الإعـلان عن نيــات القـداس

الإعـلان عن نيــات القـداس 

 

سـألني احد الأخوة عن قراءة نيات القداس بعد الأنجيل وهي أسماءُ موتى مجهولين للكثيرين، وعبر على وفاة أصحابها سنواتٌ طويلة. وقد تحَّـدث هو، وحده أو مع آخرين ، مع كاهن الرعية والشماس ” الذي يقرأ الأسماء “، وهي نفسها تتـكَّررْ، وقد مَّـلُ المؤمنون من قضاءِ وقت طويل لسماع مئـاتِ أسماء الموتى ، وربما لا تطول الكرازةُ مـثلها ، ولم يوجدْ قـديمًا في كنائسنا في الوطن شيءٌ شبيه وصار الواحد أثناءَ قراءَتها يشعرُ ” وكأنه ليس في كنيسة بل في محَّلٍ تجاري ” !، ويُتـابعُ القول : ” فسؤالي هو :  لماذا لا تُوَّضحُ الكنيسةُ للشعبِ بأنَّ دفعَ المبالغ لأجل قراءَةِ أسـماء موتاهم عَـلنا أمام الجميع ليس فيه من الدينِ أو الأيمان شيء. ناقشتُ هذا الأمر شخصيا مع القس والشماس وكان ردُّهم بأننا ‘ن لم نقـرأ الأسـماء فلن يدفع لنا أحـدٌ فلسًـا واحد ” !

 

أهـلا وسهلا بالأخ العزيز. إنَّ سؤالكَ يتـفرَّعُ إلى أسئلةٍ كثيرة تستحَّقُ الأجابة عليها لأنها من صميم حياةِ المؤمن المسيحي. وسأحاولُ أن أوضحَّ كلها على قـدر المُستطاع. وإن شاءَ الله تلقى الجواب الذي تنتظرُهُ. واذا بدرَ لكَ أيُّ سؤال آخر فلا تترَّددْ في الكتابة لي وأنا بخدمةِ كلِ مؤمن يُحاولُ أن يُنَّـورَ إيمانه ويُنَّـقيه من كل شائبَةٍ أدخلها الزمان عليه.

 

¨       قراءة أسـماء الموتى.

صحيحٌ أن كنائسنا لم تشهد قبل ستين سنة قراءة أسماء الموتى، وخاصةً بعد قراءة الأنجيل. ما يحدُثُ الآن دخيلٌ. لا أدري من بـدأ به أولاً في العراق. إنما الأكيد أنَّه بدأ في قراءة  أسماء الموتى الجدد لليوم الثاني والثالث. ثم مُـدَّ إلى اليوم السابع ، ثم إلى الأربعين فالعيد ، فالسنة. وآنتقلت العادة من مدينة إلى أخرى ، أحيانا بمبادرة الكهنة وأخرى بناءًا على طلب المؤمنين لأنهم عاينوا الأمرَ في كنيسةٍ أخرى. ومعروفٌ عن الخطأ والشر أنهما ينتقلان بسُرعة أكبر من الخير والحق !. 

 

أما تأريخيا وطقسيًا فتذكرُ الكتبُ الطقسية بأن أسماء الموتى تُقرَأُ مع أسماء القادة الأحياء ، إنما ليس بعدَ قراءةِ الأنجيل بل بعدَ تبادلِ السلام ، ومباشرة قبل بـدايةِ صلاة الأنافورة أي رتبة تكريس التقادم وتحويلها إلى جسد ودم المسيح. تقولُ ملاحظة في طقس القداس : ” ويتبادلون السلام ، ثم يقرأون < ديُـوبَطخينْ > أى سفر الأحياء والأمـوات “. إنما كان يقـرأُها الكاهن وليس ” الشّــماس “!.

 

¨       موتى عبر عليهم زمن طويل.

الصلاة من أجلِ الموتى ليست مُحَّـدَدة بحديثي الوفاة. إذا كنا نُصَّلي من أجل موتانا فلأننا نؤمنُ بأنَّ الموتى قد لا يحضون ، حالَ وفاتِهم ، بالملكوت كما حصلَ لصُّ اليمين (لو23: 43). بل يقضون زمنًا في ” المطهـر” للتنقية عن خطايا غُفِرَت للمائت بسبب تـوبتِه قبل وفاتِه إنما لم يتيَّسرْ له أن يُكَّفرَ عنها فيوفيَ دينَه.  ويدفعَ ديونَه بعد الوفاة إلى آخر فلس كما قالَ الرب (متى 5: 25-26). ونحُن لا نعلمْ كم يطولُ عذابُ المطهر. كشفَ الربُ لإحدى القديسات أن شخصا كان مايزالُ في المطهر بعد 38 سنة من وفاتِه. وعندما ظهرتْ مريمُ العذراء في بلدة فاتيما / البرتغال سنة 1917 طلبت من الرؤاة الثلاثة أن يُصَّلوا ويُقَّدموا تضحياتٍ من أجل النفوس التي في المطهر، وكان لبعضهم سنوات طويلة فيه. وقد أنعمت على الرؤاة برؤية المطهر المُؤلم وسألتهم أن يُسعفوا تلك النفوس بالصلاة واللإماتات.

 

¨       أسـماءُ مـوتى مجهـولين للحاضرين.

لمَّا طلبت العذراء الصلاة من أجل الأنفس المطهرية لم يكن الموتى لا معروفين للرؤاة ولا من زمانهِم. لا يهُّمُ أن نعرفَ المَّيت المطلوب أن نصَّلي من أجله. لا ننسى أننا في المسيح كلنا لا فقط معروفين للبعض بل نحن أقرباء ، وأكثر من ذلك نحن إخوة في المسيح ما دُمنا كلنا أبناءُ الله مُعَّـمدين بآسم المسيح. وفي السماء لن نكون عوائلَ ومجاميع عشائرية أو ذوي قرابة دموية. بل نكونُ كلنا عائلة واحدة وشعبٌ واحد : شعبُ المسيح. لهذا فالموتى هم مُلك ومسؤولية جميعِنا. وإذا صَّلينا من أجلهم فالقديسون الذين مع المسيح في المجـد يُصَّلون من أجلنا كلنا.

 

¨       تتـكَّررُ الأسـماء كل أحــد.

 يحدُثُ أنَّ بعضَ العوائل تُصَّلي من أجل موتاها الجُدد كلَّ أحد إلى حدِّ سنةٍ بعدَ الوفـاة إيمانًا بأن يُسعفوهم سريعا إذا كانوا في المطهر. وهذا ليس أمـرًا سَّـيئا. إننا إذا صادفَ وسُجنَ أحد أفرادِ أسرتنا فنحاولُ كلَّ جهدِنا أن نُـنقِذه من عـذابِه بأسرع وقت. وإذا عملنا الشيءَ نفسَه لموتانا فالطوبى لنا. إنما إقامةُ قداديس خلال السنة أو حتى أكثر ليس مُرتبطا بالضرورة بقراءة الأسم. يُمكنُ أن نقَّدِسَ على نية الموتى دون الإعلان عن أسمائِهم.

 

¨       طولُ قائمـةِ الأسـماء.

لا يوجَدُ لدينا تحديدٌ لعدد الأسماء التي يجبُ الأكتفاءُ بقراءَتِها. الأمرٌ مُتعَّـلقٌ بمبادرةِ الشعبِ في طلب الصلاة لأجل الموتى من عدمه. فإذا رفضَ الكاهن تسجيل النيات : أيَّها يرفض وأيَّها يقـرأ؟. قد يخلقُ مشكلةً أكبر وأخطر. ربما تطولُ القوائمُ بسبب ” رخص ” حسنة القداس. إنَّ حسنة القداس قد حَّـدَدتْها أبرشية ستوكهولم بـ ” 50 ” خمسين كرونا. أما الكلدان فقد تباكوا فقرَهم وطلبوا ألا يدفعوا أكثر من 20 عشرين كرونا!. أما للتـبرُّج والحفلات فلا يدَّخرون المال بل ينثرونَه آلافًـا على المُحتفَى بهم!. ومن جهة أخرى لا يمَّـلُ الناس أن يجلسوا ساعاتٍ وساعات لمشاهدةٍ فلمٍ أو مسلسل ، أما كُلَّما تعَّلقَ الأمرُ بالأمور الروحية فلا يتجَّرعون ضيقا قليلا ويتشكون. هذا لا يعني أنهم دوما مُخطِئون ، وأنَّ الكاهن مُصيبٌ في تصَّرفِه. إنما قصدي يأتي الحكمُ دومًا ” نَـزَويًا ” أى حسبَما نهضُمُه نحن أو لا نهضُمُه. أنا واثقٌ من أنه لو أدركَ الشعبُ كلَّ الرموزأو أسباب ما يجري في الكنيسة لآختلفَ موقفُه ولا فقط يقبلُ أشياءَ كثيرة ويتلذذها بعدَ أن كان يمَّلُها ، بل وتكون له مواقف إيمانية كثيرة تبني الرعية وتُغَّـيرُ وجهَ العالم. قد لا يكونُ الحَّلُ فقط في تقصير القوائم، بل في تثقيف المؤمنين عن كل أبعاد القداس وأهـدافِهِ، أن يجريَ كلُ شيء بوعي وتصميم.

 

¨       قـراءة مقـابل المال.

أما دفـع ” حـسنة ” عن كلِ نيّـةٍ يُطلبُ الصلاةُ من أجلها ، فليس ذلك ” مُقـايضَـة ً” < المال مقابل قراءة الأسم >!. نقولُ ” حَسَـنة ” ، أى صَـدَقة. نظَّـمت الكنيسةُ في سابق الأزمان معيشة الكهنة وضمنتهاعن طريق حسناتٍ يدفعُها المؤمنون للأكليروس وحتى للسواعير. ثم دُعيت الحسنات ” رسومًا “. والكنيسة لم تفرُضْها قط. أرشدت المؤمنين أن يوفروا معيشة كاهنهم بهذه الطريقة ، ولكنها أرشدت الكاهنَ أيضا في نفس الوقت ، ولا زالت تعمله ، بأن يقَّـدمَ الخدمة للمتعففين حتى إذا لم يدفعوا له تلك الحسنة. بل حتى المتمكنون والأثرياء لا تحرُمهم الخدمة الروحية حتى إذا قصَّروا بواجبهم تجاه كنيستِهم أو كهنتهم. واليوم حيثُ تنظمَّتْ معيشة الأكليريكيين عن طريق ضريبةِ الدولة فالكنيسة تمنعُ الكهنة من فرض الحسنات أو الرسوم. أما إذا أحَّبَ مؤمنٌ أن يدفعَ حسـنة ً ما مقابل عمادٍ أو زواج أو إقامة قداس فهو حُّرٌ أن يفعلَ ذلك أو لا يفعل. وإذا فعلَ فما قدَّمه يُدعى ” هدية”. ومن الأفضل أن تدخل تلك ” الهـدايا ” صندوقَ الكنيسة وليس جيبَ الكاهن. وإذا كانت الرعية تجهلُ هذا الشيء ، فهوذا قلـتُه لكم ، وتصَّرفوا أنتم على ضوئِه.

 

¨       إذا لم نقـرأ الأسماء لا أحد يدفع لنا فلسًـا.

حتى لو كان المالُ ضروريا لتوفير حاجات الكنيسة أو لمعيشة الأكليروس مثل كل الناس وكلِ المؤسسات ، إلا إنَّ المالَ ليس كلَّ شيء. الأيمان أهم من المال. عاش آلافُ الرهبان ويعيشون من حسنات المؤمنين دون أن يطلبوا المال. والنشاطات الكنسية الأكثر كلوفة ً لا تعتمدُ على موارد ثابتة بقدر ما تتكل على الله وتعتمدُ على عطايا المُحسنين. ربما يحتاجُ بعضُ الشمامسة ، بل حتى بعض الكهنة، إلى أن يتعلموا هذا. وقد لا يكونُ تذكيرُهم بهذا أمرًا غريبًا ، بل نافعًا و واجبًأ. كلنا نخطأ. و كلنا مَدعوون إلى الشهادة للحَّق المتجلي في المسيح. قالَ المسيح :” مجّانا أخذتم مجانا أعطوا. لا تحملوا نقودًا من ذهب ولامن فضة ولا من نحاس في مناطقكم. ولا مِزودًا للطريق ولا ثوبين ولا..ولا.. لأنَّ العاملَ يسـتحِّقُ أجرَهُ ” (متى 10: 9-10). ويُضيفُ مار بولس قائلا :” والكهنة الذين يقومون بعملهم قيامًا حَسنا يستحقون إكرامًا مُضاعفا ” (1طيم 5: 17-18). فإذا قامت محَّبةٌ وثقـةٌ بين الكاهن والشعب لا يقوى المالُ على خلق الأشكالات.

 

¨       لماذا لا توَّضحُ الكنيسةُ الحقيقة.

هنا طرحَ هزار سؤالهُ الرئيسي وطلبَ أن توَّضحَ الكنيسةُ للشعبِ بأنَّ قراءة أسماء الموتى مقابل المال ليس من الأيمان. أبـدى سائلي ألمَه عند قراءةِ قوائـم طويلة حتى يحسبُ نفسَه   ” في محل تجاري”!. لا أشُّكُ في ذلك. لأني أنا وأسمعُ هذا أتألم. جهلُ الأيمان أمرٌخطير. التجارةُ بالأيمان أمرٌ تعيس. وقراءةُ أسماء الموتى لزيادة الوارد ، و وضعُ الأيمان في كفة والمال في كفةٍ أخرى لهو جريمةٌ بحّق المسيح. ولكن، لله الحمدُ يشهدُ البابا فرنسيس على الحَّق يومًا بعدَ يوم. فالكنيسةُ لم تُقَّصر في إعلان الحقيقة. فالكتبُ والصحفُ والإذاعات أو القنوات الفضائية والندوات كلها تنشرُ أخبارَ الأيمان الحقيقي. ولكن كم مؤمن يَقرأُها أو يسمع إليها أو يُطَّبقُها ؟.  وحتى بعضُ الأكليروس يتمَّرَدُ على الحقيقة ليتبع أهواءَه ويُشبعَ شهواتِه. إنهم بشرٌ لمْ يُعصَموا من الخطأ. أ لم يكن يهوذا أحدَ الرسل الأثني عشر؟. ماذا علمَّ يسوع الرسلَ أوعمل لهم ولم يفعله لهُ ؟. ومع ذلك خان مُعَّلمَه وباعه بـ ” المال “!.

وإنْ عنى هذا شيئًا فهويعني بأن ليس كشفُ الحقيقة وإعلانُها يحُّلُ دومًا كلَّ المشاكل. يسوع نفسُه عَّـلمَ الحقيقة لكن اليهود لم يسمعوا له, وحتى الرسل كادوا أن يتراجعوا عنه (يو6: 66 -67).  فالذي يحُّلُ الأشكالات المماثلة هو المطران ، راعي الأبرشية ، الذي يتخذ إجراءاتٍ إدارية للـتقَّـيُد بتعليم الكنيسة. وحتى الشعبُ إذا عرفَ الحقيقة َ هل يتـقَّـيدُ بها ويُجاهِدُ بايمان حتى يلتزمَ بها الجميع؟. وحتى موقفُ الشعب لا تتحَّـكمُ به إلا إجراءاتٌ إدارية.

 

وبما أنَّ لنا الآن في أوربا زائرٌ رسولي ، وهو مطران ، فيُمكنُ طرحُ هذه المواضيع أمامَه لكي يدرسَها ويتخذ فيها إجراءاتٍ عمـلية. والزائرُ الرسولي سيزورُ السويد في الربيع القادم ويمكثَ في السويد ثلاثة أسابيعَ ليلتقي بكل المؤمنين فيقفُ على حاجاتِهم ومشاكلِهم فيُعالِجُها. و يطَّلعُ كذلك على إيجابيات الرعايا وإيمانَ المؤمنين فيبني عليه مستقبلَ الكنيسة الكلدانية في أوربا عامة ً والسـويد خّاصـة ً.

 

 

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO