كلمة غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو

كلمة غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو
في احتفالية القداس الإلهي في كاتدرائية القديس رافائيل الكلدانية
بيروت – لبنان
الأحد 29 أيلول 2013 

أحيّيكم جميعًا وأشكرُكم على حضورِكم، ومحبتكِم ومشاركتِكم إيَّانا اليوم في صلاتنا ورجائنا
أحيّي سيادة راعي الابرشية الجليل مار ميشال قصارجي وكهنته الاحباء وشمامسته، وبنات وابناء ابرشية بيروت الكلدانيّة، كما أحييّ السادة المسؤولين على حضورهم
1- هذه الزيارة الراعوية لأبرشية بيروت الحبيبة كانت لي فرصة للصلاة وشحن الرجاء وتبادل الخبرات ووجهات النظر لتعزيز الوحدة الكنسية والشركة بين الابرشيات الكلدانية من جهة، وبين كنيستنا والكنائس الشقيقة من جهة ثانية، ومع اخوتنا المسلمين تطبيقًا لدعوة الارشاد الرسولي لقداسة البابا بندكتوس السادس عشر: “الكنيسة في الشرق الاوسط شركة وشهادة” لتاتيَ شهادتُنا مسيحيّةً قويّةً ومؤثرةً. وبهذه المناسبة أوَدُّ ان أُعرب لكم عن اعتزاز الكنيسة الكلدانية براعيكم وما حققه لكم من خدمات وانجازات، وبكهنتكم وبكلِّ واحدٍ منكم لمحبتكم والتزامكم بتقاليدكم واخلاقكم، ولإلتفافكم حول اسقفكم وكنيستكم
2- حافظوا على جذورِكم وهويّتِكم المسيحيّة المشرقيّة الاصيلة، وتمسكوا بها امام تحديّات قاسيّة تهدف الى تشويشها. اثبتوا على ايمانِكم وربَّوا اولادَكم عليه فهو طريقُ رجاءٍ لعيشِ انجيل يسوع المسيح. كما ادعوكم الى التمسك بكنيستكم الام في بلاد الرافدين، وبوطنكم لبنان، لبنان الخير والانفتاح، لبنان التنوع والحرية، لبنان التعددية والوحدة والعيش المشترك
3- للكلدان في لبنان جذورٌ عميقةٌ وحضورٌ وتفاعلٌ ولتراثهم الادبي والكنسي الى جانب تراث انطاكية وبيزنطية والعرب أهميّة في تاريخ الحضارات، لذا فمن حقِّهم ان يُمثلوا في مجالات الدولة كمجلس النواب والوزارة، مع الاقليات الاخرى. ان التقييم لا ينبغي ان يُقاس على منطق غالبية العدد، بل على النوع والاقتدار، وقد تملك الاقلية العددية تأثيراً أقوى من الغالبية. وجود الاقليات وتواصلهم يتوقفان على تمثيلهم الفعلي في كل مرافق الحياة في الدولة، فهو يصون هذا الوجود ويحميه، وهو ركيزة تحقيق ديمقراطية حقيقية وعدالة كاملة
4- اؤكد على وحدة الكنائس المسيحية وتفعيل العمل المسكوني لأنها اليوم ضرورة وجوديّة ملحّة أمام التحديات الكبيرة التي تُهدد بقاءَنا. لا مستقبل لنا من دونها. اؤكدُ على الوحدة وأُحمّلُ الجميع مسؤوليةَ تحقيقها وبخاصّة البطاركة الشرقيين. الوحدة هي رغبة يسوع والانقسام خطيئة. انه يتعارض مع الايمان ويعيق الشهادة المسيحية. انقساماتنا سببتها عوامل ثقافية وشخصية وسياسية وسلطوية وليس ايمانية. ايماننا واحد، لكن بتعابير مختلفة، فلا سبب للبقاء منقسمين. الوحدة التي أشير اليها ليست فيدرالية كنائس، ولا ذوبان هوياتنا الكنسية الخاصّة في نمط واحد، انما اقصدُ وحدة في التعددية وشركة مبنية على الايمان الواحد والاحتفال بالأسرار المقدسة والاتفاق على الموقف والخطاب. هذه الوحدة تحافظ على وجودنا وتواصلنا وحقوقنا ودورنا. مرة اخرى اؤكد لا مستقبل لنا اذا بقينا كنائس صغيرة مناطقية تقليدية ومنغلقة على ذاتها. لابد من الاصلاح. والاصلاح مسألة حياة أو موت بطيء! الانفتاح والتجدد والتأوين والاتحاد ينبغي ان يشمل البنى الكنسية ومؤسساتها وطقوسها وبرامج التربية المسيحية وانظمة التعليم والخطاب اللاهوتي. انسان اليوم لا يستطيع عيش حاضره ما لم يكن له الرّجاء. الرجاء يجدد حياتنا الفردية والجماعية والكنسية ونظرتنا الى الوجود والمستقبل، كما أكدّ الارشاد الرسولي “الكنيسة في الشرق الاوسط” : “فلتتمكّن أخوّة المسيحيِّين من أن تصبح، بشهادتها، خميرةً في العجين الإنسانيِّ (راجع مت 13، 33)! وليتمكَّن مسيحيّو الشَّرق الأوسط، الكاثوليك والآخرون، مِن أن يقدموا في الوحدة وبشجاعة هذه الشَّهادة، غير السّهلة، إنما المعظّمة، من أجل المسيح، لنَيِل إكليل الحياة (راجع رؤ 2، 10ب). إنَّ الجماعةَ المسيحيِّةَ بأسرهِا تشجّعَهم وتدعمهم. لتكنِ المحنة الَّتي يعيشها بعض أخوتنا وأخواتنا (راجع مز 66 [65] 10؛ أش 48، 10؛ 1بط1، 7) سبباً في تقوية الأمانة وإيمان الجميع! (الرقم 99)، نحن في البلدان العربية ذات الغالبية المسلمة بحاجة الى لغة لاهوتية بسيطة متجددة مفهومة للمسيحي والمسلم، اقرب الى لغة الكتاب المقدس واباء الكنيسة الاوائل منها الى لغة افلاطون وارسطو
5- التحديّات التي تواجه المسيحيين الشرقيين وتهدد بقاءهم عديدة. إن الشعور السائد عند المسيحيين هو أنهم عالقون في لعبة اكبر منهم. فحركات التطرف الديني ودعوة بعضها إلى تكفير غير المسلمين والحث بشكل علني على عدم الإشتراك في أفراحهم وأحزانهم، يقلقنا ويرعبنا ويهجرنا من ديارنا ويغربنا عن ارضنا ويفقدنا بالتالي هويتنا. صراحةً هناك تمييز على أساس ديني يمارس على المسيحيين في بلداننا اقله في مستوى الشارع وفي بعض التشريعات والقوانين: نذكر على سبيل المثال حرية التحول الديني في اتجاه واحد فقط، وقوانين الاحوال الشخصية، والتعتيم على التاريخي المسيحي، مما يجعل المسلم العادي يعتقد أن المواطن المسيحي انسان غريب، و يولد عند المسيحي شعورا بالاغتراب فيندفع الى الهجرة
6- ليدرك الجميع ان اليوم لا يمكن ان يكون الدين، اي دينٍ، نظاماً للدولة المعاصرة وإذا ما حصل ذلك فستكون الكارثة عليه وعلى الدولة معًا. قواعد الدين عموماً ثابتة، في حين أن قواعد الحكم متغيرة ومبنيّة على المصالح. ولا حلّ عربّي إلاَّ باعتماد المواطنة الواحدة، فالبلدان العربية خليطٌ من شعوبٍ وقومياتٍ وثقافاتٍ ولغاتٍ ودياناتٍ ومذاهبٍ. لذلك ادعو القيادات العربية والمرجعيات الدينية المسلمة الى معالجة هذا الوضع ومتابعة هذه الأفكار التي تخلق الفتنة والفرقة وتضر بالنسيج الوطني وتقوض العيش المشترك. على رجال الدين مسيحيين ومسلمين ومن ديانات اخرى ان يتحدوا وان يتعاطوا بشجاعة وصراحة ووضوح مع التطرف الديني واستغلال الدين لمآرب سياسيّة، عبر خطة تربوية تقوم على الانفتاح على الاخر وتقبله، وتسعى لتعزيز الحوار والتفاهم وتمتين جسور التعايش السلمي بين شعوب المنطقة، فالسلام قيمة مشتركة لدى كل الديانات
7- نحن المسيحيون جزءٌ اساسيٌ لا يتجزأ من نسيج المشرق وثقافته وتاريخه، جذورنا عميقة تمتد الى الفي سنة لا يمكن اقتلاعها. وحملنا أوطاننا في وجداننا وكثير منا ضَحَّوا بحياتهم مع اخوتهم المسلمين من اجل توطيد قيم الحرية والسيادة والكرامة والعيش المشترك. اننا نريد العيش في بلادنا وأرضنا من دون تمييز بين اكثرية واقلية، لا نريد الهجرة، نريد العيش بعزة وكرامة كمواطنين نتمتع بحقوقنا ونؤدي واجباتنا
8- على المسيحيين في الشرق الأوسط ان يواصلوا شهادتهم في وضعهم الواقعي وعلى الرغم من الصعوبات والمعاناة ينبغي ان يكونوا علامة حقيقية للأمل والسلام لمواطنيهم. وان يجتهدوا لتحسين الحوار والتفاهم على أساس حقوق الإنسان والقيم الدينية، وان ينخرطوا أكثر في نشاطات الثقافة والمجتمع والسياسية، وألا يخافوا من المطالبة بحقوقهم المدنية والمساواة في المواطنة
9- ما يحدث في المنطقة يقلقنا ونذكر بشكل خاص ما هو حاصل في سوريا من اقتتال بين ابناء الوطن الواحد، نتمنى ان يكف الاقتتال لئلا تنزلق سوريا والمنطقة الى مزيد من الفوضى والعنف، وندعو الجميع الى اعتماد العقلانية والحوار والتفاهم من اجل تحقيق الاصلاحات المطلوبة واشراك الجميع في العملية السياسية. الاقتتال لا يحل المشكلة، بل يعمقها ويعقدها ولا يخلف الا الموت والدمار. على الغرب ان يساعد على احترام حقوق الانسان بنفس المقياس الذي به يحترم مواطنيه. ومن هذا المنبر اناشد كل ذوي الارادة الصالحة للعمل من اجل اطلاق سراح المطرانين الجليلين يوحنا ابراهيم وبولس اليازجي وكلّ المخطوفين
10- وهنا لابد لي ان احيي لبنان بفرادته واصالته وكرمه في احتضان الكل بدفء وتفاعل مما جعله الوجه المشرق للمنطقة وعنصر تعزية وعلامة رجاء. اتمنى ان تحتذي به الدول العربية. شكرا للبنان الذي استقبل اللاجئين الفلسطينيين والعراقيين واليوم السوريين مع كل متطلبات وتحديات ذلك، هذا الاستقبال جعل لبنان الصغير فعلا كبيرًا ومختلفًا. واتمنى من اللبنانيين ان يحافظوا على وحدة بلدهم وفسيفساء طوائفهم الثماني عشر الجميل بتفاهم ومحبة وتعاون. واتقدم بشكري الجزيل الى الكنيسة المارونية على كرمها في استقبال واحتضان الكنائس المضطهدة خلال السنوات الغابرة، كما اشيد بدور كنائس لبنان في مجال التربية والثقافة والخدمة الاجتماعية والصحية والحوار والتفاعل بين مختلف الطوائف والاديان. لنتضرع الى الله تعالى في هذا الزمن الصعب، لينعم على بلداننا بالأمن والآمان. يا رب السلام امنحنا بلادنا السلام

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO