هل وسـائلُ منـع الحمـل ، خطــيئة ؟

هل وسـائلُ منـع الحمـل ، خطــيئة ؟

 

أهلا وسهلا بالأخت العزيزة السائلة. يبدو أن سؤالكِ مطروحٌ كثيرًا في مجالس النساء. إلا إنَّ لا أحدًا يجرأ فيطرحُه على مسؤول كنسي لينالَ الجوابَ الصحيح مع الأسباب الموجبة لموقف الكنيسة. هذا من جهة. ومن جهة ثانية لا يلجأون الى الكنيسة لأنَّ البعضَ يرفضُ مسَّبقًا تعليمها وإجراءاتِها وذلك تَـبَعًا لمبـادئ أهل العالم الذين يُنادون بلا تردد وبلا آنقطاع :” أنَّ الأنسانَ الفرد وحدَه مُسَّلطٌ على حياتِه الخاصة ، يعمل بها ما يشاء وكيفما يشاء، وأنْ لا حَّـق لأحدٍ غيرِه أن يُشاركَه هذه السلطة”!. مع ذلك إذا قرَّرَت الدولة، مجموعة من البشر ، أمرا وفرضته على المواطنين ، فهم يخضعون صاغرين!. كثيرون لا يفكرون بحَّـق الله الخالق الذي أوجدهم، ولا يخضعون للنظام الذي وضعه فيهم لصالحهم ، بحجةِ أنه لا يلائمُ وضعهم بل يؤذيهم. يتبعون شهوات الحواس فقط ويُهملون إلهاماتِ الروح!. في حين إنَّ الأجساد من التراب وستزول ، بينما الأرواح هي من حياةِ الله نفسه وستدوم للأبد (تك 2: 7). نسوا  أنْ هكذا فعلَ أبوانا الأولان ، آدم وحواء، فتـوَّرطا وأورطا معهما البشرية جمعاء (تك3: 6-19)!.

 

أما سؤالكِ فكان :” إذا كان الإجهاضُ خطيئةً ، في مفهومِنا الكنسي أو الديني ، فهل حبوبُ منع الحمل أو الكُـندُوم هي أيضا خطـيئة “؟.

 

أولا : إنَّ حبوبَ منع الحمل و الكُـندوم هي مواد وأشياء قد تكونُ بطبيعتِها الذاتية جـيدة

لأنها قد تكون دواءًا أو وسيلة لعلاجِ الأنسان من أمراضٍ مُعَّـينة. أما < إستعمالُها > فقد يكونُ هو جيدًا أو سَّـيئًـا ، وبالتالي يقود الى فضيلةٍ أو الى خطيئة. فالنيةُ أو الهدفُ في إستعمالها يجعلها سيئة إذا كان إستعمالها يُخالفُ شريعةً أو قوانين طبيعية وضعها الله. تماما كما يحدثُ في الأنظمة البشرية. فإنَّ بعضَها قد تخالفُ حرية الأنسان أو كرامتَه لكنها ضرورية لضمان الحق العام. مثلا قوانين المرور، أو الأقتناء والصرف، وغيرها.

 

ثانيًـا : إنَّ لحبوب منع الحمل و الكندوم مضاعفاتٍ ومفاعيلَ جانبية ، بجانب المفعول الذي يبتغيه منها مُستعملوها. إنَّ آثارًا نفسية كبيرة ومُهَّمة ظهرت على مستعمليها. بل أدَّت عند غيرهم إلى أمراض. لأنَّ مفعول هذه الأدوات هو منع الطبيعة من الوصول الى النتيجة الحتمية المترتبة على العلاقة الجنسية ، مع ممارسة العملية دون التفكير في النتيجة. مثل فتح تيار كهربائي ورفع المصباح حتى لا يضيء. فالأسلاك تحمل عندئذ في داخلها خطرا قد يسبب حريقًا هائلا يؤدي الى وفاة من ترك التيار مفتوحا في الأسلاك لأنه سدَّ في وجه التيار إكتمال الدورة ، وتركه مفتوحًا فيمكن أن يصل شيءٌ بين الحار والبارد و ينتج منه الحريق!!. 

 

ثالثًـا : أغلبية من يستعملون وسائل منع الحمل يطلبون لـذَّة الجنس وراحته ، و يرفُضون أن يتحمَّلَوا نتائجه. وهذا دليلُ أنانية وشهوانية سيئة تقود الأنسان الى التقوقع على الجسد فيخسر بقية القيم الأخرى. مثل مواطن يقصد محلاً للتبضُع. يأخذُ ما يشاء ويرفضُ أن يدفع ثمن المواد. هل هذا صحيح ؟. يُعتبرُ سرقةً يُحاسبُ عليها. وقد لا يُكتفى بإعادة المواد بل ويُضافُ إليها غرامة يدفعها حتى يُصَّححَ نيته الملتوية وإرادته السيئة!. تبعَ شهوتَه فدفعَ عنها ضريبة ربما أغلى جدا مما كان سيستفادُ منها !.

 

إنَّ اللذة الشهوانية للجنس ليست قائمة لذاتِها. إنها تابعة وناتجة عن فعل مُعَّين ، يتم بشكل خاص محدود، وتهدفُ إلى جَّر الأنسان الى القيام به لنيل الراحة ، وأيضا لأنجاب النسل بهدف استمرار البشرية في التواصل والنمو:” أنموا وآكثروا وآملأوا الأرضَ”(تك1: 28). ولولا اللذة لما أقام الزوجان بينهما علاقة فقط من أجل إنجاب أناس آخرين. ولو حُرِمَتْ الشجرة من ثمرتها الحاملة فيها بذرة الحياة لآختفت الأشجار أيضا. وهكذا منع الحمل، بدون عذرٍ شرعي، وبدون مراقبة توجيهية وبشكل عام ، سيؤولُ إلى إنقراضِ البشر. وعندئذ لا تُحَّـققُ الخليقةُ كمالها وهدفها. ويكون الأنسان يرفضُ قوانين الطبيعة الألهية ليُّبَـدلها بقوانين نابعة من شهواتِه ، وهي تزول!. 

 

الكنيسة و منع الحمل ، و وســائله !

 

وإن كان الكثيرون يتهمون الكنيسة بأنها ” مُعَّـقدة و رجعية ولا تحترمُ شخصية الأنسان ولا تراعي مصالحه ” مع ذلك إنَّ الكنيسة هي التي تسهرُ على الحَّق ومصلحة الأنسان أكثر مما يفكرون.  وإذا منعت، أو بالحري حددت طرق المنع، إلا إنها لا تمنع ” منع الحمل ” لذاته. تحكمُ عليه فقـط نظـرًا إلى أهدافِه و وسائِله. لأنه قد يعيش زوجان بشكل طبيعي ولا يُنجبان الأطفال. فالعقيمون من الرجال والنساء يقيمون علاقات طبيعية كاملة ، ولا ينتج عنها ثمر. وليست العلاقة مع ذلك لا ممنوعة ولا خطيئة. وحتى من يُنجبون لا ينجبون طفلا لكل علاقة.  وعندما تصلُ المرأة ” سنَّ اليأس ” فهي تتوقفُ طبيعيا عن الأنجاب مع أنها تستمرُّ في علاقة مع زوجها دون أن يكون ذلك ممنوعا أو مذمومًا.  إنَّ طبيعةَ جسم الأنسان تحملُ إمكانية الأنجاب أو عدم الأنجاب. تخضعُ حياةُ الأنسان لنظام دقيق ، وعلى الأنسان أن يتعَّرفَ على جسمه بشكل صحيح وجيّد. عليه أن يعرفَ إستعمالَ طاقاتِه كما تعرُضُها عليه الطبيعة ولا يُسـيءَ الى نفسِه ، وبالنتيجة الى البشرية جمعاء.

 

هـكذا فحبوب المنع والكندوم قد يكون استعمالها سيئًا فخطيئة ، وقد يكون عكس ذلك مقبولا. وهذا تبعا لكل حالة على مفردها ، ولكل شخص ينوي استعمالها.

 

في الطبيعـة.

إنَّ الدورة الشهرية للمرأة ونزول بويضة كل 28 يوما بآتجاه الرحم وموت الحياة فيها ، إذا لم تُخصب في الوقت المناسب ، كل هذه الأمور تُخضع عملية الإخصاب لنظام يمكنُ إتباعه بشكل طبيعي لعدم الأنجاب ، وهذا من صنع الله وضعه في الطبيعة، بدون الحاجة الى الألتجاء الى وسائل إصطناعية من فعل البشر. فهناك أثناء هذه الدورة أوقاتُ أمان وغيرها مثمرة ، وإذا إستعملها الزوجان لا يحتاجان الى الألتجاء الى الوسائل الأصطناعية وبالتالي مخالفة الطبيعة وتحمل الآثار السلبية والمُلامة لذلك. ويوم صَّوتت اللجنة التي شكلها البابا بولس السادس، وكان نصف أعضائها من علمانيين ومنهم أزواج ، لم يتوفقوا في أن يُبرروا استعمال الموانع الأصطناعية فتركوا للبابا أمرَ إصدار الحكم الفاصل.

 

في الكنيسـة.

وحكم البابا ، آستنادا الى المعطيات العلمية والدينية، على أنَّ إستعمال الحبوب أو الكندوم يتعَّلق بكل حالة خاصة. فمثلا: إذا كان حصولُ الحملِ خطرا على حياة المرأة فيمكن لها أن تستعمل الحبوب. وكذلك قال البابا بندكتس أنه عند وجود آمراض خطيرة كالأيدز وغيرها وهي مُعدية عن طريق الجنس يمكن إستعمال الكندوم حتى لا ينتقل الميكروب الى الطفل ولا تتأذى الأنسانية. وقد تحدثُ ظروفٌ أخرى تعذر إستعمال وسائل منع الحمل ، إنما تطلبُ الكنيسة إستشارتَها قبل استعمال الوسائل ، حتى لا يقيم كلُ واحد نفسه حَكَمًا و يُقّررُ حسب نزواتِه.

 

أما استعمال وسائل منع الحمل فقط بسبب عدم الرغبة في إنجاب عدد كبير من الأطفال ، أو حتى تحافظ المرأة على رشاقة جسدها أو بأي هدف آخر يُضاددُ طبيعة الأنسان ويخالفُ هدف الخليقة يبقى ذلك أمرًا مخالفًا ويُحاسبُه الله عليه. لأنَّ أنجابَ الأطفال أمرٌ من الله ، كما نوَّهنا، ولذة الشهوة ترافق الجنس للتشويق لعملية الأنجاب وتسهيلِها. ما تقوله الكنيسة إذن هو أن الأنسان مُكَّلَفُ بآستمرار الحياة البشرية على الأرض ، وعليه ان يقوم بها بوعي و إرادةٍ ومسؤولية. لا يليقُ بالأنسان أن يركضَ وراء شهواتِه ويتبعها كقيمةٍ ، مع أنها ليست سوى أعراضٍ ثانوية ، ويُهملَ دعـوتَه الأنسانية الأساسية كصورةٍ للـه و وكيلٍ له ليقودَ الكون إلى كمالِه. فمن خلقه وزوَّده بهذه الطاقة الحياتية سيُحاسبُها عليه بموجب معطيات الوحي وليس بموجب منطق الناس. موسى أيضا سمح بالطلاق نزولا لرغبة الناس وقساوة قلوبهم وحساب  منطقهم. لكن يسوع صَّرح وأكَّدَ أن ذلك خطأٌ لأنه ” لم يكن في البدء هكذا ” (متى19: 8). وأضاف :” أما أنا فأقولُ لكم ..” وهكذا أعادَ التعليم إلى حقيقتِه الألهية. و كَّلفَ كنيسته أيضا بأن تقود عملية التعليم في العالم، وأكد أن من لا يسمع، عبر الأجيال، للكنيسة يرفُضُه المسيحُ أيضا (لو10: 16). ولهذا تدعو الكنيسة الأزواج الراغبين في تحديد النسل أن يتصلوا أولا بالكنيسة لترشدهم الى السبيل السوي.

 

وهكـذا يمكن ان يُحكم على كل فعل إنساني بالعلاقة بما يُخالفُ شريعة طبيعتِه بالذات أو يُعارضُ الحق الألهي. وإذا كان كذلك فهو خطـيئة.       

 

 

القس بول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO