الأحد الثاني للصليب / الخامس لأيليا

الأحد الثاني للصليب / الخامس لأيليا

 

أيُّـها الجيلُ غــيرُ المُـؤمن ِ الأعــوج !

يُتـلى علينا انجيلُ اليوم -::< متى 17: 14-27 >::- ويقُّصُ خبرَ الشاب الذي يصرعُهُ روحٌ شّرير، يخبُطُه ويوقغُهُ أحيانا في النار وأخرى في الماء، جلبَهُ والدُه إلى يسوع ليشفيَه. وعند غياب يسوع تطوَعَ الرُسُلُ فحاولوا شفاءَهُ ، بناءًا على موقعهم أنهم تلاميذ المعلم، وآتكالاً على ما سبقَ فجرى على أيديهم من معجزات عندما أرسلهم يسوع في مُهّمة تدريبية وجرت فعلا بناءًا على محاولتهم ، وحتى الشياطينُ كانت تُطيعُهم (مر6: 13). لكن هذه المرَّة لم يفلحوا في مأربهم : ” ..تلاميذك ، لم يستطيعوا أن يشفوهُ ” (آية 16). لمــاذا ؟؟

إنَّـهُ على أســوأ حــال !
في البـدءِ نلاحظُ أن سوءَ حال الشاب هو نتيجة وجودِ الشيطانِ فيـه. ولما أخرجَ يسوع الشيطان منه هـدأَ الشابُ وعادَ طبيعيا. وهكذا حالُ أشخاصٍ كثيرين سكنَ فيهم الشيطان فعـذَّبهم ألوانا و جعل البعضَ منهم صُّمًا أو بُكمًا ، ودفعَ غيرَهم ليتعَّروا ، أو هَّيَجَ أعصابَهم فصاروا شرسين يضربون أنفسهم بالحجارة ، أو يسكنون المقابر(متى8: 28 ؛ مر9: 17 ؛ لو8: 27). ويدورُ الحديثُ كثيرًا في العقودِ الأخيرة عن طردِ الأرواحِ الشّريرة، بل وحتى صُّورَتْ أفلامٌ وعُرضتْ على شاشات التلفزيون. ويُلاحظ في أكثرها عاملُ الدعاية فقط. ولا يبدو الشخصُ ممسوسًا بقدر ما يبدو أنه يُعاني فقط من المرض.

كما يوجد عكس هؤلاء من ينكرُ وجود الشيطان. وما تلك سوى تجربة جديدة من إبليس ليُبعدَ أنظار المؤمنين عنه ويُحَّولها إلى ما يَهدُمُ الأيمان والأخلاقَ الحمـيدة. وسبقَ فـنَّــبَـهَ البابا بولس السادس من سبعينات القرن الماضي بأنَّ ابليسَ يُحَّولُ أنظار الأنسان عنه ليعملَ على راحتِه. و سفرُ الرؤيا صريحٌ بأنَّ إبليسَ، الوحشُ أو التنين القديم ” مضى يُحاربُ سائرَ أولادِ الكنيسة الذين يُحافظون على وصايا الله ، وعندهم شهادةُ يسوع المسيح ” (رؤ12: 17). وقد سبقه رئيسُ الكنيسة ، سمعان بطرس، فقال :” إنَّ إبليسَ خصمَكم كالأسدِ الزائِرِ يرودُ في طلبِ فريسةٍ له ، فدافعوهُ راسخينَ في الأيمان “(1بط5: . بينما أكَّدَ مار بولس أنَّ ابليسَ يتسَّترُ ويتخَّفى بشكل خَّـداع للأنسان ، فيقول :” الشيطانُ نفسُه يتزَّيا بزّيِ ملاكِ النور” ومثله خدَمُه (2كور11: 14-15). فالأيمان يتطلبُ من المؤمن ان يكون واعيًا وحذرًا ، ولا يتجَّنبَ ابليسَ بإهمالِه ، بل أن يُقاومَهُ ويدحضَ حُّجـةَ عمـلائِه (2 كور11: 12). وإذا كان ابليس يحاولُ تشويهَ الأنسان و الأيمان ، فعلى المؤمن أيضا أن يدحضَه ويصمدَ في أيمانِه ورجائِه : ” ولنتمَّسكْ بما نشهدُ له من الرجاءِ ولا نحِدْ عنه “(عب10: 23).

الجيل غيرُ المــؤمن ، الأعــوج !
وجَّـهَ يسوعُ لومَـهُ إلى مُعاصريه من اليهود بشكل عام والى تلامـيذِه بشكل خاص ومن خلالِهم الى جميعِ الوثتيين والمُلحدين من كلِ العصور. منذ البـدءِ لم يُصَّدق الأنسان كلامَ الله ، بل آمنَ بنفسِه وآعتقدَ أنه هو سَّـيدُ الحياة ويقدر أن يتصَّرفَ بها كما يطيبُ له ، وليس كما أوصاهُ الله. و لكن ما جرى في البدءِ كان ممكنا أن يُعزى ألى جهل ِ الأنسان وعدم خبرتِه ولاسيما عدم تقوية أواصرِ المحبة بينه وبين خالِقِه إذ لم يعرفْه بعد على حقيقتِه. أما مع تجَّسدِ الله في شخص يسوع المسيح فقد رأى الأنسانُ اللهَ وعرفَهُ. وعرفه بعد خبرةِ ملايين السنين :” اذا كنتم تعرفوني عرفتم أيضا أبي. وقد عرفتموه ورأيتموه “، لأنَّ ” من رآني رأى الآب “( يو14: 7-9)، ولأنَّ يسوعَ هو اللهُ المتجَّسد : ” أنا والآب واحد ” (يو10: 30).

فإذا لم يؤمن اليهود بيسوع فلأنهم فاسدون ويتحَّملون نتائجَ جحودِهم لأنَّ يسوع كلمَّهم كلام الله وعملَ أعمالَه : ” لو لم آتِ وأُكَّلِمْهم لما كُتِبَتْ عليهم خطيئة. ولكن لا عذرَ لهم اليوم… ولو لم أعملْ بينهم أعمالا لم يأتِ بمِثلِها أحد لما كُتِبَتْ عليهم خطيئة. ولكن اليومَ رأوا وهم يُبغضوني مع ذلك ويُبغِضون أبي ” (يو15: 22-24). والتوبيخُ الذي وَّجـهَهُ يسوعُ اليهم شديدٌ ، وقاسٍ بنوع خاص للتلاميذ :” حتى متى أكون معكم ؟ وحتى متى أحتملُكم ؟ ” (آية 17). كم أعَّـلمُكم بعدُ ؟ أ لا تكفي ثلاثُ سنوات؟. من لا يتعَّلم في ثلاث سنوات لن يتعلمَ العمرَ كلَّه!(لو13: 7). كم أصبرُعليكم وأمسكُ عنكم غضبي وقصاصي؟. إنكم تُسيئُون بعدم إيمانِكم إلى البشرية كلها. إنكم تُعَّطلون جهودَ الله. فـكفرُكم جُرمٌ خطير لا يحُّقُ له أن يستمرَ ويُفسِدَ حقلَ الأيمان !.
وجــيلُ اليوم ، هل هو أفضل ؟

وقد يفـكرُ أحَـدُنا ” هذا الأنذارُليس لنا. نحن نؤمن ونصَّلي ونعملُ الخير. لانقتل ولا نسرق و..”. ربَّما. ولكن كم هم المؤمنون الصادقون؟. كم واحد من رسل اليوم ، ومن تلاميذ المسيح عّامة ً، يسمعون كلام المسيح ولا يشُّكون فيه ؟ أو لا يُخلِطونه أقَّـله بتعاليم أهل العالم؟ كم واحد يُسامحُ ؟ وكم واحد يصبرُ على الضيم ؟ وكم واحد يُضَّحي؟ وكم واحد يفرحُ إذا تألم أو إضطُهِدوهُ بسبب إيمانِهِ المسيحي؟ وكم واحد لا يُجاري أهلَ العالم بالمُطالبةِ بالحقوق الدنيوية على حسابِ الحَّـقِ الألهي وينسى الأبدية؟ وكم واحد لا يشُّكَ بتعليم الكنيسة أويتقَّـيد بقـوانينِها؟ مع أنَّ يسوع صريحٌ وقطعي في تعليمه وإرشاداتِه :” من سمع إليكم سمع إليَّ. ومن أعرَضَ عنكم أعرضَ عني. ومن أعرضَ عني أعرضَ عن الذي أرسلني “(لو10: 16 ؛يو 13: 20).

إن إبليس لا يزالُ يزأرُ ضدَّ المسيحية ويبحثُ في إيقاعِ المؤمنين (1بط 5: . فكيفَ يكون ردُّنا ؟ . وما هو المطلوب منا؟. هل نحن فعلا مؤمنون ونُفَّـعلُ إيماننا بالمحبة (غل6: 6)؟. أم مثل التينة العقيمة ستمرعلينا ثلاثة آلاف سنة ولا نُثمرُ؟. عندما فضَحَ يسوع نفاقَ الفريسيين ، الذين يتظاهرون بالقداسة ودعـاهم عميانا، وآعترضَ عليه أحدُ علماء الشريعة ، وآدّعى بأنه يشتُمُهم هم الكتبة ايضا ويُهينثهم (لو11: 45) ، أجابهم يسوع : ” لو كنتم عميانا لما كانت لكم خطيئة. و لكنكم تقولون ” إننا نُبصرُ” ، فخطيئتكم ثابتة “(يو9: 41). إننا نتعالى اليوم على بقية المذاهب والأديان والشعوب ، وعلى بعضنا البعض. ولكن لو سألنا أنفسنا : هل نحن أفضل منهم؟ هل نحن أمينون لأيماننا أم نتظاهر به فقط ؟. هل نحيا بموجب ايماننا في الحق؟ هل نحب الجميع؟ هل نرفض الكُرهَ ونخدمُ الآخرين؟. هل ننـكر ذواتِنا ونحملُ صُلباننا ؟ هل نعمل لخير القريب ، ولبناء عالم أفضل تسـوده المحبة والسلام؟ أم نتقوقعُ على أنانيتنا ولا نرى أبعدَ من أنفِـنا؟. ألا تعودُ مأساةُ العالم إلى “قّـلةِ إيمانِ ” المسيحيين؟. وحتى متى يحتملنا الرب ؟.

ليس الأيمانُ شهادة ً نفتخرُ بها !. ليس الأيمانُ بدلة ً إشتريناها ولبسناها فعتقَت!. ليس فقط صلاة ً نؤديها ولا صوما نقومُ به!. في رواية مرقس لنفس الخبر أضافَ يسوع وأكد لتلاميذه أنَّ الروح الشريرلن يُطرَدَ بقوةِ العضلات ولا بتنميقِ الكلام. بل” هذا الجنسُ لا يُطردُ إلا بالصوم والصلاة ” (مر9: 29). إيماننا أن نحيا ونعمل ” بقـوةِ اللـه ومثله “!.الأيمان ُ إذن حياةٌ نعيشُها كلَّ يوم في سلوكنا وأعمالنا ، داخلَ خيمـةِ الله. الأيمان شهادةٌ نُعطيها على إتكالنا لا على ذواتِنا بل على الله. الأيمان يكون فعّالا عندما يحيا المسيحُ في داخلنا ونحن نحيا من أفكارِه وإرشادِه. الأيمان أن تتـجَّددَ حياتُنا كلَّ يوم بقوةِ الروح القديس الحاضرفينا (طي3: 5 -6) فنتقدم في الفضيلةِ ” لأننا شعبُ الله الحريصُ على الأعمال الصالحة” (طي2: 14). الأيمان أن نعطيَ المسيحَ للعالم في أقوالنا وأفعالنا. الأيمانُ ألا نشُّـكَ في قـدرةِ الله وعونِه لنا :
<< هل نحن كذلك >>
أم نحنُ أيضًـا
>> ~ ~ جــيلٌ كـافرٌ أعــوج ~ ~ <<

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO