الأحــد الثالث للصليب / السادس لأيليا

الأحــد الثالث للصليب / السادس لأيليا

 

 

أيَّـتُها المـرأة ، ما أعـظــمَ إيمــانَـكِ  !

يُتلى علينا اليوم أنجيلُ –::< متى 15: 21-28 >::- ويَروي لنا خبرَ المرأةِ الكنعانيةِ التي تخرُجُ من بلادِ صورَ وصيدا، حيث يتوَّجهُ يسوع، لتلتقيَه وتعرُضَ عليهِ حاجتَها وتُلِـحَّ في سؤالِها إلى أن يشفيَ إبنتَها التي قد تمَّكنَ منها الشيطانُ ويُعَّذبها. يتظاهرُ يسوع أولا بأنه لايُهمُهُ أمرُها، مع أنه مُتَّجهٌ إلى بلادِها، لأنها وثنية بلا إيمان ، لكنها تُقارعُ الحُّجة بحُجج إيمانية لا نتصَّورُ دَمغتِها حتى لا فقط تنالُ من يسوع شفاءَ إبنتِها، بل و تحصلُ منه على وسام ِ مدح ٍ رفيع ٍ تفتخرُ به هي وآلافُ الأجيالِ المؤمنة اللاحقة.

 

حـوارُها مع يسـوع !

بدأت المرأة طلبَها بإعلان إيمانِها أنَّ يسوع هو ” رَّبٌ ، سليلُ داود ” ، أى المسيحُ المخَّلصُ المـوعود. من أين لها هذه المعلومة وهي وثنية؟. إن دَّلَ هذا على شيءٍ فهو يدُّلُ على إهتمامِها به قبلَ الألتجاءِ إليه. لآبد أنها سمعت بإيمان اليهود، وهم جيران، وعقيدتهم في الحياة. بحثتْ و تساءَلتْ وكَّونتْ فكرة لا فقط عن تصَّورِهم عن الحقائق الدينية ، بل وعرفتْ أيضا تعاليَهم على كل الشعوب. فغيرُ اليهود الوثنيون ليسوا في نظرهم سوى بهائم!. ولكنها عرفتْ أن هذا التعاليَ ليس تعليمًا إلَهـيًا، بل هو فقط إجتهاد عنصريٌّ وتفسيرٌ خاطِيء لأيمانِهم، وتعبيرٌ فقط عن نفسية اليهود وآفاقِهم الضَّيقة.

 

ولما أشعرَها يسوع بموقف اليهود هذا “لايحسن أن يُؤخذ خبزُ البنين ويُلقى إلى جراءِ الكلاب ” (آية 26)، أى ليس معقولا أن أعطي لأطفال الوثنيين ما هو من حَّقِ أبناءِ الشعبِ المؤمن ، أجابَته بتواضع ٍ بليغ يُفجّرُ كلَ ينابيع الرحمة :” وجراءُ الكلاب تقتاتُ من الفُتات الذي يسقط ُ من موائد أصحابها” (آية27). يكفينا ما يفضلُ عنهم. إعتَبِرْ إيمانَنا حتى ولو فضلة ً من فضلاتِ إيمانهم. لا يهمها كيف ينظرُ إليها اليهود. وتعترفُ بأن لهم فضلاً في معرفةِ الله ، وهم شعبٌ يعبدونه ويحُّق لهم أن يتمتعوا بخيراتِه. وتُضيفُ، وكأنها تقولُ له :” تلك دعوة ٌ وتكليفٌ بمُّهمـة ، أما أنت فإلَـهُ كل الناس. وأنا مؤمنة ٌ بأنك الأله الآتي لخلاص البشرية جمعـاء. لآ يهُّـمُ من يكون سَّيدًا ومن عبدًا. بل لا تريدُنا عبيدًا لأنك تدعو الناسَ كلهم أحّباءَك “(يو15:15). يُهمك أن نؤمنُ بك. وأنا مؤمنة أنك إلاه. أنا مؤمنة أنك آتٍ لمُداواةِ جرح البشرية كلها. أنا جزءٌ من تلك البشرية . وأنا سقيمة جريحة ، وأنت وحدك قادرٌ على علاجي وتـلبيةِ سؤالي.

 

صحيحٌ أنا لم أعرفْ اللهَ. لم يُحَّدثني عنه لا أهلي ولا شعبي. لمْ يُنَّورْ أحدٌ أمامنا السبيلَ إلى الله. وأنت لم أعرفْكَ قبلاً. ولما سمعتُ بك تعَّقبْتُ أخبارَكَ وما يُقالُ عنكَ. عرفتُ أنك وحدَك الطبيبُ الشافي لأمراضِنا. لا أستحقُ أن تضعني على مستوى شعبك. آمنتُ أنك خالقُنا وضامنُ حياتِنا كلِنا. سمعتُ أنك قلتَ أنك نور العالم (يو8: 12) ، وأعمالك حميدة ومجيدة، فآمنتُ أنك أنت المصلحُ الأجتماعي لأخلاقِ الناس. وإن كان شعبي في ظلام وضَلال إلا إنَّ نورَ حياتِكَ المُشّع سيخترقُه ويُضيءُ له. وأنا وشعبي شعبُك. لذا قررتُ أن آتيَ إليكَ أسألُ رحمَـتَكَ. ورغمَ جهـلي وخطأي إلا إنك لا تريدُ ولآبنتي الشقاء والهلاك. وصلني أنك قلتَ :” لا يشاءُ أبوكم الذي في السماوات أن يهلُكَ واحدٌ من عؤلاءِ الصغار”(متى18: 14). ونحن أيضا أبناءُ هذا الآب. و ابنتي إحدى هؤلاء الصغار!. وبلغني أيضا أنك صارحتَ أنك ” يريدُ رحـمة ً لا ذبيحـة ً “، لأنك جئتَ ” لأجل الخاطئين لا الأبرار”(متى9: 13). وها انا الخاطئة أمامك فآرحـمني حتى لا أصبحَ أنا وآبنتي ” ذبائحَ ” رخيصةٍ للشِّرير!.

 

وإذا كنتَ حسِبتنا ” كلابا “لماذا أجهدْتَ إذن نفسَك وقدمتَ بلادَنا؟. وإن كنا نحن أنجاسًا فلماذا دعَوتَنا إلى نبعِكَ: ” من كان عطشان فليأتني ، ومن آمن بي فليَشربْ ” (يو7: 38)؟. بل أنتَ تُحّبُنا وتريدُ لنا الحياة (يو10:10). أنت الراعي الذي يريدُ لَّمَ شمل قطيعِه البشري كله (يو10: 16) ، وأنك لمْ تأتِ لتحكمَ علينا بل لتُخَّلصَ العالم كله (يو12: 47). وقد وعَدتَ الحياة لكلِ من يؤمنُ بك (يو5: 25). وصَّرحتَ أن كلَّ من يسألكَ بإيمان ينالُ مأربَه (متى21: 22). فأتيـتُكَ آمِـنة ً وسائلة ً الحياة. إني عطشى إلى نعمتِك. وجئتُ لأشربَ من رأفتِك ، وأرتويَ من رحمتِك. رُحمـاكَ إذن يا سَّـيد !. رُحمــاك !

 

 

إيمــانٌ مَّسَ كيانَها كـلَّــه  !

إمَّـا ايمانٌ مثل هذا، أو بلا ايمان!. إيمان نال مديحَ الرب وترَكَه بذلك نمـوذجًا للأجيال التالية. 1+ إيـمانٌ نَّورَ فكرَها. آمَنتْ بيسوع وهو لا يملكُ لا مالاً ولاجاهًا ولاسلطانًا ولا حتى مظهرا خارقًا يجذبُ الناسَ إليه. ليس من قومها. ليس من دينها. ليس من مدينتها ولا من أهلها. وربما لا يتكلمُ حتى ولا لغتها. كلُ ما يمكن أن يُقالَ عنه: إنه غريبٌ فقير. إنما كلامُه يهُّـزُ كالرعدِ وَجدانَهم ، وأعمالُهُ تنيرُ كالبرقِ أذهانَهم. فلم ترتَبْ في هويةِ شخصِه. لا يقوى البشرُ على ما يقوى هو عليه. حتى ولا أنبياءُ اليهود وعباقرةُ الرومان وفلاسفة اليونان أتوا بما يأتي هو به. إنه لا شكٌّ فيه “وجهٌ الهي”. لا أحد غيرُ الله يقدرُ أن يفتحَ عيون أعمى من مولِدهِ (يو9: 33) أو يغفرُ للخطـأةِ كُـفرَهم (لو7: 48 ؛ متى9: 2-6).

 

2+ إيمــانٌ دفعَها الى لقـاءِ يسوع. لمَّا أحَّستْ أن يسوع قادمٌ الى حدود بلادِها ، وربما كانت تراقبُ الطرقاتِ برجاء أن تراهُ يوما في مناطقهم فتذهبَ اليه وتفتح له قلبَها. يستحيلُ عليها لقاؤُه في منطقةٍ يهودية. فأولَ ما طرقت الفرصة بابَها لم تُفلِتْها من يدِها ، بل خاطرَتْ بسمعتها و  قررتْ تحَّمُلَ تداعياتِ تصُّرفها إذْ ربما يُحبطُ يسوع مسعاها ويرُّدُها خائبة ً. أسرعتْ مع ذلك تتبعُ من بعيد موكبَ التلاميذ، ولا تتجاسرْ أن تقتربَ كثيرا إذا لمْ يدعُها أو سمحَ لها. لذا ظلَّتْ

 

تصرُخُ مُعلنة ً إيمانها، وطارحة ً سؤالها، إلى أن أُتيحَ لها فواجَهَتْه وسجدت له.

3+ إيمــانها ألهَمَـها كلامَـها. لمْ تعتبرْ تجاهلَ يسوع البدائي لها إهانة ً، ولم تغـتَظْ ولا إعترَضَتْ تذكيرَ يسوع لها بوثنيتِها وكيف يذُّلها اليهود، ولا يئِسَتْ عندما سمعته يدَّعي أنه ” لم يُرسَلْ إلا ألى الخرافِ الضالةِ من آلِ اسرائيل”، بل رَّدتْ على يسوع بكل تواضع ٍ وأدبٍ ورباطةِ جأش و ثقةٍ مُعترِفة ً بوضعها الحقير، منادية ً بقوة بايمانِها، شارحة ً وضعَها ، عارضة ً سؤالها ، مِّـما جعلَ يسوع يرى بريقَ الأيمان يلتمعُ في عيونِها، وينقط ُ كالعسل من فيها، ويضطرمُ كالنار في قلبها فحَّركَ رحمَته ، كما سيُحَّركُ إيمان مرتا ومريم حُّبَه لِلعازر، فحَّررَ إبنتَها من قيدِ ابليس.

 

 

مــاذا نفَّـكرُ نحــن ؟

إنه حَّـقًا إيمانٌ عظيم. إمرأة غريبة الأُمَّة وثنية جاهلة تتعَّرفُ إلى يسوع وترى لاهـوتَه من خلال أعمال ناسوتِه ، بينما يحتارُ فيه رؤساءُ اليهود وقادتُهم وحكماؤُهم وتملأُ الريبة ُ نفوسَهم ( متى 11: 9) فيصرخون بوجهِه :” إن كنتَ المسيح فقُلْ لنا صراحة ً”(يو10: 24). ولمَّا عرفوا الحقيقة حاولوا أولا أن يرجموهُ (يو8: 59؛ 10: 31) ، ثم سعوا أن يقتلوه (يو5: 18) ، وأخيرا عزموا على قتله (يو11: 53) فصلبوه (يو19: 18). هذا ما فعله اليهود.

 

ونحن المسيحيين، هل نعترفُ بيسوع ، بالفكر والقول والفعل، أنه الألهُ الذي يُخَّلصُ العالم؟. هل يدفعُنا إيماننا إلى الصمودِ بوجهِ تحَّدي أهل العالم ونحملُ صلبان العالم وآضطهادَه؟. هل نبحثُ فنتعرفَ على حقيقة المسيح ؟ هل إفتهمناه؟. هل ننـشُرُ أخبارَيسوع وننادي بتعاليمِه؟. وهل نهتَّـمُ بأن يتعَّرَفَ أولادُنا ومواطنونا والغرباءُ الى يسوع المسيح فيلتقوا به لينالوا الحياة، ويتخلصوا من قبضةِ الشرير، فنحارب مملكة ابليس وأعوانِه ونُطاردُه بعون الله فيخرجَ عن حياتِنا لينعمَ البشرُ كلهم بالسلام والراحة والهناء؟. إنَّ الكنعانيةَ جديرة ٌ بأن تُلهبَ إيماننا فنجعـلُهُ يعملُ بالصـبر (يع1: 12) والمحَّـبة (غل5: 6).

 

القس بـول ربــان     

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO