الأحــد الثـاني لمـوســى

الأحــد الثـاني لمـوســى

 

 

الإيمـان والأعمــال !  

 

يُتلى علينا اليـوم انجيل -::< لو8: 40-56 >::- ويقُّصُ علينا خبرَين متداخلين : ابنة يائير و المنزوفة. فبينما يتـوَّجهُ يسوع الى بيت يائير ليُشفيَ إبنتَه، وهي تعاني من مرض خطير رغم عمرِها الغَّض < 12 سنة !> فقط ، أثناء تنَّـقلِه لمستْ إمرأة مُصابة بنزفِ دمها طرفَ ثوبِه فقط فشُفيت. ولما إعترفت بفعلها مدَح يسوع إيمانها. في هذه الأثناء بلغَ نبأُ وفاةِ الفتاة. أما يائير فبدأ ييأسُ للخبر إذ فقدت حيانَها وكادَ المعَّلمُ أن يصلَ الدار فيشفيها.  شَّجعه يسوع على الأستمرارفي الأيمان وسينالُ مأرَبَه.

 

إيمــانكِ خَّـلصَـكِ !

 

سارت المرأة المصابة بنزف الدم في موكب يسوع ربما مع مئاتٍ غيرِها. لأن الجموع ” كانت تزاحمُه وتُضايِقُه “. ربما رافقت الجموعُ يسوع لا لغاية سوى أن ” تشاركَ مجدَ مرافقةِ نبّيٍ و معلم ” طار صيتُه بعيدًا. والحشرُ مع الناسِ عـيدٌ!. إنَّ الفضولية والصدفة تخدُم أحيانًأ. أما عن هذه المريضة فلا يبدو الأمرُ هكذا. لقد عالجت مرضها. ولم تدَعْ ، مدة أثنتي عشرة سنة، طبيبًا لم تقصُدْ عيادَتَه. ويُضيفُ مرقس قائلا :” قد عانت آلامًا مُـبَّرِحة.. وأنفقتْ جميعَ أموالِها ولم تستفِدْ شيئًا. لا بل صارت من سَّييءٍ إلى أسوأ. لما سمعت بأخبار يسوع ، إندَّسِتْ بين الجمع..” (مر5: 26-27). يئست المريضة من العلاج البشري من جهة ، وتيَّقنت من جهة أخرى بأنَّ دواءَها لدى الله وحده. وآمنت أنَّ يسوع هو الله الذي يسيرُ بين البشر ليُداويَ جروحَهم.

 

وجاءَتها الفرصة. يسوعُ يجولُ في ديرتِهم وقد طبَّقت شهرة عجائبِه الآفاق. ولم يُسمع أنه خَّيبَ طلبَ أحد. حُّبها للحياة دفعها دفعا الى مقابلة يسوع وعرض طلبها عليه. ثم ترددتْ. كيف تحشر نفسها ، وهي إمراة ، بين الرجال. إنه عيبٌ وقد تُلام. وإنها علاوة ًعلى ذلك في وضع قانوني لا يسمح لها أن تختلطَ مع الناس. إنها تنزفُ دمًا. وتعتبرها الشريعة نجسة حتى تقتضي طهارتُـها تقريبَ ذبيحةِ خطيئةٍ عنها، وقد أوصت :” وإذا سالَ دمُ آمرأةٍ أياما كثيرة في غير وقت طمثها أو بعده ، فلتكن في جميع أيام سيلانها نجسـة كما في أيام طمثها…” (أح 15: 25-30).

 

لكنها لا تريد أن تخسرَ الفرصة مهما كلَّـفها من ثمن. حالتها شاذة لكنها لا تستحي بها ، وتـثـقُ بأن دواءَها في متناول يدها فلا تترَّدد. إندَّست خِفية بين الجموع و آقتنعت أنه يكفيها أن تلمسَ ” طرف ثوبه ” فقط. بعملها ذاك لا تُلفتُ نظر أحد. ولمستْ بحذرٍ، إنما بثقة ، طرفَ ثوبه ونالتْ ما أرادت فتوَّقفَ نزيفها. وكانت ليسوع إلتفاتة خاصّة نحوها باركَ لها إيمانها وقّـدَمه للآخرين نموذجًا ، وحـافزًا !.

 

لآ تخَـفْ .. لا تفـقُـدْ إيمانَـك !

 

آمن يائيرُ بيسوع ولهذا طلب منه شفاءَ إبنتِه. لكن إيمـانه خضع لآمتحانٍ قاسٍ هّـزَ كيانه كله. لقد إقتربَ المعلم من داره وكادَت أمنيته أن تتحَّقق فتكتملَ سعادتُه. وإذا به يُفاجَأُ بالفاجعـة : ” قد ماتت إبنتُك لا تتعب المعلم “. نزلت عليه الكلمات مثل صاعقة ربما أوحتْ إليه ” لقد فشلتَ في إيمانِكَ. وضعتَ ثقتك في غير محلها. لا ينفعُك اللـه “!. لقد خانه الحظ. لقد إنطفأ نور الحياة من بيتِه بوفاةِ وحيدَتِه وآنقطع ثمرُ شجرتِه. لم يبقَ له بعد أملٌ يحيا من أجلهِ. ماتَ مع فتاتِه كلُ حُلمٍ وكلُ رجاءٍ. تمنى أن يصرخَ لشدة ألمه ، إلا إنَّ صوت الحزن إختنقَ في حنجرتِه. رفعَ ألحاظـه الثقيـلة نحو يسوع وكأنه يريد أن يوَّجهَ إليه  الكلامَ مُعتذرا عن تكليفِه باطلا. ولكن قبل أن يتفوه

 

بكلمة سبقه يسوع وبادرَه بما يُعَّبرُ عن أنه يحُّسُ بمأساتِه ، وأنَّه يؤكـدَ له بأنَّ بابَ الحياةِ ما زال مفتوحًا ، يكفي أن يستمرَّ في إيمانه ولا يشكَّ. لا يستسلم لليأس. لا يفقد إيمانه بالله. الله هو مانح الحياة ، و وحدَه يحميها ويُجَّددُها، و كأنه يقول له : ” لا تدع الضعفَ ينال منكَ. لا تدع التجربة توهن عزيمتَك. لا تسمحْ لأبليس أن يغلبَك. إنه طبيعي أنَّ مَن يؤمنُ تصيبُه التجارب : ” فكلُ من أرادَ أن يحيا في المسيح حياة التقوى أصابه الأضطهاد ” (2 طيم 3: 12). آمِنْ يا يائير ما دمتُ أنا معك. إعتبر إبنتَك نائمة ً فقط. أنا أتكفـلُ إحيـاءَها. حياتَها بيدي. وما دمتَ طلبتَ لأنك آمنتَ ، إستمِرْ في إيمانِكْ “. وصمدَ يائير فعلاً في إيمانه ضد كلِ رجاءٍ بشري (رم4: 18) ونفَّـذَ كلَ ما أمرَ به يسوع.

 

 

إيمــانٌ مع أعمـال !

 

قال يعقوب الرسول انَّ ” الأيمان بدون أعمال ميت”، لأن الشياطين أيضا تؤمن بوجود الله وبقدرته ومجده لكنها ” ترتعدُ ” لأنها لا تُحّـبُهُ فلا تثق به ولا تُصغي اليه بل تقاومه وتنافسه. بينما ابراهيم إكتمل إيمانه بالأعمال (يع2: 18-26). لقد أحَّبَ اللـهَ فـتبعَ صوته وكَّملَ مشيئـته. و هذا مبني على كلام الرب : ” ليس من يقول لي يا رب يا رب يدخل الملكوت ، بل من يعمل أعمال أبي” (متى7: 21) ويُثمرُ البدرة التي زرعها فيه (متى25: 20-27). مع الأيمان تلزم المحبة ، ومع المحبة تتبع الطاعة للـه (أع4: 19). ولهذا قال بولس الرسول: ” القيمةُ للأيمان العامل بالمحبة ” (غل5: 6).

 

لقد قارنت المرأة المريضة وقارن يائير إيمانهما بيسوع بالفعل. لقد إلتجأوا اليه. وثقوا به لأنهم أحَّبوهُ أيضا. وجودُ الأنسان هو فعلُ محبةٍ إلهي. والأيمان به أيضا يجب أن ينطلقَ من المحَّبة. والمحبة وحدَها تضمنُ العلاقة الصحيحة مع اللـه : ” أحبب الله من كل قلبك وفكرك وذهنك ” (تث 6: 5 ؛ متى22: 37). فعملُهما تعبـيرٌ قوّيٌ عن إيمانهما ومحبتهما.

 

فالأعمالُ وحدَها تُكَّمل الأيمان وتجعله مُثمرًا. ولهذا قال الرب ” وسيجازي الرب كلَّ واحد بحسب أعماله “(متى 16: 27). فـمَدحَ أعمالَ ملاك كنيسة أفسس (رؤ2:2) وذَّمَ أعمال ملاك كنيسة سرديس (رؤ3:3 ). وحتى عن الموتى قال:” طوبى للأموات الذين أرضوا الرب. يقولُ الروحُ : أجل ، فليستريحوا منذ اليوم من المتاعب ، لأنَّ أعمالَهم تصحَبُهم ” (رؤ14: 13). لا نخلط أعمالَ الأيمان بأعمال الشريعة. إنَّ أعمالَ الشريعة إذا نُّـفِذتْ حرفيا، بدون إيمان ولا محبة ، لا قيمة لها (متى7: 22-23). بينما كلُّ عملٍ نقومُ به استنادًا الى إيماننا بالمسيح وعن محَّبة أي بروح تلمذة المسيح متشَّبهينَ به، فذلك لن يضيعَ أجرُه عند الله (متى10: 42 ؛ مر9: 41).

 

وهذا النص لم يُكـتَبْهُ الأنجيليـون لا للمنزوفـةِ ولا ليائير. إنهُ مكتوبٌ ” من أجلنا أيضا نحن الذين يُعَّـدُ لنا الأيمانُ بِّـرًا لأننا نؤمنُ ..” (رم4: 24). هل لنا أعمالٌ نابعة من الأيمان والمحَّبة نقـدرُ أن نعرضَها أمام الرب ونفتخرَ بها ؟. هل نؤمن بالله ، بحكمته وقدرتِه ، و بوعوده أم نشُّك كما شكَّ موسى (عدد 20: 12-13)، وشك اليهودُ صارخين :” حتى متى تُدخلُ الريبة َ في نفوسِنا ” (يو10: 24) ، و شك بطرس (متى14: 31) ، ويشك اليومَ أبـناءُ العالم؟. وهل نُحّبُ يسوع كما أحَّبَهُ بطرس أكثر من كل التلاميذ مجتمعين (يو21: 15) فنثقُ به كما وثقَ به بطرس فأعلن :  ” الى من نذهبْ وكلامُ الحياةِ الأبدية عندك!. نحن آمنا بك وعرفنا أنَّـكَ قـدوسُ اللـه “(يو6: 68)؟.

 

 

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO