ظهـورات مريم العـذراء : خـدعةٌ أم واقع ؟

ظهـورات مريم العـذراء : خـدعةٌ أم  واقع ؟  !

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

 

أهلا وسهلا بالأخ السائل.  سمع الأخ السائل بظهوراتٍ لمريم العذراء في كل قطرٍ أو مصر، ورأى فيديو حيث تظهرُ العذراء ، وآحتارَ كثيرا إذ بدا لهُ الأمرُ وكأنه أصبح عرضًا للعضلات. وأمام تأييد البعض لذلك ورفض غيرهم رفعَ أسئلتَه صارخًا :

1-      هلْ مُمـكن للعـذراءِ أن تظهَـر ؟  ولمــاذا  ؟

2-      هل في الأنجيل مكتوبٌ شــيءٌ عن هــذا ؟ 

 

¨       الأنجـيلُ والظهـورات  !

سألتني أيها الأخ العزيز وكان بإمكانِك أن تتفادى هذا السؤال بقـراءَتِك شخصيا للأنجيل. و الآن أيضا أدعوكَ إلى مطالعةِ الكتابِ المقدس ولاسيما العهدِ الجديد ، أى الأناجيل والرسائل وبقية الأسفار. لا أنوي أن أتمَّلصَ من الإجابةِ عليك وخدمتِك. إنما لتغتني بمعرفة محتوى الكتاب ولعَّلكَ تنفعُ أنت غيرَك بأن تُعَّرفه بالكتاب أو بالجواب على أسئلة المحتارين.

لقد ذكرَ الأنجيل وأعمالُ الرسل معجزاتِ يسوع أو رؤى الرسل وظهورات المسيح لهم وإجراءِ المعجزات أيضا على يدِهم. أما عن مريم العذراء فعَّلمنا الأنجيل بأنه قد إختارَها الله لُتُعينَ المسيحَ في أداءِ رسالتِه. وقد إهتمت لا فقط بتربيتِه بل وأيضا بعملِه الخلاصي. وقد أجرى المسيحُ أولى معجزاتِه بناءًا على طلبها. ومن فوق الصليب كَّلفَها بأن تتابع إهتمامها وتصُّبُه على تلاميذه بل ” إخوتِه المؤمنين أجمعين”. فإذا ظهرَ المسيحُ للبعض فلا مانع من أن تظهرَ مريمُ العذراء أيضا لتعين إبنها في قـيادةِ العالم ومساعدة الناس على الأيمان به وسماع كلامِه ” إفعلوا كلَّ ما يقولُه لكم ” (يو2: 5).  ولكن من هو الذي يقدر أن يضمن لنا إن كانت ما تُدعى بظهوراتِها حقيقة أم خدعة ؟.

 

إنها الكنيسة وحدَها وليست لا الفديوهات ولا الأفلام. لاسيما وتقنية اليوم تُنجزُ ما كنا نعتبرُه سابقا بدون شك معجزةً. والمسيحُ قد حَّذرنا من عدُّو الله ومن أنبيائِه الكذبة الذين” يأتون بآياتٍ عظيمةٍ وأعاجيبَ لو إستطاعت لأضَّلت المختارين أنفسَهم ” (متى24: 24). ولكي يحميَ المسيحُ المؤمنين به من هذا الخطركلَّفَ الكنيسة بأن ” تتلمذ الأمم و تُعَّمدُ المؤمنين و تُعَّلمُهم أن يحفظوا ” تعليمه (متى28: 20). وأكّدَّ يسوع أن من لا يسمع للكنيسة ليس مؤمنا به فيرفضُه (لو10: 16؛ يو13: 20). وبالمقابل وعدَ الكنيسة بأنْ يَعصُمَها من أي خطأ ايماني ، فتقدرَ أن ” تحُلَّ أو تربط ” ما تراه حَّـقًا الهـيا (متى 16: 19).

 

هكذا إذا صادقت الكنيسةُ الأخباروأعلنت أنَّ مريم ظهرت هنا أو هناك عندئذ لا يوجدُ شكٌ في الأمر. وإلى أن تتخذ الكنيسة هكذا إجراء يبقى المؤمنون غير ملزمين بالأيمان بالأمر. والكنيسة لا تسرعُ في إبداءِ موقفٍ رسمي شبيه. تنتظرُ عقودًا إلى ان تثَّبتَ السماءُ الأمرَ لاسيما بالمعجزات وبعد التأكُّد من أنِّ كلَّ الأخبار سليمة ٌ وليست خديعة من ابليس ولا لعبة بشرية لأهداف سياسية او تجارية.

 

¨       ظهــورات مريم   !

لقد ظهرت مريم العذراء ، عبر التأريخ ، في بلدان كثيرة من الشرق والغرب. وأقربها وأشهرها هي : |+ لـورد سنة 1858 (فرنسا )، و|+ فاتيما سنة 1917 (برتغال) ، و       |+ بانـو سنة 1933 (بلجيكا)، و|+ ميديوكوريى منذ سنة 1981 وما تزال بعد..(بوسنيا). وفي كل هذه الظهورات أعطت مريم رسالة الى العالم ، هي تمديد لرسالة المسيح، فدعتْ إلى التوبة والصلاة وتجّنب الضلال والفساد. قاومها في البداية حتى أهل الرؤاة ، والدولة و لاسيما رعاة الكنيسة المحّليين وتحَّذروا من ألا تكون تلك دعاياتٍ وخِـدعًـا شيطانية أو من تنظيم بشري. ولمَّـا بيَّنت مريم حقيقتها بالمعجزات،وطلبت بناء كنيسة وتلاوة صلاة الوردية بنوع خاص من جهةٍ،وأجرتْ الكنيسة من جهةٍ أخرى تحقيقات عن الرؤاة وذويهم وفحصت كل ما حدث وقيل عن تلك الظهورات ، فـتـبَّين لها أن كل الأمورطبيعية وتأكدتْ من  صحة المعجزات،وهذا طال عقودًا من السنين،عندئذ فقط أعلنت الكنيسة حقيقة الظهورات ونظّمتْ بشكل رسمي زيارة منطقة الظهورات ، ولبَّتْ رغبة العذراء بـبناء المعابد المطلوبة.  

 

¨    الظهـورات العصريـة !

منذ خمسة عقود يدورُ الحديث عن ظهورات مريم العذراء، منها في مصر وسوريا والعراق ولكن لم تدُم الأحداثُ كثيرًا حتى آختفى كل شيء وعاد الصمت وكأن التأريخ لم يعرف لمريم ذكرى هناك!. ليست مريم مقَّيَدة بأحداث بشرية ولا تخضع للسلطات الزمنية حتى تظهر أو تختفي حسب تخطيطهم. ولا تعادي مريم شعبا أو فئة حتى تُمَّـيز بين الكنائس أو تفضلَ جماعةً على أخرى. ليس البشر من يخططون لمريم متى تظهر وأين وكيف؟. مريم معينة المسيح وتهتم ببناء ملكوت الله وكسب كل البشر للأيمان بالمسيح. مريم تهتم بخلاص البشرية لئلا يخدعها ابليس فتهلك.

 

أما ما نلاحظُه في ما ” تُدعى بالظهورات ” هو أنه لم تكد مريم تظهر، ولم تتحدَّث مريم الى أحد، ولم تجرِ معجزة ، حتى أيَّدتها فئات سياسية أو تجارية وأعلنوا أنَّ الأمرَ حقيقة ٌ لا تقبل لا الشك ولا الجدل!!.  

 

1-   حدثَ في مصر سنة 1967، بعدما خسرت حرب الأيام الستة وغُلقت قناة السويس ،

وإذا فجأة تطلع الصحفُ بخبر ظهور مريم في شبرا على شكل سيدة من نور راكعة وفوق سطح الكنيسة كما وصفها السائل حسبما شاهده في الفيديو، ثم أعلنت وزارتا الداخلية و السياحة استعدادها التام وآتخاذها كل التدابير الأمنية لحماية الزوار وتوفير الراحة لهم. بل تبَّين سريعا بانَّ الدولة قد هيأتْ حتى الهدايا التذكارية ليشتريها الزوار ويتبركوا بها. كلُّ هذا خلال أشهر قليلة ، وكانت الدعاية بأن مريم العذراء غادرت فلسطين التي وقعت تحت سلطة اليهود الغزاة وآنهزمت الى مصر كما فعلت عندما حملت معها يسوع الطفل هربا من غدر هيرودس الملك (متى2: 13-23). ولكن لم تعبرْ سنتان أو أقل حتى آنكشَفت الخدعة ، وسرعان ما دخل الأمرعالمَ النسيان!. ثم عاد المصريون بعد عشرين سنة يُحيون الذكرى ولكن لا يبدو أن أحدًا أعار للأمر إهتماما مُمَّيزا ما عدا الذين في نفوسهم غاية !!. أو ربما لأنَّ العذراء كانت قد إنتقلت الى العراق!.

 

2-   حدث فعلا في نفس الفترة ، سنة 1987 ، أن انتشرت أخبار ظهور مريم العذراء في

مدينة برطلة ، ثم تـطور الأمر فصارت تظهرُ أشباحُ العذراء ومار متى ومار كوركيس و غيرهم من القديسين الشرقيين. وآدّعى القادة الروحيون بأنَّ الظهورات حقيقة. لكنهم مُنعوا من الأعلان الرسمي. والذي منعهم كان الأمن العراقي الذي كان قد خطط للعملية وأشرفَ على تنفيذها بأساليب علمية فنية ، بهدف إلهاء الناس أثناء الحرب الأيرانية ، و ربما أيضا لضرب الكنائس ببعضها!. ولمْ يُشفَ أحد ، بل تأذى بعضُهم بسبب ضربة الشمس من جراء زيارة الموقع!. وبعد أشهر أُعلن عن توقف الظهورات بقدرة قادر!. وآنتهى الفلم!.

 

3-   وحدثَ أيضا في سوريا وأماكن أخرى ما جعل العذراء تحضر على موعد يُحَّددُه لها  

البشر، ومن زوايا محَّددة ، وحتى من وراء زجاج شباك الكنيسة !!. وتبَّـينَ لاحقا أن هدف المخططين للأمر كان تجاريا بحتًا!.

 

4-   وفي كل هذه الظهورات ” المُدَّبرة والمُزَّورة ” لم يتحدث أحد الى العذراء ولا هي

تحَّدثت الى أحد ، ولا تمت معجزةٌ ما تُـثَّبتُ حضور السماء على الأرض.

 

5-   وما يفقـعُ العين أن البعضَ صارَ ينشرُ أقراصًا تُظهرُ أفلاما سُّجلت عليها ظهورات.  

ونحن نعلم أن الرؤى الروحية لا تقع تحت الحواس إلا عند من يُنعمُ عليه بآستلام الرؤيا. و لا يوجدُ جهاز فوتوغرافي يستطيعُ أن يُسجِلَ أحداث رؤيا روحية لا تقع تحت الحواس!. لأنه حتى البشر لا يمكن أن يروا رؤيا روحية إلا الذين أُعطيَ لهم بنوع خاص كما جاءَ في الوحي (أع 10: 11) ، كما حدثَ لمار بولس الذي كان يعاين المسيح ويتحدث اليه ، أما ” رُفقـاؤُهُ فوقفوا حائرين يسمعون الصوت ولا يرون أحدا ” (أع9: 7).

 

6-   وجاء في سيرة حياة القديسة برناديت التي رأت العذراء في لورد أنَّ أسرتَها كانت

فقيرة الحال. ولما ظهرت العذراء لبرناديت إنتبهَ أهلُ القرية الى ذلك فحاولَ البعضُ مـدَّهُم بمعونةٍ ما. ولما أحسَّتْ برناديت على ذلك رفضت وألزمتْ المُتصَّدقين عليهم أن يسترجعوا هداياهم. رفضت كليا أن تستفادَ العائلة ماديا بسبب ظهور مريم لها.  

 

7-   وأخيرا نُسَّجلُ وبقُّـوة ما نوهنا اليه أعلاه وهو أن الظهورات الحقيقية لاقت في البداية

معارضة أو أقله برودة ً وإهمالا من قبل القادة الكنسيين ، ومقاومةً شديدة من قبل السلطلت الزمنية عكس ما نلاحظُه اليومَ من تأييدٍ وتشجيع من السلطات الزمنية والقادة السياسيين، و حماسًا منقطعَ النظير من قادة روحيين وبذل جهودٍ غريبة لأعلان الحدث بأسرع وقت على أنه حقيقة لا تقبلُ الجدل!. إنها مواقف غريبة وعجيبة ، وتدفعُ الى الشَّـك الأصيل وتدعو إلى تّـرَّوٍ جّـدي لئلا نقع فريسة لأضاليل تخدعُنا وتُـؤذينا!. ولكن نحمدُ الله أنَّ السلطة الرسمية في أيةِ كنيسةٍ كانت لم تتخـذ الى الآن إجراءًا علنيا ورسميا بصدد تلك الظهورات. قد يُفَّسرُ البعضُ هذا الموقف إعترافًا ضمنيا ( السكوت من الرضى!) ، إلا إنني أراهُ عكسَ ذلك خطوة إيجابية يُلهمُها الروحُ القدس لحماية كنيسة المسيح من أضاليل العالم وأهله!.

 

لقـد كثرَ في هذه العصور ” المُسحاءُ الكـذبة ” ، وقد تحَّمسَ العالم ويعملُ بكل قـواهُ لأجل تفتيت كنيسة المسيح والقضاءِ عليها. وكما قال مار بطرس ” إنَّ ابليسَ خصمَكم كالأسدِ الزائرِ يرودُ في طلب فريسةٍ له ، فدافعوه راسخين في الأيمان “(1بط 5: 8-9). علينا أن ننـتبه ونتحَّذر، ولاسيما أن نحتميَ بالكنيسة وتعليمها ونتبع إرشادَها.

 

 

القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO