هل يتنـاقضُ سفرُ التكــوين ؟

هل يتنـاقضُ سفرُ التكــوين ؟

 

 

 

طرَحَ مؤمنٌ سؤالاً هو : كـيفَ تفَّسرُ التناقُضَ الموجودَ في الكتابِ المقدَّس ، سفرِ التكوين ، في الموضوعين :

أولا =  خَلقِ النـورفي الآية 1: 3 ، والآية 1: 14-19 ؛

ثانيا =  خلق الأنسان في الآية 1: 27 ، والآية 2: 7.

 

1-      خــلقُ النــور

ـــــــــــــــــــ  لنـقرَاْ معًا أولا نصَّ الكتاب. التكوين 1: 3 يقولُ :” قال الله : ليكن نـورٌ. فكان النور.ورأى الله أنَّ النورَ حسنٌ. وفصلَ الله بينَ النورِ والظلام. وسَّمى اللهُ النورَ نهارًا والظلامَ ليلاً. وكان مساءٌ وكانَ صباحٌ : يومٌ أول “.

 

أما في الآيات 14-19 من نفس الفصل فجاءَ ما يلي :” قال الله : ليكُن في جَـلدٍ السماءِ نَّيراتٌ تفصلُ بين النهارِ والليل، وتُشـيرُإلى الأعيادِ والأيامِ والسنين. ولتكن النيّراتُ في جلد السماء لتُضيءَ على الأرض. فكان كذلك. فصنعَ اللهُ … الشمسَ لحكم النهار والقمَـرَ لحكمِ الليل.. لتحكمَ النهارَ والليلَ وتفصلَ بين النورِ والظلامِ. ورأى اللهُ أنَّ هذا حسنٌ. وكانَ مساءٌ وكان صباحٌ : يومٌ رابع “.

 

أولا : نـبدأُ الجوابَ بلفتِ إنتباهِ السائِلِ الكريم بأنَّ الراوية َ َدرَجَ النصَ من الأدنى إلى الأسمى، من الأبسط إلى الأكمل، من الفوضى الى النظام وبآختصارمن حالٍ أسوأ الى حالٍ أفضل. فيقول :” كانت الأرضُ خاوية ً خالية ” أى بلا حياةٍ ولا صورةٍ واضحة. ثم تـبدأ تتضحُ الصورة والحياةُ تُنعشُ كلَّ أجزاءِ الكون. كما قالَ في نهاية كل يوم :” كان مساءٌ ” ثم ” كان صباحٌ”. وبينهما ” الليلُ ” الذي لا عملَ فيه فهوَ وقتٌ ضائعٌ ، أو وقتُ إستعدادٍ بالتفكير و التخطيط قبل التنفيذ ، تماما كما يتصَّرفُ كلُّ مُهندس قبل أن يُبادرَ إلى إنجازِ مشروعهِ. وقد أيَّـدَ الربُ يسوعُ هذا التصَّرفَ وإعتبرَهُ عملاً ضروريًا نابعًا من طبيعةِ الأنسان” لو14: 28 – 30). إنها حكمةٌ إلهية مُفاضة في صورتِه / الأنسان.  فإذن تفاصيلُ إخراج الخلائق إلى الوجود هي كشفُ حكمةٍ إلهية ، وليس عملا إعتباطيا ، بها أوجدَ اللهُ كلَّ شيء ، كما أكَّدَ الأنجيلُ ، قائلاً:” به (الكلمةِ الألهية) كانَ كلُ شيء (يو1: 3). 

 

 

ثانيًا :  يُنسَبُ سفرُ التكوين ، ضمن أسفارِ التوراةِ الخمسة ، إلى موسى. و موسى لمْ يكتُبْ بقدر ما عَّلمَ. وآحتفظَ الشعبُ بالمعلومات. إحتفظَتْ بهِ بنوع ٍ خاص جماعاتُ خَدَمَةِ الهيكل. وتكَّونَ على مَّرِ الزمان تقليدان متمَّيزانِ ومختلفان ببعضِ التفاصيل. لكنها تتكاملُ أكثر من أنْ تتعارض. فالتقليدان يَهـوي ( يَذكرُالله في صيغة يهوى ) وآلوهي ( يذكُرالله في صيغة آلوهيم). وكتابة الأسفار تشهدُ كثيرًا لنص ممزوج من كلا التقليدين ، وأحيانا أخرى تحتفظ بالتقليدين في شكل نصَّين مختلفين. ونصُّ الخليقة أحد الأمثلة في ذلك.

 

 

ثالثًا : تَّمَ التحريرُ النهائي لسفرِ التكوين في الجيل الخامس قبل الميلاد ، أى بعد الإطّلاع على علومِ البابليين والتأثرِ بها ، بنوع خاص عن أصل الكون. ونقلَ كثيرًا منها إنما برؤية جديدة مختلفة وذلك بعون الروح الألهي الموحي للبشر عن حقيقةِ الكونِ وهـدفِهِ. فصيغتْ المعلومات بعباراتٍ هي أكثر روحية وإيمانية من حرفيةٍ بليغةٍ تُدغدغُ الحواس.

 

وهكذا ظهرتْ عباراتٌ ونصوصٌ مختـلفة في بعض التفاصيل. لكنها لا تتناقضُ فيما بينها بقدر ما تتكاملُ مع بعضِها. وأحيانا تكونُ بعضُها الأُسسَ والمبادئَ بينما تكونُ غيرُها تفاصيلَ وإيضاحات. هكذا يدورُالكلامُ في 1: 3 عن خلقِ” النـور” وفصلهِ عن بقية العناصر أى فصل النارِ عن الترابِ والماءِ والهواء. كان الكونُ ” غمرًا ” أى كومة من المواد لا صورةَ لها ولا حياة  أمرَاللهُ بأن ينفصلَ العنصرُ الناري “المُحيي” ويُنعِشَ الكونَ ويُحَّركَه. والحركةُ تُمَّـيزُ وتفصلُ مادّيًا لتُوَّحِـدَ بالروح. والروحُ هو الحياة. كان الكون كتلة بلا صيغةٍ ولا شكل ، والروحُ يُرفرفُ عليه. ثم دخلَ الروحُ هذا إلى الكتلة الأرضية فصارتْ حيَّةً و نـورًا. فالنورُ الذي يتحَّدثُ عنهُ نصُّنا هنا ليسَ سوى ” الحياة ” نفسِها.

 

والكتابُ يشهدُ كثيرًا بآستعمالِ تعبير ” النور” للدلالةِ على الحياة. فكما بدأ العهدُ القديمُ في آياتِهِ بالحديث عن النور وهو يعني به الحياة هكذا بدأ إنجيلُ يوحنا ، المعروفِ بإنجيلِ الحياةِ الروحي، أيضا فقال :” في البدءِ كان الكلمة…به كانَ كلُ شيء. فيه كانت الحياة. وحياتُه كانت ” نـورَ” الناس. والنورُ يُشرقُ في الظلمة. والظلمة لا تقوى عليه. والكلمةُ هو ” النور” الحَّق ” (يو1: 1-9).

 

وعن ألنـورنسوقُ بعضَ الشواهد الكتابية التي تؤيدُ ما قلناه أعلاه. اللهُ نورٌ يظهر لموسى على جبل حوريب في ” لهيبِ نار من وسطِ العليقة “(خر3: 2)، ثم بشكل نارمُدَّخِنة على جبل سيناء (خر19: 18)، ويقودُ بني إسرائيل في صحراءِ سينا :” وكان الربُ يسيرُ أمامهم …وليلا في عمودٍ من نارٍ ليُضيءَ لهم” (خر13: 21). والنـورُ هو ” الحياة” ضد الموت (مز 56: 13؛ أم16: 15). واللهُ هو وجودٌ وحياة، إنَّهُ ” النـور”(متى22: 32؛ عدد6: 24). هكـذا صَّرَحَ يسوع :” كلامي روحٌ وحياة “(يو6: 63) ، و” أنا نورُ العالم ” (يو8: 12؛ 9: 5). كما أكَّد أن من يحفظُ كلامَ الله فهو بدورِهِ ” نورُ العالم ” (متى5: 14)، كما كان يوحنا ” سراجًا مُتّـقدًا منيرًا وهو يشهدُ للحق” (يو5: 35).

 

لا يعني النورُفي كلَّ هذه النصوص وغيرِها ” حصرًا ” الضوءَ المادي المنبعث من الشمس والكواكب الأخرى. بل ، كما أدرَكنا ، فهو يعني الحياة َ الحَّقة الدائرة في فَلَـكِ الله. وعليه لا خلاف بين نصَّي سفرِ التكوين بقدر ما يكَّمِلُ الثاني الأولَ. ففي تك1: 3 يعني النورُ كما أسلفنا مصدرَ الحياة. وهذا المصدرُ، هذا العُنصرُ الناري، سيُصبحُ أضواءَ ومصابيحَ لتكتملَ الحياة بشكل سهل وطبيعي. وسَّمى الكتابُ كما نُلاحِظُ تلكَ الأجسام ، أجزاءَ الكون  “

 

 

النَّـيراتِ ” الأجزاءَ التي توَّزع عليها النورُ المعزولُ سابقًا عن بقية العناصر. وبينما قالَ في البدءِ بأنهُ خلقَ ” النور”، قالَ في النص الثاني بأنه ” صَنعَ الكواكبَ والنَّيرَين” (تك1: 16). وأكَّدَ السفرُ نفسُه أنَّ صُنعَ ” النَّيرات” جاءَ لتنظيم النور بشكلٍ يسمحُ للأنسانِ أن يُمَّيزَ الزمنَ ويُنظمَهُ ، وأن يسمحَ للحياة بأن تجريَ بشكلٍ مُريح ٍ و بَّــناء. فلو لمْ يتم توزيعُ النورِ على نَّيرات وآبتداءُ حركة الكواكب لما كان نهارٌ وليل ، ولا فصولٌ ولا مناخ ، ولا أسابيعُ ولا شهورٌ ولا سنين. فالحياةُ نفسُها متوقفة على نورالحياة الذي سكَبَهُ الله في الكون ، والحياةُ الأجتماعية الزمنية متوقفة على النيّرات وحركتها.

 

 

2-      خــلقُ الأنسان 

ــــــــــــــــــــــ ولـنبدأ أيضا بقراءَةِ النصوص المُختَـلَفِ عليها. جاءَ في تك 1: 27 : ” فخلقَ اللهُ الأنسان َعلى صورتِه. على صورةِ اللهِ خلقَ البشَرَ. ذكرًا وأنثى خلقَـهم “.

أما تك 2: 7 فقال :” وجبَلَ الرَّبُ الألـهُ آدمَ تُرابًا من الأرض. ونفَخَ في أنفِـه نســمة َ حـياةٍ. فصارَ آدمُ نفسًا حَّـية ً”.

 

لو رَّكـزنا معًا قليلاً على فحوى النصين لا فقط نتأكَّـدُ بأن لا آختلافَ بينهما ، بل و نُدرِكُ سريعًا بأنَّ كلُّ نصٍ يُشَّـدِدُ على زاويةٍ مُحَّدَدة من الحدث. فإنَّ النص تك 1: 27 ركَّزَ على أنَّ للأنسان خالِقًا هو الله ، وأنه كائنٌ ناطقٌ خالدٌ مثل الله ، وأنَّهُ ليسَ فردًا معزولا إنما هـو إنسانٌ واحدٌ ثنائيٌّ يتكاملُ ، كما اللهُ هو ثلاثيٌّ في واحد. وهذه الثنائية المختلفة والمتكاملة هي ضرورية لكي يؤَّديَ ما سيُكَّـلِفُهُ بها ألا وهو أن يستلمَ عملَ الله فـيُتابعَ خلقَ أناسٍ آخرين كثيرين : ” أُنموا وآكثروا وآملأوا الأرضَ” !. إنَّهُ لا يتطرَّقُ إلى كيفية خـلقِ هذا الأنسان. ولكنه يترُكُ المجالَ لنلاحظَ بأنَّ خلقة الأنسان مختلفة عن بقية الخلائق. فحيثُ قال النص عن بقيةِ الكائنات :” قالَ اللهُ ليكُن ..” ، قالَ هنا ” لنصنعْ الأنسان” أى يُخَّصصُ لهُ إهتمامًا خاصًا ومُـمَّيزًا. ثم يُضيفُ ” فخلقَ الأنسانَ ..” أى إعتنى بخلقِه بنوعٍ خاص.

 

أما النص 2: 7  فيأتي مُكَّـمِلا لِـ 1: 27 حيثُ يُفَّـصِلُ ” كيـفَ ” خـلقَ اللهُ الأنسان. ليسَ الأنسانُ روحًا محضًا. إنهُ ” روحٌ ” عاقلة وخالدة مثلَ اللهِ ، لكنهُ أيضا ” مادةٌ ” فاسدة  و زائلة. إنه مخلوقٌ على صورة الله وصورةِ الأرض معا. جسَـدُهُ أرشضيٌ وروحُهُ سماوية. و قد أصدى مار بولس لـهذا عندما قال :” فالجسدُ ينزعُ إلى الموت ، وأما الروح فينزعُ الى الحياة والسلام ” (رم 8: 6). وهكذا جاءُ جسدُ الأنسان من التراب، أما حياتُه فهي نسـمة ٌ من اللهِ مباشرة ً. هذا من جهة. ومن جهةٍ ثانية إنَّ إهتمامَ اللهِ في خلقِ الأنسان ، كما جاءَ في النص الأول، يظهرُ هنا بأنَّ اللهَ هيأ أولا الهيكلَ المادي = الجسد = ، ثم لما كان هذا الهيكل جاهزًا ليستقبلَ الحياةَ الروحية الألهية نفخها اللهُ فيه. كما زرعَ اللهُ النورَ في جسم الأرض ” الجامد والمُغَّوش “، بعد فترةٍ من الوجود، هكذا زرعَ الحياة في جسم الأنسان المائتِ والفاسد (1كور15: 50) ، أيضا بعد فترةٍ من وجودِ جسـدِه المادي. هكذا جاءَ نفخُ الحياة الناطقة الخالدة في الأنسان عندما تمَّ الزمان أى لمَّـا حان الوقتُ لذلك (غل4: 4 ؛ عب1: 2). 

 

وهذا يـدَعُ البابَ مفـتوحًا واسِعًا أمام نظرية ” التطَّور”التي تلاحظُ وتؤَّكد أن أجسامَ الكائنات تطَّورت خلال الزمن لتتجاوبَ وتُـلَّبيَ حاجاتِها الحياتية. إنما تختلفُ كثيرًا مع نظرية داروين الذي إدَّعى أنَّ الكائنات تتطور ذاتيًا ناكرًا دور خالقِها في ذلك.  يدَعُـنا الكتابُ أنْ نفهمَ أنَّ هذا التطورَ الذاتي نفسَه قد خلقَه اللهُ و وضعه في الكائنات لتتكَّيفَ مع كل بيئة أو حاجةٍ تطرأُ على حياتِها. لكنها لا تُغَّيرُ طبيعَتها. أما الأنسانُ فقد تغَّيَرت فعلا طبيعَتُه. فمن جسم ٍ حيوانيٍّ محض وتصَّرفٍ غريزي يزول ، صارَ كائنا يقودُ حياتَه بآختيارِهِ ورُوحًا تـدومُ للأبد. نرى اللهَ يصنعه أولاً تمثالاً من طين وماء ، مواد موجودة قبل خلقِهِ، ثم لما بلغَ الجسدُ الأبعادَ المطلوبة لم يطفر بذاتِه إلى مستوى أعلى من نفسِه بل هو اللـه الذي طَّورَهُ إلى أسمى من الجسد الحيواني بزرعِ ـ نفـخِ ـ الحياةِ الألهية فيه فيكون قادرًا على إختيارِ نوعِ حياتِه ، و تمـديـدِ الحياة الأنسانية الناطقة والخالدة نفسَها ، كما هو. ويكونُ هكذا صورة ً حقيقية لخــالِقِهِ.

 

 

هكذا إذن قبلَ أن ننظرَ إلى الكتابِ المقَّدس بعيونِ الجسد فقط ، وقبلَ قراءَتِه حرفيًـا فقط ، لنُسَّلِطَ عليه بصرَ العقلِ والأيمانِ معًا ونبحَثُ عَّمـا أرادَ الوحيُ أن يُبَّـلغَنا إيَّـاهُ. وإذا صَعُبَ شيءٌ على إدراكِنا لا نتوَّقف عندَ الشَّـكِ أو الأعتراض بل لنسألْ من كلَّفَهُ اللـهُ بأن يُعَّـلِمنا ويوَّجِهَنا (متى 28: 19).

 

 

 

القس بول ربــان 

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO