الأحــد الثالث لموسـى

الأحــد الثالث لموسـى

 

 

الأيمـان في خـدمةِ الأنسان

 

يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< متى8: 28—9: 1-9 >::- ، يقُص علينا خبر طرد ” جحـفلٍ ” من شياطين ، من رجلين شرسين يعيشان بين القبور يُتعَّرضان للمارة من هناك ، يدخلون قطيعا من خنازير ينتهي بالغرق في بحيرة طبرية. ثم يعود يسوع الى الشاطيء المقابل للبحيرة الى مدينته كفرناحوم حيث يُشفي مُخَّلعًا يُدلى أمامَه من السقف. وينتهي النص بدعوة متى إلى إتّباع يسوع.

 

قطيـعٌ يغرق .. لإنقاذ رجلـين !

 

يروي مرقس 5: 1-20 ، ولوقا 8: 26-39، هذا الخبر بشكل مختلف وبتفاصيل أوسع. ربما عاين مرقس الحدث لأنه من تلاميذ يسوع الأوائل، أما لوقا فهو رفيق مرقس، وكلاهما معاونان لبولس (كو4: 10-14)، قد نقل عنه. أما متى، الذي كان موظفا يجبي الضرائب، فلم يتبع يسوع إلا بعدَ هذه الحادثة ، بل وبعد المعجزة اللاحقة أيضا، بمدة (آية 9:9). فلم ينقل الحادثة بتفصيل، بل رواها  ضمن إطار مُخططه الخاص في كتابة الأنجيل.

 

فبينما روى متى أنَّ الشياطين داخل الرجلين يتكلمون مُعترِضين ألا يُعَّذبهم يسوع قبل الأوان ، قال مرقس ولوقا بأن ” الممسوس الواحد ” تكلم قائلاً : ” أستحلفكَ باللهِ ألا تُعَّذبَني” (مر5: 7). المهم أنَّ النتيجة التالية واحدة : يخرجُ الشياطين من الممسوس، واحدا كان أو إثنين، ويدخلون قطيع الخنازيرالذي كان يرعى في المنطقة ويثِـبون في الماء فيغرقون. والمريضُ يُشفى ويرتاحُ من عذابِهِ. هنا يطرُح البعض سؤالا : أين الأيمانُ هنا ؟ وهل تقبلُ عدالة الله أن يغرقَ قطيعٌ كاملٌ ، فيخسر أصحابُه لأن القطيعَ مصدر رزقٍ وحياة. ما ذنبُ أصحابها وما دخلهم في شفاء ممسوس؟. لا ننسى أولا أن الخنزير رمزٌ للنجاسة فالخطيئة. وغرقُـه يُصَّورُ غسل نجاسةِ الخطيئة. وقد أتى المسيح لُيزيلَ الخطيئة (لو1: 77) ويغسلها بدم وماءِ جنبِه (يو19: 24). ولذا دعا من أول حديث له الى التوبة (4: 17). الخطيئةُ تُعَّذبُ ضميرالأنسان. وكان الممسوس متعَّذبا من” الخطيئة ” الساكنة فيه. وقد إستحلفَ المسيحَ أن يُشركَه بنعمةِ الخلاص فيُخَّلصَه من عذابِه.

 

وأما غرقُ الخنازير فما قيمتُه مقارنة بخلاص نفس سيموت المسيح من أجلها على الصليب؟. إنهم رمزُ الأشرار الذين يتبعون إغراءات ابليس فيهلكون. مع ذلك، أيهما أغلى : دمُ المسيح أم الخنازير؟. وماذا كانت الخنازيرُ تفعلُ هناكَ والبلدُ يهوديٌ واليهودُ يُنجَّسون الخنزيرَ ويحَّرمون أكله ؟. وليس المسيحُ من أمرَ الشياطين أن تُغَّرقَ الخنازير، بل سمحَ لها فقط ، كما سمَح له الله أن يُجَّربَ الأنسان فيُسقِطُه ويُعَّذبَ أيوبَ ويُفقدُه مالَه وأولادَه بل يؤذيه في جسدِه (أي1: 12-20؛ 2: 6-8)، وليست الخنازيرُ وأصحابُها أفضل من كل هؤلاء ، وكُلُ ذلك ليـفهمَ البشرُ ما هو عملُ ابليسَ وأعوانِه ، وما مصيرُ من يُصغي إلى إغواءاتِه!. الأثمُ يُغَّرقُ الخطـأة. بينما من يُقاومُ تجربة ابليس ويستمر يُحبُ الله رغم كلِ مصائبِه سينتهي في المجد والسعادة مثل أيوب وكل الشهداء ، لأنَّ المسيح ينتظره ليشاركه مجده (بو17: 24). إنَّ اللهَ أبٌ عادل (يو17: 18) لجميع البشر، ويريدُ لهم الرحمة لا الذبيحة (متى9: 13). وهـذا هو إيمان الممسوس الذي يصرخ بايمان وثقة أن يُحَّققَ يسوعُ رسالتَه ويَهُّـدَ مملكة ابليس الذي يغُّشُ البشر ويُعَّـذبهم. وقد خدمه إيمانُه و أنقـذه من مأســاتِه المؤلمة ورَّدَ إليه العقلَ والطيبَ اللذين خلقهما اللهُ عليه. إيمانه دفعه إلى أن يستحلفَ يسوع ويطلبَ منه شــفاءَه من عذابِه !. وإذا إعترضَ مُعترضٌ كيف آمن وهو مجنونٌ لا يعي ما يفعل. ربما !. إنما يُقَّـدمُ متى هذا النموذج من الأيمان ولهذا لم يتقَّيد أصلاً بتفاصيل الحدث بقدر ما قدَّمه بهذا الشكل ليخدمَ هدفه من كتابة الأنجيل.

 

شــفاءُ مقـعد كفرناحوم !

 

نلاحظُ هنا أيضا أنَّ متى يهملُ تفاصيلَ مُهّمة يذكرُها مرقس ولوقا. أما هو فيقتصرُ على النتيجة التي يُعلنها مثلهم :” ولما رأى يسوعُ إيمانَهم “!(آية 2). ليس إيمان المُقعد فقط ، بل ولاسيما إيمان من أتوا به إليه. عندما واجهوا الأزدحام وآستحالَ الوصولُ الى يسوع فتحوا السقفَ في منطقة وجود يسوع ودَّلوا مريضهم أمامه. واجهوا صعوبة كبيرة جدا كادت تُفشلُ محاولتهم ، فيعودوا على أعقابهم خائبـين. لكنهم أبوا أن يستسلموا لعراقيل عـدو الأنسان. أرادوا إلا أن يُعلنوا مدى إيمانهم بيسوع وبقدرتِه ، هو وحدَه، على خلاص الأنسان.

 

و نلاحظُ أيضا أن متى يربط المرض بالخطيئة كما سيفعلُ يوحنا ايضا في شفاء مقعد بركةِ بيت حسدا، ” قد تعافيتَ، فلا تعُدْ الى الخطيئة ، لئلا تُصابَ بأسوأَ منها ” (يو5: 14)، وبالتالي يكون الشفاءُ منها بغفران الخطيئة. لذا ينقلُ قول يسوع :” ثِقْ يا بُـنَيَّ ، غفرَتْ لك خطاياك ” (آية 2).

 

لا يعني هذا أن الشخصَ أخطأَ لذا أُصيبَ بهذه العاهة. إنما يعني أنَّ الخطيئة هي شَّوهت الأنسان وأدخلت الشقاءَ الى حياتِه. لذا زوالُ الخطيئة كفيلٌ أن يضمن للأنسان راحته وهناءَه. والمطلوبُ من الأنسان أن يؤمن بهذا. ولو لم يؤمن المقعدُ وحاملوه بهذا لآعترضَ على يسوع وقال له ” أنا لم أخطأ “. يريدُ يسوع أن يفهَم البشرُ أن بليتهم من الشر بآبتعادهم من الله ، وخلاصُهم بالمقابل هو بإزالةِ الشر من حياتِهم والعودة ألى طاعةِ الله. لذا سيقولُ لبيلاطس : ” ليست مملكتي من هذا العالم.. ولدتُ وأتيتُ لأشهدَ للحق” (يو18: 36-37). والخطيئة هي ما هو ضد الحق،هي الكذب والخداع. ولا يُحَّررُ منها سوى ” الحق.. لأنَّ من يرتكبُ الخطيئة يكون عبدًا “(يو8: 32-34). ولم يتعَّرضْ ابليسُ” للممسوس” وعَّـذبه إلا لأنه ” لم يثبت على الحق أبدا “(يو8: 44).

 

لقد أتى يسوع و وضع أسسَ مملكةِ الحق. ويَطلبُ من العالم أن يؤمن بهذا. و يُطالبُ الأيمان به لأنه هو حاملُ هذه الرسالة. طلبه من السامرية (يو4: 26)، ومن الأعمى (يو9: 35) ، ومن يائير(لو8: 50). ومدحه لما وجدَه عند المنزوفة (لو8: 48) ، والكنعانية (متى15: 28) ، وقائد المئة (متى8: 10)، والأبرص الغريب(لو17: 19)، وأعمى أريحا (لو18: 42). فالأيمانُ أساسُ 

 

مملكةِ الحق وبابُ الدخولِ اليه. الأيمان هو البنى التحتية لحياةِ الأنسان، وهو المُحَّركُ الأقوى لسلوكِه. فمن لا يؤمن لا يمكن ان يُحبَ ، ومن لا يحب لا يمكن ان يتبع الحق ، ولا أن يخدمَ ، و لا أن يصبرَ على الضيقات والمظالم. الأيمان بالمسيح هو حجرُ الأساس للحياةِ المسيحية ، ولا تقفُ أمامه صعوبةٌ ، ولا يصُّده مانع. يتحَّدى الأيمانُ الأصيلُ كلَ المُعَّوقات ويُذّللُها ويمسحُ كلَ دمعةٍ تُسالُ من أجل الحَّـق. حتى ابليسُ نفسُه لا يقوى على مقاومة الإيمان.

 

القس بول ربـان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO