من هو ” يوحّـنان ” صاحب مزار شــقلاوا ؟

 من هو ” يوحّـنان ” صاحب مزار شــقلاوا ؟

 

أهلا وسهلا بالصديق العزيز والأخ الكـريم. سألتني عن الهـوية الشخصية لـ ” مار يوحنان “، المشهوربمزاره الواقع شرقي المدينة، مقابل الوادي المعروف بـ” كارا دْ مار طْرونيس” وعرفه الشباب الناشيء بـ ” كارا د زيتا “، لوجود شجرة زيتون كبيرة عند مدخلهِ. والى أسفلِ الزيتونة كانت قطعة الأرض التي عليها يفرشون خريفًا العنبَ ليجف فيصبحَ زبيبًا. من هو هذا ” يوحنان ” ؟ من أين جاءَ ؟ وماذا فعل ؟.

 

إنها أسئلةٌ ربما تبقى غالبيتُها بلا جواب، لأن مصادرتأريخية كثيرة تلفت. والمصادرُ النادرة الموجودة لا تتطرقُ الى كذا موضوع ،حتى ولو بذكره فقط. هناك من كتبوا في القرنين الماضيين عن شقلاوا، لكنهم لم يتورطوا في التطرق الى مار يوحنان ، لسبب بسيط لأنهم جهلوا عنه كلَّ شيء. وإن كان لأحد معلومة عنه ليتَه كَّرمَ به التأريخ وجماهيرمار يوحنان.

أما عن مـوقع مار يوحنان فإن لم توجد مصادر مكتوبة تُقـرأ ، فهناك لا زالت الشهود الأحياء التي تقدر أن ترويَ ما عرفت عنه : رؤية َ العين أو سماعَ الأذن.  

 

تأريخ شقلاوا مرتبط بربن بيا ، ومار يوحنان بنوع خاص بالأضافة الى مار أوراها ، مار كوركيس ، مار طوريس.. حيث توجد على أسمائهم أماكن محددة معروفة وموقرة  ومزارة

ومار يوحنان بالذات مشهور بالأشفية التي نالها على يده مرضى كثيرون لاسيما المصابون بأمراض نفسية وعقلية. يرتبط اسم يوحنان بصخرة شبه مدّورة يحّوطها سياجٌ من حجارة دائري ايضا مع فتحةٍ بآتجاه الشرق يدخل منها الزوارُ يطبعون عليها قبلة إيمان وتكريم ، ثم يتحَّلقون على السياج يؤدون صلاتهم ، ويُشعلون شموعهم ، ويطرحون المرضى أرضا حول الصخرة. وإذا كانوا كثيرين اتوا مع مريض للصلاة من أجله يقيمون صلاة جماعية قوامها وردية العذراء مريم ، يرتلون بعض الترانيم ثم يوزعون” القربان” النذر ويتناولونه مع شرب الشاي.

 

كان الأعتقادُ السائد ، ولا يزال، بانَّ تلك الصخرة كانت جزءًا من مذبح الكنيسة التي كانت آثارُ حيطانها واضحة للعيان الى سنة 1959/60 عند فتح الشارع الذي أزال تلك الآثار. ربما تقودنا هذه المعلومات الى غيرها لتكشف لنا قليلا وجه القديس. وجود الكنيسة يعني وجود جماعة من مؤمنين قربها أو حولها. ويقوي هذه النظرة وجود مقبرة الى شمال المزار على بعد كيلومتر أو أقل، في قطعة الأرض المملوكة للسيد شمعون سلمان (غليفة! ). مع وجود آثار بيوت وتنانير( تنورى) الى جنوب المزار، على سفح الجبل ، وغربيه ، اى المنطقة المعروفة بـ ” محلة لرزك “. كانت قرية تقطنها عوائل مثل القرية على سفح جبل ربن بيا ، او مار أوراها أو قلعا دْ كاولى أو ميرة سن. لم يزرعوا الشجر في شقلاوا الا بعد سنة 1870. كانت قبل ذلك مزارع للرز حسبما قصَّ لنا جدي أوراها ربان, وكان يتذكر ان حقول الرز كانت تمتد حتى تشمل منطقة ميركاسير؛ وكانت مياه عين ترما ترويها وتصلها بواسظة القناة التي تمر فوق مزار مار يوحنا، وكانت تمر سابقا بموازاة الشارع القديم في سفح الجبل.

 

وقد تكون محلة لرزك كوة تنفتح على معلومات أكثر تجلي لنا وجه القديس يوحنان. أما الأسم لرزك فيبدو قليلا غريبا. وربما يجبُ أن نلفظه في لغته الأصلية. يذكرعن ذلك سنة 1903،  الراهب القس متي شابا الخوراني ويقول :” والأصح اللرزقي “(كتاب : تاريخ شقلاوا، للشماس ميخائيل كوسا، ص 114). كما يدعوعشيرة القس يوسف يوحنا  من أرموطة ” اللرزقية ” (ص103). والمعروف أن الكاهنين معروفين عامة بـ” الخوراني”، خاصة الأول كانوا من سكنة لرزك. وإذا لفظنا الكلمة في لغتها الأصلية تكون ” الأزرق “.

وعلى اسم الأزرق تركّ لنا التأريخ أسم مطران هو ” يوحنان الأزرق”.

 

عاش يوحنان على عهد البطريرك حنانيشوع الأول (685 – 699 م) ، ثم صار أسقفا لحـيرة سنة 705م أو قبلها. إشترك  في انتخاب البطريرك مار فثيون ، سنة 731م، كما يذكره التأريخ ايضا عند انتخاب مار آبا الثاني بطريركا سنة 741م. سنة 705م طلب الملك عبد الملك بن مروان (685-705م) من يوحنا ان يرسل الى حرمِه أربعين عذراء (كتاب المجدل، ماري بن سليمان، روما، 1899: ص 65) من الحيرة. وكتب عنه البطريرك يوحنا أبجر سنة 902م قائلا:” أقام المطران وشعبه باعوثة مستنجدين الله لينقذهم من هذه المحنة. وفي اليوم الثالث، وأثناء تلاوة الأنجيل، عرف يوحنا بموت الملك في دمشق. فتوقفَ عن قراءة الأنجيل وأعلن النبأ على المؤمنين. ثم تابع قراءة الأنجيل والقداس. وفي اليوم التالي أقيمت صلاة الشكر” (رسالة البطريرك يوحنا الى ابو العباس عن سبب باعوثة العذارى التي كانت تقام الأثنين بعد عيد الدنح مباشرة. انظر: مخطوطة فاتيكان العربية 157 ص 84-85).

 

هذا يوحنان أسقف وقـديس. وآسمُه الأزرق. ومزار مار يوحنان في شقلاوا يقع في محلة اللزرق. وتجري على يده معجزاتٌ كثيرة. كان اسقفا لحيرة وهي شهيرة بأن ملكها نعمان بن المنذر استحوذ عليه الشيطان ، في عهد وثنيته ، وشفاه منه اسقف حيرة شمعون و سبريشوع اسقف لاشوم (داقوق) وايشوع زخا رئيس دير اجتمعوا وصلوا لأجله وطردوا الشيطان ثم عمدوا الملك وأولاده. وهل يكون غريبا وهو المشهورعنه بالشفاء من أمراض نفسية وعصبية؟.

 

لكن ينطرحُ سؤال: ومن قال بانَّ يوحنان مزار شقلاوا كان أسقفا؟. وهنا أيضا نعودَ إلى ذاكرة الأجداد الذين قصوا علينا أخبارًا تدّلُ على ذلك. أخبرنا جدي أوراها ربان كلكا بأنَّ أخاه يعقوب ، والد المطران عبدالأحد ربان (1916- 1998م)، كان راعيا. فحدثَ له وأن أباتَ قطيعه ليلةً في أطراف المزار، ناويا بذلك ان يحرسَ بستانهم المجاور للمزار. كان خريفا والرمان قد استوى. عصفوران بحجر واحد: قطيعه مُؤَّمَن وكذلك بستانه!. لكنه راى بعد يومين أو ثلاثة حُلمًا ،ظهر له رجلٌ شيخٌ ، مُلتحٍ ، يلبس ثوبا أبيض يشبه بدلة القداس، ويحمل شارات أسقف. اقترب الشيخ من يعقوب وقال له:” يا إبني إنَّ خرافك توَّسخُ مقري. لا تبيتُه هنا بعد الآن. هذا مكان مقدس”. ثم غاب. ولما إستيقظ يعقوب لم يُعِرْ الحلمَ اهتماما. واستمر بجلب قطيعه الى المزار. جاءَه الشيخ في الحلم ثانية وأعادَ عليه الطلب. ثم أعلمه بعدم راحتِه وحَّذره من الأساءةِ الى القطيع اذا لم يستجب لطلبه. بدأ يعقوب يقلق ويُفكرُ. ظهر له القديس مرة ثالثة وحذَّره من مغبة عدم الأستجابة لطلبه. استيقظ يعقوب مذعورا. روى الخبر للعائلة. فأمره والده ربان ايليا كلكا (+ 1918/19) بان يُبعدَ قطيعه بأسرع وقت وأن ينَّظفَ المزار من الوسخ الذي سببته الخراف. وكما نقل الرواة عن يعقوب ربان كلكا إن الشيخ الذي تراءى له كان مطرانا!.

 

آخر سؤال ينطرح : ومن يؤكد بأنه هو نفسه أسقف الحيرة ؟ ومن أتى به إلى شقلاوا؟. ليس ضروريا أن يكون قد قدم بنفسه الى شقلاوا وعاش فمات فيها. يكفي أن سمعة قداستِه حملت الرئاسة الكنسية المحلية على بناء كنيسة على اسمه تيمُنا بشفاعتِه. مريم العذراء ومار كوركيس من أتى بهم الى شفلاوا بحيث بنيت الكنائس أو أقيمت مزارات على اسمهم ؟. القداسةُ تنتشرُ أكثر من الرياح. لأن الله هو الذي يُكّرمُ قديسيه فيحمل الناس على اللجوء اليهم والأقتداءِ بفضائلهم.

 

مع ذلك ليس مستحيلا أن يكون قد قضى سنيه المتقدمة في شقلاوا مبتعدا عن الحيرة التي عرف مؤمنوها بعد ذلك شقاقات لاسيما في انتخاب البطاركة اذ كان لحيرة صوتٌ بارز في ذلك. كما فقدت بريقها بعد سقوط  الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية. المهم أن تكون الكنيسة على اسم يوحنان الأزرق. وقد تحور اللفظ من الأزرق الى اللرزق، ثم عُرِفت قرية المنطقة باسمه بشكله الحالي حيث تحّول ” لرزق” الى < لرزك >.

 

القس بول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO