وجـودُ تماثيل القديسين في الكنائس الكاثوليكية

 وجـودُ تماثيل القديسين في الكنائس الكاثوليكية  !

 

 

سألتني أحدى الأخوات  تقول  :  ”  ليشْ كنائسنا الكاثوليكية بها تماثيلُ القديسين ” ؟.   أهلا وسهلا بالأخت الكريمـة ، والربُّ يُكثرُ من أمثالِكِ السائلين بحثًا لتنوير إيمانِهم و ” يُشبعُ سنيكِ خـيرا “(مز 103: 5).

 

قامت في القرن الثامن والتاسع الميلاديين حركةٌ دُعيتْ بـ ” بدعة محطّمي الصور و الأيقونات ” وقد قاوَمَها بقّوة القديس يوحنا الدمشقي (675-750م) بقـناعةٍ مشهودة وغيرةٍ إيمانية. ومن جملةِ من حاربَ ” تكريم الصور والأيقونات ” الأباطرة البيزنطيون : ليون 3 (716- 740) ، وقسطنطين 5 (740-775م)، ولـيون 5 (813-820م). وقد إعتبروها  ” عبادة أصنام ” تبعًا لما جاءَ في العهد القديم :” لا تصنعْ لكَ تمثالا ولا صورة شيءٍ…  لا تسجُدْ لها ولا تعبُدْها ” (خر20: 4). ويُكَّملُها نصُّ التثنية مُوَّضحًا ومُبَّررًا :” .. لأنَّ الرَّبَ حين خاطبكم .. لم تروا له صورة ً، لئلا تفسدوا وتعملوا.. فتندفعوا وتسجدوا لها وتعبدوها ” (تث4: 15-19) ، لأنَّ الله ” عظيمٌ فوق جميع مصنوعاتِه ” (سيراخ43: 28).

 

درسَ الأمـرَالمجمعُ المسكوني السابع المنعقد في نيقية سنة 787م وأجازَ تكريمَ الصورقائلا :” كلُ من يُكَّرمُ صورة ً يُكرمُ فيها الشخص المرسوم ” ويوصي بها قائلا :” كما هو الأمر بالنسبة الى تمثيل الصليب المقدس الثمين والمُحيي ، فلتوضع الأيقونات المكرمة والمقدسة .. في كنائس الله المقدسة : ايقونات ربنا والهـنا .. وسيدتنا والدة الله ..والملائكة .. وجميع القديسين والأبرار”. ويبدي التبرير لهذا التعليم :” .. كلما رأيناهم ممَّثلين في الأيقونة وحدَّقنا اليها حملنا ذلك على أن نتذكر ونحب النماذج الأصلية وأن نقدم لهم التحيات والأكرام. لا العبادة الحقيقية الخاصة بإيماننا ، وهي تليق بالطبيعةِ الألهية وحدها..”. تماما كما يحدثُ عندما نُكَّرمُ صور والدينا وإخوتِنا ونوليهم إهتماما خاصا بتأطيرها وتزيينها و..الخ ، لا ننوي لا عبادَتها ولا عبادةَ ذوينا ، بل نُـقدرذوينا ونكرمهم مبدين لهم محبتنا وتعَّلُقنا.

وقد أَّيَده مجمع ترنتـو ، الجلسة 25 ، سنة 1563م ، قائلا:” .. يجب إقتناء وحفظ ايقونات المسيح والعذراء مريم..وسائر القديسين.. وتقديم الأكرام الواجب لها، لا أننا نعتقد أن فيها بعض الألوهة .. أو نسألها شيئا ، او نضع ثقتنا بالأيقونات ..مثل الوثنيين ..لكنَّ التكريم الذي نحوطها به يعود الى من تُمَّثلها.. فمن خلال الأيقونات التي نقّبلها ، وأمامها نكشف عن رؤوسنا ونركع ، نعبدُ المسيح ونكَّرمُ القديسين..”. ويستندُ هذا التعليم على تقليد الآباء في شرحهم للأيمان المستقيم المبني على الكتاب المقدس.

 

مع الخضوع لوصية العهد القديم تقول الكنيسة :” لكن الله أمرَ، منذ العهد القديم (خر25: 10- 22)، بصنع صورٍ تقودُ رمزيا الى الخلاص بالكلمة المتجَّسد ، أو أذن بذلك : هكذا الحال مع حيَّةِ النحاس وتابوت العهد والكروبيم ” (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية ، رقم 2130). وتُبررُ الكنيسة تعليمها بأنها تستندُ الى ” سر الكلمة المتجسد ” :” فآبنُ اللـه قد بدأ بتجَّسدِه تدبيرا جديدا للصور” ( المصدر السابق ، رقم 2131). لم يصنع الأنسان صورة لله ، بل هو الله الذي أخذ صورة الأنسان ، راسمًا لنفسِه صورة ليعرفه البشر، فقال يسوع : ” من رآني رأى الآب ” (يو14: 9).  

 

تقول أيضا :” لم يكن ممكنا على الأطلاق قديما أن يُمَّثلَ بالصورةِ اللـهُ المُنَّـزهُ عن الجسد والشكل. ولكن وقد ظهر لنا اليومَ في الجسد وعاشَ مع الناس ـ فزال خطرُ عبادة الأصنام ـ يجوز لي أن أرسم صورة ما رأيتُ من الله… فنحن نعاينُ مجدَ الرب بوجهِه المكشوف “

( القديس يوحنا الدمشقي ، التعليم المسيحي، رقم 1159).  

 

و تؤَّكدُ الكنيسة بآستمرار أنَّ ” الأكرام المسيحي للصور لا يُخالفُ الوصية الأولى التي ” تُحَّرمُ الأوثان “. فالأكرام المؤَّدى لصورةٍ ما إنما يبلغ إلى مثالها الأصلي..” وهذا الأكرامُ ” إجلالٌ وآحترامٌ ، وليس عبادة. لأنَّ العبادة لا تليقُ إلا بالله وحدَه ” (المصدر السابق ، رقم 2132).  و تُعلمُ الكنيسةُ أيضا أنَّ ” الصور المقدسة في كنائسنا وبيوتنا تهدفُ الى إيقاظِ إيماننا بسّر المسيح وتُغَّـذيه. فنحن إنما نعبدُ المسيح من خلال أيقونتِه وأعمالِه الخلاصية. و من خلال الصور المقدسة التي تمثّلُ والدة الأله القديسة والملائكة والقديسين نُجّلُ الأشخاصَ الذين تُمَّثلهم ” (التعليم المسيحي ، رقم 1192). وتضيف الكنيسة أخيرا بأنَّ عملية الرســم والنحت ” المسيحية تنقلُ بالصورة الرسالة الأنجيلية التي يتقلها الكتاب المقدس بالكلمة. فالصورة والكلمة تستنير إحداهما بالأخرى ” (التعليم المسيحي ، رقم 1160).

 

وما قيلَ عن الصوروالأيقونات ينطبقُ أيضا على التماثيل لأنها تمَّثلُ بدورها شخص المسيح أو العذراء مريم أو القديسين الذين إرتضى بهم اللـه ويقدّمهم لنا ” نماذجَ نقتـدي بها “. ولا تنسى الكنيسة في التوصية بالأبقـاءِ ” على عادةِ عرضِ الأيقونات المقدسة والصور في الكنائس لتكريم المؤمنين ..” ( مجموعة قوانين الكنائس الشرقية ، ق 886).

 

إنَّ الكنيسة تُعَّلمُ وترشد كما طلبَ منها المسيح (متى28: 19)، ومن لا يسمع منها يكون يرفضُ المسيح نفسَه (لو10: 16). وقد يحصل فعلا ويخالف البعض ، جهلا أو لا مبالاة ً ، فيعتبرون إكرام القديسين في صورهم وتماثيلهم عبادة ً فعلية، أو يُشَّـددون على تكريم الصور والتماثيل بالقُبلاتِ والركوعِ أمامها. إنَّ الكنيسة ترفضُ ذلك وتُنَّـبه ولكن لا تقـدر أن تحكم على ضمائر الناس وسرائرهم ، ولا أن تدين أحدًا. وإن كانت تبقي على التماثيل والصور فلكي تقدّمها فقط مثل وسائل إعلام ٍ وإيضاح تُساعدُ على عبادةِ اللـه فقط.

 

 

القس بول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO