو الذي بنى أولَ هيكلٍ للرب، وقال له الرب: إذا عملت بأحكامي وفرائضي… أقيمُ في هذا الهيكل. ..اكون مع شعبي..” (1مل6: 12-13). ويوم تدشينه صَّلى سليمان وقال: “..يا رب هل تسكنُ حَّـقاعلى الأرض؟  سماواتُ السماوات لا تسعُ لك ، فكيفَ هذا الهيكل…لتكن عيناك مفتوحتين على هذا الهيكل ، الموضع الذي قلتَ يكونُ إسمُك فيه لتسمع َ صلاتي..”(1مل8: 27-29). وصارَ الهيكل مكان تجمع الشعب للعبادة ، بالأصغاءِ الى كلمة الله ورفع الأدعيةِ اليه ولاسيما تقديم الذبائح التكفيرية

هــيكل جســده

بجانبِ ما سجَّلناه عن الهيكل وهدفِه نقرأ أيضا ما جاء في الرسالة الى العبرانيين : ” أوحيَ إلى موسى حين هَّمَ بأن ينصبَ القُّـبة قيل له : أنظر وآعملْ كلَّ شيءٍ على الطراز الذي أريكَ إيَّـاهُ على الجبل” أى إنَّ الهيكلَ والعبادةَ في اليهودية هي ” صورةٌ وظِـلٌّ للحقائق السماوية “(عب25 : 40؛ عب 8: 5). الحقيقة هي السماء وهي الله الذي لا يسعهُ مكان ولا تحُّــدُهُ حـدود. كانت الخيمة رمزًا فقط لحضور الله الذي أداه أولا بشبه نار تشتعلُ في عليقةٍ دون أن تُحرِقها (خر3: 2-6) ، ثم بشبه سحابٍ ونـارٍ مضيئة (خر40: 38). الخيمة ومستلزماتها ، فالهيكلُ وريازتُه و عظمته، كانا فقط للبشر حتى يُقدروا حضور الله ويفقهوا مجدّه الذي لا يدانيه مجد ولا يتحَّكمُ فيه إنسان. مهما بلغ جهدُ الأنسان من عظمة وبلغتْ عبادتُه من ســمُّو تبقى قاصرةً إزاءَ ما يستحّقُهُ الربُ من تمجيد وتبجيل. وأفضلُ تكريم ٍ وتبجيل ٍ هو ” إنْ عملتَ بأحكامي وفرائضي” قال الربُ لسليمان. أى أن يسكن اللهُ فكرَ الأنسان وقلبَه : أن تكون لله في حياتِه مكانة مرموقة ، بل أفضل مكانة ، أن يكون اللهُ النورَ الذي يقودُه والسحابَ الذي يحميه

الهيكلُ يُبنى بحجارةٍ وحديدٍ وخشبٍ وغيرها من مواد جامدة لا حياة لها. واللهُ يريدُ مسكنا حَّـيا

الأنسانُ وحدَه حيٌّ بنسمةٍ من الله. إنه صورتُه. وهو أفضلُ سكن خلقَه الله لنفسِه ليراه الناسُ ، الواحدُ في الآخر، ويلتقي به ويتحَّدثُ معه. وكانت الذبائحُ المقَّربة لله والمحرقات تؤخذ من البهائم لكنَّ اللهَ لم يرضَ بها (مز39: 7-9)، إنما فضِّلَ الطاعة لمشيئتِه تعالى وذبْحَ الأرادة الخاصة ، لأنَّ الطاعة أفضلُ من الذبيحة (2صم 15: 22). فعرَضَ الأبنُ نفسَه ذبيحة َ طاعةٍ : ” هاءَنذا آتٍ لأعملَ بمشيئتَك” (عب10: 7). ويتابعُ الرسولُ كلامَه :” فجاءَنا التقديسُ من فضلِ تلكَ الأرادة ، بالقربان الذي قَّـربَ فيه يسوعُ جسَـدَهُ ..” (عب10: 10). هكذا إخــتارَ اللـه لنفسِه ” هيكلا حسبَ رغبتِه ” ، هيكلاً من جسد الناسوت. نعم أصبحَ الأنسان نفسُه مسكنًا لحضورالله فيه ، لأنَّ الجسدَ يُشيرُ مباشرةً الى الناسوت. أ ما قال يسوع عن الزوجين انهما ” جسدٌ واحد”؟. مع أنهما يبقيان ماديا جسدين منفصلين. لكنهما يُكَّونان ” إنسانًا واحدًا ” بواسطةِ وحدة الأرواح والأجساد. والمسيحُ إلاهٌ كاملٌ وإنسانٌ كامل. لقد حَّلَ الله في البشرية:”والكلمة صار بشرا فسكن بيننا ورأينا مجدَه ” (يو1: 14). ولهذا قال يسوع ، وهو يشيرُ الى موتِه في الجسد وقيامتِه ، ” إهدموا هذا الهيكل” !. وعنى بهِ جسده. أى عنى ناسوتَه ، بشريتَه المتحدة باللاهوت. بشريته التي يُحييها الله نفسُه. فالبشرية ُ كلها تحَّولتْ من صورةِ الله الى هيكـلِه

نحن أيضا هـيكل اللـه

كم كنيسة ً بنينا وتفَّـنـنا في هندستها ومنظرها ومحتواها ، لكن ما نوَّهنا اليه قلَّ من ينتـبهُ اليه. الأنسان هيكلُ الله.  يؤّكِـدُ مار بولسُ هذه الحقيقة :” أ ما تعلمون أنكم هيكلُ الله، وأنَّ روحَ الله حالٌ فيكم ” (1كور3: 16). لقـد حَّلَ الروح القدس على البشرية يومَ العنصرة (أع2: 6)، كما حلَّ على كل مُعَّمَدٍ عند نيله سرالتثبيت (أع8: 14-17). وكما يسوع هو” صورة الآب وشعاعُ مجده”(عب 1: 3) هكذا باتحادنا بيسوع في العماد أصبحنا ” نعكسُ مجدَ الرب ، بوجوه مشرقة كأنها مِرآة ، فنتحَّولُ الى تلك الصورة، وهي تزدادُ مجدًا على مجد..” (2كور3: 18). أصبحنا مثل يسوع هياكلَ لحضور الله حضورًا حيويا وفعَّـالا من الطرفين : الله والأنسان. بَّـيَنَ يسوع بواقع حياتِه أنَّ اللهَ لا فقط أمينٌ لوعودِه بل ويُفَّعلُ أيضا حضورَه في الأنسان. يبقى هل الأنسان يتماشى مع هذا الحضورويتفاعلُ مع متطلباتِه فيتبع إرشاداتِه، أم يُجَّمـدُه ويجعلُه بلا ثـمر؟

صَّرحَ يسوع لليهود بوضوح وبقُّـوة أنَّ معاداتَهم له لا تنفع. لأنهم حتى لو قتلوا جسدَه ، وقضوا على ناسوتِه لكنه ، لكونه هو الله، ينتصرُ عليهم لأنه ينالُ المجدَ والسلطان حتى على حياة العالم وسيدينهم (يو5: 26-28).ا

أما السؤالُ فيُطرَح علينا، نحن المسيحيين المؤمنين أولاد الله ، هل نشعرُ أولا بحضور المسيح فينا ؟ هل نحترمُ حضورَه ونُمَّجدُ اسمه فيرتاحُ إلينا ويفتخرُ بنا ؟. وهل نقـدرأن نُجابهَ الشرَّ مثلَ يسوع ونصمدُ في الحَّق؟. هل نثـقُ بأننا حتى إذا فقـدنا جسَدنا إلا أننا نحافظُ على حياتِنا ومجـدِنا لأنَّ الربَ وعـدَنا بذلك ؟.  إنَّ إيماننا أو عقيدتُنا المسيحية تضمنُ لنا ذلك. ولكن ماذا عن إيماننا الشخصي الفعـلي؟ هل حياتُنا ، سيرتنا وأفعالنا وأقوالنا ، تشهَـدُ فعلا لكذا إيمان ، عن تصميم ٍ و عن قناعة ؟. إنَّ كنيستنا الواحدة والمقَّـدَسة هي أيضا رسولية. وكما نحنُ مدعوون أن نكون جماعة واحدة قـدّيسـة علينا أيضا أن ننشرَ هذه القداسة في بيئتنا. ولا يحقُ لنا أن نشَّوهَ قداسة الله بين الناس (عد 20: 12). علينا أن نتفاعلَ مع كل إخوتِنا لنشـهدَ للمسيح في العالم وأنْ نُشعرَ العالم بأنَّ الله  ، القدوس والمجيد، حاضرٌ فيه ليُعـينَه فيجعلَ حياتَه سعيدة ومريحة ؟. إننا نمـيلُ بسـهولةٍ الى تزيين هياكلنا/ كنائسنا الحجرية ، فكم نهـتمُّ بأن نزَّينَ هيكلَنا الشخصي ونجعلَه خيمـةً نتَـحَّدثُ فيها الى اللـه مثل موسى” وجهًا إلى وجهٍ كما يُكَّلمُ الأنسانُ صاحبَه ” (خر33: 11) . ولا يهُّمُ إن كنا نراهُ الآن ، كما قال الرسول، ” كما في مِـرآةٍ رؤية ً مُلتبسة ، لأننا يومَـذاك ـ في الحياةِ الأبدية ـ ستكون رؤيتُنا للـه وجهًـا إلى وجـه. اليـومَ أعرفُ معرفة ً ناقصة. وأما يومَـذاك فسأعرِفُ كما أنا معروفٌ ” (1كور 13: 12).ا

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO