الأحــد الثـاني للكنيسـة

الأحــد الثـاني للكنيسـة

نــؤمنُ بكنيــسة  مقَّــدَسـة !

يُتلى علينا اليـوم إنجيل –::< متى 12: 1-21 >::–  ويقُّصُ علينا خبرَ قلعِ الرسل للسنابل يومَ السبت وآعتراضِ الفريسيين عليهم ، وكأنَّ فعلَهم يُخالفُ الشريعة. ولكن يسوعَ يفضحُ جهلَهم في تأريخ الخلاص وعدم إستيعابِهم لأبعادِ الوصية ، ويُبَّررُ فعلَ الرسل. ثم يُعلنُ لهم أنه هو نفسُه ” ربُّ السبت!”. لم يرتاحوا إلى كلام يسوع. ولما جاءَ الى المجمَع و رأى مشلولا، أرادوا الإيقـاعَ به ، فطرحوا عليهِ السؤالَ: إنْ كانَ يحُّلُ الشفاءُ يومَ السبتِ أم لا يحُلْ؟. فأخزاهم من جديد إذ ذَّكرَهم بأنهم ينتَشلون يومَ السبت خروفهم من بئر الماء، إذا وقع فيه لئلا يغرقْ، ويرفضون شفاء إنسانٍ مريض يومَ السبت !. ولكي يُقرِنَ الفعلَ بالقول شفى المشلول. أما الفريسيون فعوضًا عن أن يؤمنوا به إنغمسوا في سوئِهم وتحَّجروا في رفضهم تعليمَه وخرجوا ” يأتمرون عليه حتى يُهلكوهُ “!.

¨       يســيرُ بالحَّق إلى النصر !

ظلَّ الفريسيون والكتبة والكهنة ، القادةُ اليهودُ الروحيون مجتمعين وهم الطبقةُ المثقفة والمتدينة وحاميةُ الوحي الألهي والنورُ الذي يضيءُ ويَهدي الشعوبَ الى طريق الحق(اش42: 6)، ظلوا يُعادون يسوع بل ويحاولون التخَّلصَ منه ، لا لأنه أجرمَ بشيء ، لأنهم يومَ تحَّـداهم يسوعُ بالسؤال :” من منكم يستطيعُ أن يُثبتَ عليَّ خطيئة ؟” (يو8: 46) لا أحدَ إستطاعَ ذلك، حتى ولا عندَ صلبِه (مر14: 56-59) ، بل لأنهم إتهموهُ بالـ ” تجـديف ” لأنه ” إستباحَ ـ حسب رأيهم ـ السبتَ ، وساوى نفسَهُ بالله ” (يو5: 18؛ مر14: 61-64). إدَّعـوا دوما أنهم بتصرفاتِهم هذه يُدافعون عن الأيمان، يصومون ويصلون ولا يفسقون (لو18: 11-12)، وأنهم علماءُ يُبصرون. لكن يسوع نعتهم بعميان (يو9: 41). كان السببُ الحقيقي أنهم حسـدوهُ (مر 15: 10) ، كما سيحسدون الرسلَ ايضا ويلاحقونهم حتى الموت (أع17: 5). ولا يزالون يفعلون ذلك الى يومنا. حسدوه لأن جماهيرَ المؤمنين هجرَتْهم وبدأتْ تؤيّـدُه وتتـبعُه (يو11: 48 ؛ 12: 19). لقد شَّكوا كثيرا بأنْ يكون يسوعُ فعلا المسيحَ الموعودَ والمنتظر. وطالبوه مرةً أن يزيل َ” الريبةَ من نفوسِهم”، ولما إستجابَ لطلبهم وقالَ ” أنا والآب واحد ” إستنكروا عليه ذلك وحاولوا رجمه (يو 10: 24-30). لم يعرفِ الحَّقُ ولا القداسةُ طريقَهما الى قلوبهم !. إنهم مراؤون فقط !.

رفضوهُ ورفضوا الحياة معه (يو5: 39) لأنهم إعتقدوا انهم يمتلكون الحَّقَ ويجهلون أصلَ يسوع (يو9: 29)، ولأنه خرجَ عن تعليمهم وعن طوعهم ،و لم يتبعْ أهواءَهم بل فضحَ جهلهم وسـوءَ نياتِهم. وتخَّلصوا منه غير مبالين بما قالت عنه البنوءات. بل إدَّعوا أنهم يجاهدون من أجل الحقيقة ، وأنهم يحكمون عليه بآسم الله نفسِه :  ” لقد جـدَّف!. ما حاجتنا الى الشهود. قد سمعتم كفرَه. فأجابوا : يستوجبُ الموت”(متى26: 65-66). قرأوا الكتابَ ولم يفهموا قول الرب : ” هوذا فتاي الذي إخترتُه .. يبَّشرُ الأمم بالحَّق .. قصبةً مرضوضة لا يكسر. فتيلة مُدَّخنة لا يُطفِيءُ ، حتى يسيرَ بالحَّـق الى النصر”(اش42: 1-4).  إنهم ” في ضلال ” لأنهم يجهلون ” الكتب و قـدرة الله ” (متى22: 29). ولا فقط ضيعوا الأيمان وخالفوا الشريعة (يو7: 19) بل وأصبحوا حجر عـثرةٍ حتى خسروا ملكوت الله ومنعوا غيرهم من الدخول اليه (متى23: 13). و كم واحدٍ  منا يتصَّرفُ مثلهم ؟.  أما يسوعُ فهو وحدهُ ” نور الحق الذي يُضيءُ طريقَ الحياةِ للبشر”(يو8: 12). وطريقُ الحياة أن يعرفَ الناسُ الله ويقتدوا به فيكونوا مثله ” كاملين” (متى5 : 48) وقّـديسين (1بط1، 16).

¨       كونوا قدّيسين ، إني أنا قُّـدوسٌ !

نُعلنُ في قانونِ إيمانِنا ” نؤمن بكنيسة مقدسة “. عرفنا في الأحد الماضي من هي الكنيسة. و

عرفنا أنها واحدة بوحدةِ المسيحِ مؤسسها ورئيسها المنظور بطرس وخلفائِه. ونوَّهنا أعلاه أنَّ  المسيحَ مؤسسَها هو ضمانُ الحق ، لأنه اللهُ الواحدُ بسبب وحدتِه مع الآب. والحَّقُ هو الكمال الذي ندعـوهُ ” القداسة “. اللـهُ هو قـدوسٌ. هذا ما أعلنه الله لموسى (خر3: 5؛ عدد20: 12) و أيَّدَه اشعيا (6: 3). و يطالبُ شعبه أيضا بالقداسة مثله “كونوا قديسين لأني أنا الربُ إلهُكم قدوس” (أح19: 2). فكنيسةُ الله، وقد أسسَّها بنفسِه، هي قديسة مثله ومعه وبه. قديسة مثله لأن الله دعا البشر كلهم، من خلال اليهود ثم المسيحيين، الى القداسة (رم1: 7). ” كونوا قديسين” يوصي بطرس المسيحيين لأنَّ “مشيئة الله إنما هي قداستكم” (1تس4: 3). الكنيسة قديسة مع الله وفيه لأنَّها تقَّدستْ في المسيح يسوع (1كور1: 2) . فقد طهَّرَ اللهُ المؤمنين بماء المعمودية و زَّفهم لنفسِه ” كنيسة نقية لا نقصَ فيها ولا لوم ولا ما يُشبه ذلك، بل مقدسة بلا عيب” (اف5: 26-27؛ كو1: 23). لقد إختارَنا منذ الأزل للقداسة (اف1: 4). فمن قداسةِ الله لا فقط ينهلُ المؤمنُ القداسة بل يرثُها من المسيح يسوع عندما يولدُ بالمعمودية من كلام الله الحي الباقي (1 بط1: 23) ويتجَّددُ بقوة الروح القدس (طي3: 5). لذا لا يترددْ مار بولس فيؤَّكدُ بأن المسيحي” هيكلُ الله وأنَّ روحَ الله قد حَّلَ فيه ..وهيكلُ اللهِ مقَّدسٌ ” (1كور3: 16-17). لأن المسيحي قد ” تقَّـدَسَ وتبَّـررَ بآسم ربنا يسوع المسيح وبروح إلـهنا ” (1كور6: 11 ).

هكذا لا نستغرب أنْ يدعوَ مار بولس المسيحيين ” الأخوة القديسين “. أغلبُ رسائله يستهِلها بتحية من يُرسلها إليهم ويدعوهم بـ ” القديسين ” (رم1: 7؛ 1كور1: 2؛ اف1: 1؛ في1: 1؛ كو1: 2؛ عب 3: 1). كما يطلبُ الصلاة لأجل القديسين (اف6: 18) الذين يشفعُ لهم الروح القدس بما يوافق مشيئة الله (رم8: 27)، ويجمعُ الصدقات من أجلهم (1كور16: 1)، و يشترطُ غسل أرجلهم من قبل الأرامل حتى يُسَّجَلن كذلك (1طيم 5: 10). كما يؤّكدُ سفرالرؤيا أنَّ الذين يحاربُهم الوحشُ هم ” قديسون “(رؤ13: 7). ويختمُ بولس رسائلَ عديدة بإبلاغ تحيةِ القديسين الذين معه (2كور13: 12) ويُسَّميهم” كنائسُ المسيح كلها تسَّلم عليكم ” (رم16:16). كما يبعثُ تحياتِه هو لجميع القديسين (في4: 21؛ عب13: 24) ، ويدعوهم ايضا ”  الكنيسة المجتمعة في دارأحدهم” (رم 16: 5، و23 ؛ كو 4: 15).

لا يكتفي بولس بتسمية المسيحيين قديسين ، بل يُضيفُ ويدعوهم الى تحقيق دعوتهم هذه. قال لأهل رومية :” أسألكم .. أن تجعلوا أنفسكم ذبيحة حَّـية ً مقدَّسَة ً مرضية ً عند الله “. ويتابعُ فيشرحُ ماذا يعني ، فيكتبُ : ” لا تتشَّبهوا بهذه الدنيا “!. لا نسيرمع ركب الناس كيفما كان. لسنا قطيعا من خرافٍ لا نعي. نحن بشرٌ نفْـقَـهُ دعوتَنا ولنا رسالة أن نتابعها لـنبلغ الى قامة المسيح ” (اف4: 13). يُلزمنا ” أن نُطهرَ أنفسَنا من أدناسِ الجسد والروح كلها ، ونتّـمَ تقديسَنا في مخافةِ الله ” (2كور7: 1). رسالتنا ان نحيا كالمسيح ” فتخلعوا الأنسان القديم الذي تفسدُه الشهوات الخادعة وأن تتجَّددوا روحا وذهنا.. وتكونوا صورة الله في البر والحَّق ” (اف4: 22-24)، وأن ” تمَّيزوا ما هي مشيئة الله وما هو صالح وما هو مرضي وما هو كامل ” (رم12: 2). هكذا يكون ايماننا بالقداسة ” فعَّـالا فنعرفُ حقَ المعرفة كلَ ما بوسعِنا أن نأتيَ بالأعمال الصالحة في سبيل المسيح” (فيلمون 6)، ونفحمَ بها جهالة الأغبياء..فنكـون للـه أمَّةً مقدسة ” (1بط 2: 15).

نعم أن نتقدَّس من أجل المسيح الذي قدَّسَ ذاتَه في الحق من أجلنا ” (يو17: 19) حتى نتعلمَ منه ونقتدي به. وسألَ الآب ان يُقَّدسَنا حتى لا نتعلمَ من أهل العالم لأننا لسنا من العالم (يو17: 16-17). ومطلوبٌ منا أن نقَّدِسَ ذواتِنا من أجل العالم حتى يتقَّدسَ بدوره فيعرفَ المسيحَ ويقبلـه و ينالَ مجدَه. جاءَ المسيحُ ليُخَّلصَ العالمَ وأهلَه لا ليدينه (يو12: 47). وعلينا نحن أن نحَّققَ رغبةَ المسيح فنعملَ لخلاصنا وخلاص العالم ” بخوفٍ ورعـدة ” ونكون ” بلا عيب في جيل فاسد نُضيءُ فيه ضياءَ النيّرات في الكون، عارضين كلامَ الحق ..” (في2: 12-16). ونكون كنيسـة مقَّـدَسة ، بالقول والفعل ، مع المسيح وبه ولأجله.

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO