الطــلاق ، أو إعــلان بُطــلان الـزواج

الطــلاق ، أو إعــلان بُطــلان الـزواج !

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

 

أهلا وسهلا بالأخ السائل. إستشهدتَ بقول الأنجيل :” من طلَّقَ إمرأتَه لغير عِـلَّةِ الزنى ، قـد زنى “. وطرحتَ أسئلة مفادُها :

1-      هل يجوزُ الطــلاق ؟

2-      هل يجوز إعلانُ بطلان زواجٍ كاثوليكي ، بسبب خلافاتٍ زوجية وصلت حَّـدًا لا يستطيعُ الزوجان الأستمرار في حياةٍ مشتركة ؟

3-      ماذا عن حالاتٍ لا تستوفي شروط بطلان الزواج ؟

4-      وقلتَ بأنَّ بطلانَ الزواج معروفٌ بسبب :

أ‌-        جحـودِ الأيمـان !

ب – الخيانةِ الزوجية !

ج- إخفاءِ حقائقَ خطيرة على الطرف الثاني قبل الزواج !  .. وغيـرها ؟!.

 

¨       1+ الطــلاق  !

إنَّ الأيمان المسيحي ينطلقُ من الوحيِ الألهي ويستندُ اليه. والوحيُ تفهمُه الكنيسة وتشرَحُه وتُطَّـبقُه، فتطلبُ من المؤمنين أن يلتزموا به. لأنَّ الـزواجَ من تأسيس الهي، وسَّلمَه اللهُ إلى عِنـايةِ الكنيسة فتحكمَ فيه بسلطان ” الحل والربط ” (متى16: 19 ؛ 18: 18). ولما سـألَ بعضُ الفريسيين يسوعَ عن الأسباب الموجبةِ للطلاق ردَّ عليهم بأن الزواجَ أولا من تأسيس الهي ، وأنَّ الزوجين يُصبحان إنسانا واحدًا ، وأنَّ لا سُلطةَ للأنسان حتى ” يُفَّرقَ ما جمعَه اللهُ “. ولما تابع الفريسيون تحَّجُجَهم ضد يسوع والأستشهاد بسلطة موسى و أنه سمح لهم بالطلاق ، أجابهم يسوع :” بسبب قساوةِ قلوبكم أذِنَ لكم موسى أن تطلقوا نساءَكم. أما في البدءِ فلم يكن الأمرُ هكذا ” (متى19: 3-8).

 

الأنسانُ هو الذي سمحَ لنفسِه بالطلاق ، ولم يؤَّيد اللهُ هذا التمَّرُد على إرادتِه. وآعتبرَ اللهُ الطلاقَ زنى بـذاتِه. لأنه يُعَّرضُ المُطَّـلقْ الى الزنى، ويلتجيءُ هو نفسُه الى ممارسة الزنى. وأما كلامُ الأنجيل ” إلا لعِـلّةِ الزنى “، فقد لا يعني ما نفهمُه نحن ” البشرُ” اليومَ كما فعل اليهودُ منذ زمن موسى. قد يعني بكل بساطة بأنَّ في ” حالة حدوث زنى ” لأحد الزوجين تدرُسُ الكنيسة الوضعَ وتحكمُ فيه. أما قدَّمَ اليهودُ زانية لتُرجمَ حسب شريعة موسى؟. ماذا فعل يسوع ؟. من ليس له خطيئة ليرمِها بأول حجرة. وقال لها: وأنا لا أحكمُ عليكِ ، إذهبي ولا تخطأي. أى غفرَ لها ذنبَها. ويسوع دعانا وعَّلمنا أن نغفرَ ونسامح من يُسيءُ الينا ” سبعين مرة سبع مرات في النهار الواحد “(متى18: 22).

 

وإن كان الزوجان قد أصبحا جسَدا واحدًا فكيف يتم وأن يُسَّلمَ أحدُهم جسدَه لغير زوجِه ؟. وإذا تمَّ اعتداء على الزوج الزاني فأين مسؤوليته وخطيئته حتى يتحمَّلَ نتائج جريمةِ غيرِه ؟ ألا يكفيه أنْ ظـلَمَه مُعـتدٍ حتى يظـلمَه زوجُه أيضا ؟. وإنْ كان الزوجان قد أصبحا واحدا ليتكاملا ويتعاونا في تقديس الذات أما يليقُ بالزوج البريء أن يُعطيَ فرصةً لزوجه الخاطئْ ليُصلحَ سلوكَه ويخلصا معا؟. أما قال الرسول :” و ما أدراكَ أيها الزوج أنك تهدي زوجَكَ ” (1كور7: 16) ؟. فالطلاق فكرةٌ بشرية محضة مخالفة لأرادةِ الله ولطبيعةِ الزواج. وما تبَّناه قساةُ القلوبِ من البشر إلا بالمثال السَّييء للشعوب المُلحدة ، والجاهلة المُقَّـيَدة بالشهوةِ.

 

¨       2+ بُـطـلان الزواج !

إن كان لا يُوجدُ طلاق إلا إنَّ ذلك لا يعني أنَّ كل الزواجاتِ تُعـقدُ بموجب إرادةِ الله. أى لم يُدرك كل المتزوجين طبيعة الزواج و إلتزاماتِه ، من حقوق و واجبات ، ومساواتِ الرجل والمرأة فيه. كثيرون تزوجوا بسبب الشهوة ، وغيرهم بهدف تكوين مادي ، وغيرهم لأنَّ الزواجَ سُّـنةُ الحياة ، لاسيما وأن المرأة توفر للرجل الراحةَ والغذاء والخِـدَم المنزلية كافة. كما تزوجَّ آخرون بناءًا على تقاليدَ عشائرية ، أو مصلحةٍ عائلية ، أو حتى برغبةِ والديهم ضد إرادتهم وحريتهم الخاصة. بينما قال الله :” يتركُ الرجل أباهُ وأمه ـ كما تتركُهم المرأة ـ ويصحب إمرأته ويصيران جسدا واحدا “(تك 2: 21)، وأكد يسوع الأمر(متى19: 5) ، و ثبَّتته الكنيسة (أف5: 31). ما معناهُ أن الزواج يجب أن يتم بحرية الأطراف ، وبآتفاقِ و قرار الأثنين معا، وبالخروج عن دائرة العائلة الوالدية ، وتحمُل مسؤولية تشكيل عُشٍ جديد. إذن مطلوبٌ للزواج وعـيٌ وحرية ومساواةٌ وهـدفٌ وآتفاق يكون حجرَ الأساس لبناء الحياةِ الخاصّة الجديدة. وإذا نقصت هذه العناصر أو أحدها فهل هُناك زواجٌ حسبَ رؤيةِ اللهِ  و مشيئتِه؟. ماذا قال يسوع للسامرية :” لقد إتخّـذتِ خمسةَ أزواجٍ . والذي يصحبُكِ اليوم فليسَ بزوجكِ “!.(يو4: 18).

 

ما لم يكن يعرفُه الناسُ عرفَه الله وكشفَه لهم. وكم حالة مشابهة لهذه تعَشعِشُ اليـومَ في مجتمعاتِنا حتى المسيحية ؟. ولهذا تقولُ الكنيسة قد تكون زواجاتٌ ظاهرة للعيان باطـلــة ً حسبَ رؤية الله وكشفِه. ورؤية الله يمكن أن نعرفَها من خلال كلام الوحي في العهد الجديد ، أو من خلال الخلافات التي تـذُّرُ قرنها في بيوت البعض ، ومن خلال تقليد الكنيسة في تطبيق الأنجيل عند وقوع خلافات بين الزوجين. فعندما يختلفُ الزوجان فقد يعني أنه لا توجد بينهما محبة وتفاهم !. وقد يعني أنهما لمْ يزوَّجا بحريتهما فلمْ يُصبحا جسدًا واحدا، ولا جمعهما الله وإن كانوا حسب نظام البشر زوجين كاملين!. وقد يعني أيضا أنهما بنيا عُشهما على حب مُزَّيف ، ظاهري فقط، ولكنهما لم يُدركا مستلزمات الزواج ولا هما قابلان به ، بل يحاولُ كلُ واحد أن يفرض رؤيتَه على الآخر، ويُطالبُه بما يراه من حَّـقهِ دون أن يُعيرَ إهتماما لا لواجباتِه ولا لحقوقِ شريكه!. وقد واجه مار بولس حالةً إختلفَ فيها زوجان بعدَ إنْ إهتدى أحدهما الى المسيحية، ورفضَ الزوجُ إيمان زوجتِه ورفض مساكنتها ، فقال : ” لقد دعاكما الله أن تعيشوا بسلام ” فيمكن لغير المسيحي أن يفترق والمسيحي يذهبُ لسبيله (1كور7: 12-15).

 

¨       3+ إعــلان بطـلان الزواج  !

والكنيسةُ تبعًا لظروفِ الحياةِ وآنطلاقا من مباديءِ الأيمان المسيحي وحمايةً للسر، وتعاونا مع الأزواج لتوفرلهم الأمان والضمان، وضعتْ سُننا و شروطا حتى تعترفَ بشرعيةٍ زواجِ ما وصحَّـتِه. وهي تحُّلُ هنا أو تربط بموجب السلطان الذي منحه إياها يسوع المسيح. و هناك 18 شَرْطا أو بـندًا وضعتها الكنيسة لتأكيد صحة الزواج. وإذا تم الزواج وعُقد خلافا لهذه الشروط ، ودون أن ينالوا عنها تفسيحا (سمـاحا ) خاصّا من السلطة الكنسية ، تعتبرُ الكنيسة ذلك الزواج باطلا ، أى لم يجمع اللهُ قط بين أولئك الزوجين رغم عـقدِ زواجهم أمام رجل الدين أو موظفِ الدولة. 

 

والأعـلان عن كذا بطلان لا يتم إعتباطا ولا لآدعاء طرف منهما. بل تدرُسُ الكنيسة كلَّ حالة تُعرَضُ عليها في عريضةٍ رسمية مقدمة للمحكمـة الكنسية المشكلة خصيصًا لهذه الحالات، فتستنطقُ الأطرافَ لتحصلَ على إفادةِ الزوجِ المُدّعي ثم الزوج المُدَّعَى عليه و شهادةِ شهودهما. وبعد جمع الأدلة يدرُسها ثلاثة قُضاة ، كل على حدة ثم مجتمعين معا. و بعد جلاء واقع الحالة يقررون إن كان ذلك الزواجُ معقودًا حسب شروط الكنيسة أم لا. وإذا تبَّينَ أنَّ الزوجين مخالفان وأنَّ نقصًا مُهّما وقع عند عقد الزواج ، وبما أنهما لا يستطيعان أن يستمرا في العيش معا بسلام ، عندئذ تُعلن المحكمةُ الكنسية أن هذا الزواجَ باطلٌ من أساسِه. و” باطلٌ من أساسِه ” يعني أنَّ اللهَ لم يجمعْ بينهما ، لذا يمكن أن يذهبا كل واحد الى سبيلِه ، وحتى أن يعقدَا زواجا جديدًا. وبعد إعلان القرار يطعنُ فيه محامي الوثاق ، دفاعًا عن سّرِ الزواج، ويستأنفُ لدى المحكمة الأعلى التي تدرُسُ الملف من جديد ، في مستوى أدَّق ، دون إستحضار الأطراف إلا إذا إقتضتْ ضرورةٌ ما إلى ذلك.  وإذا رأت بأن قرار محكمة البداءة صحيح تؤيدُه ويُعلنُ الزواج رسميا باطلا ويُنَّـفذُ القرار. أما إذا قررت ضد قرار محكمة البداءة عندئذٍ يُرفع الملف الى محكمة التمييزلتنظرَ فيه ويكون قرارُها هو النافذ بأي شكل كان. لأنه سيتفقُ إما مع قرار محكمة البداءَة  أو مع قرار محكمة التمييز، فيتكون قراران مشتركان ضد واحد مخالف. وقرار محكمتين هو الفائــز!.

 

¨       4+ حــالاتٌ خاصَّـة  !

ذكرَ الأخ السائل حالات خاصة هـي :

1#  وجود الخلافات دون أن تستوفيَ شروط البطلان. كلُ خلافٍ له أساس. وأوله نقص المحبة ورفضُ الحوار. وكلا العنصرين أساسيان في الزواج. المحبة تعني الحقيقية ، التي تقودُ الى العطاء حتى البذل والتضحية. وحيثُ يكون الزوجان مستعدين للبذل والتضحية لا يقوم خلاف. وإذا قام خلاف تستحيلُ معه الحياةُ المشتركة فذاك يعني أنه لا توجدُ محبة قوية بينهما، وأنَّ بناءَ عشهما الزوجي قد قام على رمل المصلحة أو الغش أو الجهل. وإذا لم تـرَ المحكمة أى سبب للبطلان تدعو الزوجين الى حل مشاكلهما بالغفران والحواروفتح صفحة جديدة ، وتقدم لهما النصائح العملية للمصالحة. وإذا رفضا ، تبقيهما المحكمة مفترقين دون أن تُعطيَ لهما حقَّ عقد زواج جديد.

 

2#  جحــودُ الأيمــان !  إنَّ بعضَ الكنائس إعتبرت الجحودَ زنىً روحيا فحَّلت الزواج بسببه. لكن الكنيسة الكاثوليكية لم تعتبرْهُ سببا كافيا للبطلان ، خاصة وأنه يقعُ بعدَ الزواج وربما لظروفٍ شاذة ، وربما بسبب سوءِ معاملةِ شريكه. المحكمة الكنسية تدرس الحالة. فإذا كان للجحود أسبابٌ بعيدة ترتفع الى زمن قبل الزواج ، أو لسبب الجهل بــقيم الزواج ومسلتزماتِه عندئذ يمكن أن يعتبرَ الزواجُ باطلاً، لا لسبب الجحود بل للأسباب التي قادتْ الى هذا الجحود.

 

3# الخيانة الزوجية !  الخيانة الزوجية فعلٌ عابرٌ وليس حالة. وليستْ أخطر من القتل أو حتى لعب القمار؟. أما إذا كانت حالة دائمية فترى المحكمة أي شرطٍ تخالف فتبطل الزواج بسبب نقص ذلك الشرط. ورأينا أن يسوع دعا الزانية الى إصلاح سلوكها ولم يحكم عليها. فإذا تمت الخيانة لأسباب تخُّل بشروط الزواج يُبطل الزواج. أما إذا كانت حالة عابرة ، أو بسبب ظروف قاهرة تقلل من مسؤولية الخائن ، أو بسبب سوءِ الشريك الذي دفعَ للخيانة ، فعندئذ تطلب المحكمة أن تُصلحَ الحال. 

 

4# إخفــاء حقائق خطيرة قبل الزواج !  إنَّ إخفـاءَ أمراض خطيرة تعيقُ العلاقات الزوجية ، أو صفاتٍ جوهرية مطلوبة للزواج تُعتبرُغشًا ضد المحبة وضد الصراحة المطلوبة وضد حقوق الزواج. ليس من حق الشريك أن يُحاسبَ شريكه على حياتِه قبل الزواج. إنه حرٌ أن يقبله أو يرفضُه. ولكن ضروريٌ أن يكشفَ الواحدُ للآخر ماضيَه حتى يقررا الموافقة أو لا. يجب أن يعرفَ كلُ واحد شريكَه ، قبل الزواج ، كما يعرفُ نفسَه. لاسيما بما يخصُ شروط الزواج الأساسية حتى يعرفا كيف يبنيان حياتهما المشتركة.

 

هناك ما يُقلقُ البعضَ ويعتبرُه غشا ، مثلا إخفاء الفتاة عدم بكوريتها. ولكن البكورية ليستْ ضرورية للزواج. كم وكم يتزوجون أراملَ وأرملات فأين البكورية في هذه الحالة ؟. ولكن من الأفضل في هذه الحالة أن تكشفَ الأمرَ لمن ستتزوجه لتبرهن له عن محبتها ، ولا يكتشفَ زوجُها ذلك فتتكون عنده أفكارٌ سوداء. وقد يكون الشابُ أعزبًا ولكن من يضمن أنه بتول ولم يُعاشر فتاةً؟. بينما لو أجريت للفتاة عملية رفع المبيض أو للشاب رفع الخصيتين ، وهذا يُسببُ العقمَ وعدم الأنجاب ، ولم يعرفه الطرف الصحيح قبل الزواج ، يشكلُ هذا سببا للبطلان.

 

5# و غــيرُها  !!

هكذا قال السائل!. ليتَه ذكرتلك الأسباب التي يعتبرُها البعضُ سببا لبطلان الزواج، قد تكون فعلا كذلك ، وقد تكون هي نفسها باطلة وغير كافية.

 

القس بول ربان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO