الأحــد الأول لموسـى

الأحــد الأول لموسـى

خـيرٌ لـكم أن تعـفــوا عــنه !

تُـتـلى علينا الرسالة -::< 2كور2: 1-11 >::- ويُخبرُ فيها الرسول بولس أهل كورنثية أنه يأبى زيارتهم من جديد بعدَ الأهانة التي لقيها من أحدهم ، سبَّبَتْ لهم جميعا إحراجًا وغَّـمًا بحيثُ قررتْ الجماعة مقاطعة المخالف وعـزله حتى يستحيَ ويتراجعَ عن غلطـتِه. إعتبرَ الرسول العقابَ شديدًا أكثر من اللازم فيطلبُ من الجماعة إعفاءَه ومسامحتَه لئلا تؤَّديَ هذه العزلة إلى يأس المخالف و”الغرق في بحرِ الغم “(آية7). موقفٌ نادرٌ لم نتـعَّودْ عليه !

مــبدأُ العُـزلة !
نقرأ في تأريخ الكنيسة أنها حرمت مؤمنين من إعطائهم أسرار الكنيسة لمخالفاتِهم إما الأيمان المستقيم أو الأخلاق المسيحية المثالية. ونسمعُ في عصرنا أحيانا ، وعن بعض القائمين في السلطة، تهديد مؤمنين يخرجون عن سبيل الأيمان العام أو السلوك الآدابي المتفق عليه بآتخاذ إجراءاتٍ عزله عن بقية جسم الكنيسة وممارساتها الأيمانية. لقد مارس بولس نفسه هذا الأجراء ضد أهل تسالونيقي :” نوصيكم أيها الأخوة ، بآسم الرب يسوع المسيح ،أن تبتعدوا عن كل أخ يسيرُ سيرة باطلة خلافا لما أخذتم عنا من سُّــنة “، ويُضيف :” من لا يُطيع كلامَنا … فراقبـوهُ ولا تخالطوه ليخجلَ ..” (2تس 3: 6 و 14).

ونلاحظ أن بولس يتخذ كذا إجراء ” بآسم المسيح “، مُعتمدا على ما جاء في انجيل متى على لسان يسوع ، بخصوص الأصلاح الأخوي، ” وإن لم يسمع للكنيسة أيضا ، فليكن عندكَ كوثني وعشَّـار”(متى18: 17). لذا سيوصي بولس الرومان ” لا تكونوا مقرونين بالكفار في نير واحد. أي صِلةٍ بين البر والفجور؟ و أيُّ علاقةٍ للنور بالظلمة؟ …وأيُّ شركةٍ بين المؤمن والكافر؟ وأيُّ وفاق بين هيكل الله والأوثان ؟ فنحن هيكلُ الله الحي “(رم6: 14-16). كل مخالفة لتعليم المسيح تُعَّـدُ إذن ” وثـنا “. آما المسيحي فإذ هو هيكل الله لقد حلَّ فيه روح الله ، ومن يخالف مشيئة الله يهدمُ هذا الهيكل(1كور3: 16-17) ويخضعُ لتجربة الشيطان (متى16: 23). فـإذا خرج مسيحيٌّ عن الخط العام للأخلاق المطلوبة يَعزلُ نفسَه عن الكنيسة. في المسيحية لا يجوز العملُ لسَّيدين معا ، لأنه لا يمكن التوفيقُ بين الألهي و الدنيوي(متى6: 24). والمسيحي الذي هو ” في حكم النعمة”(رم6: 14) مدعو الى قداسة السيرة ، و” من إستهان بذلك لا يستهين بانسان، بل باللـه نفسِه “(1تس4: 2-8).

والغفـران صورة للمحّـبة !

لكن العزلة، الحرمَ، ليست لذاتِها. ليست ثمرة حـقدٍ ” ولا تعاملوه معاملة عدو، بل انصحوه نصحَ أخ لأخيه “(2تس3: 15)؛ ولا رغبة في الأنتقام فقد قيل ” لا تقاوموا الشرير”(متى5:38)، بل ” أقهر الشر بالخير”(رم12: 21). فالعُزلةُ إجراءٌ علاجي بهدف واضح ومحدود : ” الأصلاح “. العزلُ نتيجة الأيمان في حمايةِ المؤمنين الآخرين من انتقال عدوى الشر إليهم. وثمرةُ المحَّبة في إتخاذ إجراءٍ ” لإصلاح ” المؤمن الخاطئ ودعوتِه إلى التوبة. إنَّ المحبة التي تجمعُ المؤمنين ، “وآجعلوا المحبة شديدة بينكم ” (1بط1: 22؛ 4 : ) ، “محبة صادقة ” (رم12: 9) ، ” محبة صبـورة ” (اف 4: 2)، “محبة تُفَّـعلُ الأيمان “(غل5: 6)، “محبة مثل محبة المسيح لنا “(يو13: 34). و المسيح الذي ” أحبنا إلى اقصى حدود الحب “(يو13: 1) قد سامح البشرية “يا أبتاه إغفر لهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون “(لو23: 34).

الغفـرانُ شـرطٌ إيمــاني !

إذا كان الغفران من المحبة ، فالمحبة من الأيمـان. وبالنتيجة فالغفـران من الأيمــان. لقد أدركَ بولس ذلك. ولذا إذا دعا إلى الأصلاح فدعـا إليه إستنادا إلى الأيمان وبالطريقة التي خطها لنا. فليسَ الأصلاحُ إنزالَ العقوبةِ للقضاءِ على الشّرير. الشَّرُ لا يُقضى عليه. لأنه ليس جرثومة خارج الأنسان تُصيبُه وتتحكمُ به. الشَّرُ ينبعُ من داخل الأنسان” من فكره وقلبه “(متى15: 19). لأن الأنسان عاقل وحر. فهل تُستأصَلُ الحرية ويُحذفُ الفكرُ؟. وإذا حصلَ ذلك فهل يبقى إنسانٌ ؟. ومن يقدرُ على ذلك؟. الشر إلتواءٌ في النية وآعوجاج في الأرادة. لذا فالعقوبة في المسيحية هي لتصفية النية وتقويم الأرادة لدى المخالف، وبذلك ” لا يريد اللهُ موت الخاطيء بل أن يتوب ويحيا أمامه ” (2بط3: 9). فالمسامحة والغفران مع التثقيف علاجٌ للشر.

بولس آمن … فـغفـرَ ؟

آمن بولس. ولأنه آمنَ أحَّبَ حتى أعـداءَه. ولأنه أحَّبَ سامحَ الذي أهانه في كورنثية وفي غيرها ولكل من أساءُوا إليه. بولس يثقُ بالمسيح ويُـنَّفِـذُ وصـيتَه ، كما جاءَ في مثال عبدِ السوءِ القاسي : ” كان يجبُ عليكَ ، أنت أيضا، أن ترحمَ رفيقَك كما رحمتُك أنا ” ويُضيفُ :” هكذا يفعلُ بكم أبي السماوي إنْ لم تغفروا ،كلُّ واحدٍ منكم لأخيهِ، من صميمِ قلبه “(متى18: 33-35). كان مار بولس يتلو كلَّ يوم صلاةَ ” أبانا الذي..” ويطلبُ من الله :” إغفِـرْ لنا خطايانا لأننا نحن أيضا قد غفرنا لمن أساءَ إلينا ” (لو11: 4). بولس يتذكر كم أساءَ الى المؤمنين ، كم أخطأ. وقد غفر له الربُّ كلَّ إساءاتِه. بولس حَّرَضَ المؤمنين على الحلم والمسامحة :” إذا غضبتم فلا تُخطئوا، ولا تغرُبَنَّ الشمسُ على غضبكم. لا تجعلوا لأبليس سبيلا ” (أف4: 26). بولس يعرفُ أن ابليسَ يخدعُ الأنسان (تك3: 4-5) ويحاولُ أن يُهلكَ الأنسانَ بحيلهِ وأكاذيبِه (يو8: 44) وبوساوسه (آية 11)، لأنه خصمُ للأنسان و” يرودُ كالأسد الزائرفي طلب فريسةٍ له “(1بط5: 9). أمن بولسُ أنَّ حياتَه واحدة فلم يقسمها بين ” ساعةٍ لربي وساعةٍ لقلبي”، بين الروح والجسد، بين الأيمان و الإلحاد، بين العالم والله، بل كرَّسها كلها لله لأنه يؤمنُ أنها كلها” منهُ، وبـهِ، ولَـهُ “(رم11: 36).

ونحنُ هل نؤمن .. و نــغـفـر ؟

هكـذا رأينا أنَّ الغفران من عناصر الأيمان الأساسية ، لأنه قّـمةُ المحّبة التي هي أكبر وصية و تختصرُ ” الشريعةَ كلها والأنبيـاء” (متى22: 40). وكلنا نَّدعي بأننا نؤمنٌ بالمسيح ونفتخرُ به. ولكن هل نتـقَّـيدُ كلنا بوصَّـيتِه الكبرى وبما ينبعُ منها؟.هل نُحّبُ ونغفر؟. كم إخـوة تصارعوا بينهم وتقاضوا لدى المحاكم بسبب الطمع بالميراث وداسوا المحبة بأقدامهم؟. كم أزواجًا إختلفوا فتباغضوا وآفترقوا وألقوا الغفران في سَّـلةِ المهملات؟. كم جيرانا تزاعلوا بسبب حفناتٍ من تراب أرض الحدود بينهم رافضين المحبة وساخرين من الغفران؟. كم صديقًا كرهَ صديقه لأنه نافسه على مصلحةٍ ، أو أزاحَه من منصبٍ ؟. وكم رفيقًا غدرَ برفيقِه ليسرقَ ما له ، فقتله وآستولى على ثروتِه؟. وكم مُغَّـفلا أو مُغّررًا به أو طمَّاعا سلك دربَ الأرهابِ وقتلَ الأبرياء ورفضَ المحبة ، ورفضَ الأعتذار؟.

نعتبرُ الغفران جُبْـنًا وضُعفا ، والعربُ تقول :” العفو عند المقدرة “؟. نعتبرَ الجهادَ في سبيلِ الحياة واجبا ، وبآسمها نقترفُ ألف مأساةٍ ومأساة ، فنُـرَّملُ آلافَ النساء ونُـيَّتمُ عشرات آلاف الأطفال ؟. نَّـدعي أننا نؤمن ونُحّبُ اللـه والناس ولا نتراجع عن أن نكذبَ أونحتال عليهم لأجل مكسبٍ مادي؟. ندعي أننا نؤمن ونحب ونسامح ولا نكُّف اللعن والدعاء بالسوء على من ظلمونا أو أهانونا؟. المحبة ليست بالقول بل بالفعل!. الغفران ليس بالتمني بل بتحقيق المُصالحة!.

ونحن أيضا نقرأُ مثل بولس الكتابَ المقدس ، ونتلو كلَّ يوم صلاة ” أبانا الذي “، وجَّربَنا ابليسُ فأخطأنا كثيرا ضد الله وضد البشر، فكم نؤمن مثله ونُحّبُ الجميع ونسامحُ من يُسيءُ إلينا ؟. لقد سار بولس على درب المسيح ، وآقتدى به فأحَّبَ وسامحَ وأعطانا المثل ، بل أوصانا : ” إقـتدوا بي كما أنا أقـتدي بالمسيح ” (1كور11: 1).

وهــذا هـو الأيـمـــان ، أن نشهدَ للمسيح فـنقـتدي به ونـغـفـر!!

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO