حول إمكانية وجود حيــاة خارج الأرض

حول إمكانية وجود حيــاة خارج الأرض

 

 

 سألتني إحدى الأخوات ، قالت :” ما رأيُكَ في النظريات الحديثةِ المُدّعية بوجودِ حياةٍ في كواكبَ أخرى ، خارجَ مجموعتِنا الشمسية ؟. وما هي قناعتُكَ الشخصية في إمكانيةِ وجودِ إنسانيةٍ أخرى في كوكبٍ من مجموعةٍ شمسية مختلفة عّـنا “؟.

 

أهلا وسهلا بالسائلة الكريمة العزيزة. إيمانُكِ ونشاطُكِ في الكنيسة يدفعانِكِ إلى السؤال حتى يكون إيمانُكِ مُنَّـوَرًا، قويمًا وجديرًا لأن توصليه إلى الآخرين ، فتكوني شاهدة حقيقية قَّـوية  للمسيح. باركَ اللهُ فيكِ وكَّثرَ من أمثالِكِ حتى يبحثَ شبابُ اليوم عن تغذيةِ إيمانِهم بالبحثِ و المُطالعةِ ولاسيما بالسؤال عندما تنغلقُ بوجوههِم السبُلُ الأخرى.

طرَحتِ سؤالين ، وأنا أجيبُ عليها بالتوالي.

 

السؤال الأول : رأيي في النظريات

قلتِ حسَنًا ” النظريات “. والنظريات تبقى آراءًا خيالية مبنيةً على تفكيرٍ منطقي يَدفعُ إليه الكونُ الذي نعيشُ فيه بكل حقائقِه وأسراره ، وطموحُ الأنسان في أن يتعَّرفَ على الحقيقةِ الكاملةِ لكل الكون الذي يُغّلفُنا والذي نجهلُه كليا. و إنطلاقا مما لنا في كوكبِنا و مجموعتِنا الشمسيةِ نتساءَلُ ، وبحّقٍ ، تُرى هل يُوجدُ في كوكب آخر ما يوجد لدينا؟. إنه سؤالٌ لا فقط مشروعٌ بل بَّـناءٌ لأنه يُحَّركُ الأنسان إلى المعرفةِ الكاملة. سؤالٌ يدفعُ الأنسان إلى التفكيرِ واقيًا إياه من جمودِ الروح. على الأنسان أنْ يتفاعلَ بشكل حيوي مع الكون كلِهِ لا فقط مع المجموعةِ الشمسيةِ الصغيرة التي تحتويه. هناكَ مجموعاتٌ شمسية وعَوالمُ فَلكية ٌ قريبة أو بعيدة يصلُ حجمُ شمسِها مئاتَ بل ملايين أضعافِ شمسِنا !. لا يصلُ ضوءُها إلينا إلا بعد ملايين السنين الضوئية!!. فمن الطبيعي أن نتساءلَ : هل يوجدُ كوكبٌ توجدُ فيه حياةٌ مثلما توجدُ على كوكبنا يمكننا أن نسافرَ إليهِ يوما ، أو ينتقلَ إليهِ بعضُنا بعدما تضيقُ الأرضُ بسكانِها ؟.

إنما كلُّ ما أُشيعَ حولَ هذا الموضوع أو يُشاعُ لمْ تُثَّـبِتْه الحقائقُ العلمية بل يبقى  ” نظرية ً ” و” خيالا ” محضًا ينسجُ حوله ويعقُدُ العلماءُ آمالا مستقبلية ، بينما يُحيكُ حوله المنتفعون والأنتهازيون قصَصًا وأفلامًا يكسبون من ورائِها أموالا طائلة ، ولاسيما يُبعدون الأنسان عن الأيمان بإلاهٍ خالق للكون يُسَّـيرُه ويُحاسبُ قادته.

 

 

 

السؤالُ الثاني : هل يوجدُ إنسانٌ آخر … 

أما هنا فالأمرُ مختلف. ولآكتسابِ أيَّـةِ قناعةٍ يجبُ أن ينبنيَ الحكمُ على عنصرين : العلم والأيمان معا.

 

أما العلمُ   فلمْ ينفِ إمكانيةَ إكتشافِ كوكبٍ آخرَ توجَدُ عليه ظروفٌ تساعدُ على قيام الحياة فيه. لكنه لم يؤكِدْ أنه توجَدُ فعلا حياةٌ على كوكبٍ آخر. وما هو إلى الآن علمٌ أكيدٌ هو أنَّ بقية َ الكواكبِ هي كتلة ٌغازية لا تصلحُ كليا للحياة. وما دامَ لم يثبُت وجودُ  الحياة خارجًا عن كوكبنا من جهة ، ومن أخرى ثبتَ عن الكواكبِ المعروفةِ أنها غيرُ صالحةٍ للحياةِ  لذا فلا مجالَ بعدُ للتفكير بوجودِ حياةٍ بشرية – إنسان – على كوكبٍ آخر. لأنَّ الحقيقةَ لا تُبنى على الخيالِ والأماني بل على واقع ٍ ملموسٍ ، يقعُ تحت الحواس، ويمكنُ التعاملُ معه ، على هذا الأساس، كما نفعلُ على كوكبنا.

 

 

أما الأيمان    فالوحيُ يُعَّلمنا، من خلالِ تاريخِ البشريةِ كما قرأه لنا الكتابُ المقدَّس، ولاسيما من خلال ما كشفَهُ اللهُ لنا يسوعُ المسيح –  كلمةُ الله المتجَّسد – بأنَّ اللهَ خلقَ الأنسان ، و أخضَعَه لتجربةِ إستعمالِ الحُّرية فأخطأ إذ تبـِعَ متطلباتِ حوّاسِهِ الجسديةِ فقط ؛ ولمَّـا أخطأ تجَّسدَ اللهُ لُيُنقِذه من نفوذِ الحّواسِ الزائِدِ عليه وأعادَهُ إلى سلوكِ سبيلِ الروح لأنَّه صورةٌ من الله ، وروحٌ من حياتِهِ الألهية (تك2: 7). وهذا الخلاص تمَّ  بموتِ المسيح الفدائي على الصليب حيثَ دفعَ ثمنَ خطايا الأنسانيةِ ؛ ولما قامَ ، ضَمَن الحياة السعيدة والخالدة للأنسان مع الله للأبد. وأكَّـدَ المسيحُ بأنَّه هو” الطريقُ والحَّقُ والحياة. لا يمضي أحدٌ إلى الآب إلا إذا مرَّ بي” (يو14: 6). فما قاله المسيحُ وفَعَـله هو ” الحياة “، لأنه من الله مرجعِ الكون. ونَّـبَهَ بأنه سيظهَرُ معلمون كَّـذابون يدَّعون أنهم يُمّـَثلون الحقيقة، لا تصَّدقوهم (متى24: 23-26). و أكَّـدَ بأنه سيعودُ عندما ينتهي العالم (متى24: 30-44).

 

إذن يُعَّلمُ الوحيُ أنَّ الأنسانَ صورةُ الله ، وأنه زَّوَدَهُ بالعقل وساعَدَه بكشفِ ما يعجزُ عن معرفتِه بواسطة حواسِهِ. يتعَّرفُ الأنسانُ بعقلِهِ على كل الخلائق وأسرارها ، لأنها أدنى منه. أما نفسُه وما هو أسمى منه فهو عاجزٌعن معرفتها. فكشفَها له اللهُ ودَعاهُ الى أن يُؤمنَ به. هكذا فالأيمانُ والعلمُ يتكاملان ، لا يتعارضان. أما الأيمانُ فهو ما يُعَّلمُه الله ، وأما العلمُ فهو ما يكتشِفُه الأنسانُ ويُعَّلمُه. وما آمَـنّا به ليس خيالا بل حقيقة ً تاريخية ً وفكرية ، وما يُعلنُه العلمُ الحقيقي لا يناقضُ الأيمان. وعلى ضوءِ هذين النورين نكَّونُ معرفَتَـنا.

 

 

فالأيمان يسأل :  هل يمكنُ أن يتكَّررَكلُ ما عرفناه بالأيمان من خلقةٍ وتجربةٍ و تجّسدٍ وفداءٍ .و.و؟. هل عملَ اللهُ على كوكبٍ آخرَ ما عمِلَهُ على كوكبنا؟. وهل خضعَ الأنسانُ لآمتحانِ حريتِهِ فأخطأ هناكَ أيضا كما على أرضِنا؟. وإذا لم يخطأْ فهو لن يكونَ إنسانا بمقاييسنا. وإذا لم يكن مثلنا فهل يكونُ إنسانًا ؟. وإذا أخطأ مثلنا فهل تجَّسدَ المسيحُ وماتَ في كوكبِهِ كما على الأرض ؟. وهل أسَّسِ المسيحُ كنيسة ً هناك أيضا تتابعُ رسالتَه ؟. هل دُعـِيَ الأنسانُ هناكَ أيضا ليتعاونَ مع الله لتحسين الخِلقةِ وأوضاعِ البشريةِ فيتابعَ رسالته التصحيحية و عمله التجميلي؟.

 

 

والعلم أيضا يسأل :   إنْ وُجدَ إنسانٌ في كوكبٍ آخرهل هو بنفس المواصفاتِ والمزايا التي هو عليها في كوكبِنا ؟. الأنسانُ في منطوقِنا هو” حيوانٌ ناطقٌ “، كائنٌ حُّرٌ، يخطأ أو يصدقُ يطلبُ الكمالَ والخلود. فهل للأنسانِ المجهولِ في الكوكبِ المجهولِ ومنذ زمنٍ مجهولٍ هل له نفسُ مزايا إنسانِ كوكبِنا ونفسُ الطاقات والأنجازات؟. وماذا عن أسلوبِ حياتِهِ ، وعمرِه ومصيرهِ ؟. وماذا عن بيئتِهِ ؟ وهل توجدُ حيواناتٌ وطيورٌ ونباتاتٌ وزهورٌوأشجارُ؟. وكيف تتفاعلُ الكائناتُ مع بعضِها ؟. هل يوجدُ شَّـرٌ ؟. هل يعيشُ ذلك الأنسانُ في غاباتٍ أم عرفَ حضارةً سَّهلتْ حياتَه ، ونظمَّتْها بقوانينَ ودساتيرَ، فـيتمتعُ بميزاتٍ تُحاكي حضارَتنا ، كما تُظهرُها الأفلام ، أم تفوقها ؟.

 

 

كلُّ هذه وغيرُها أسئلة ٌ يطرحُها العلمُ والأيمانُ بدون أن يرَ لها جوابا غيرَ ما قاله بولسُ الرسول لأهل غلاطية :” لو بشَّرناكُم نحنُ أو بَّشرَكم ملاكٌ من السماءِ بخلافِ ما بشَّرناكم به ، فليكُنْ ملعونًـا “(غل1: 8)!. أى ما جاءَ في الوحيِ وأوصَلَهُ إلينا رُسُلُ المسيح لا هو خيالٌ ولا يتحّملُ التغييرَ. لأنه ، لا الأيمانُ القويمُ ولا المنطقُ السليمُ يسمَحُ بأنْ تتكَّررَ قصّة كوكبِنا في كوكبٍ آخر. لا معنى لذلك. لأنه إنْ كان عالَمُنا صُدفة ً فالصُدَفُ لا تتكَّـررُ. وإنْ كانَ لعالمِنا خالقٌ، كما نؤمنُ نحن ،فما الحكمةُ وما المُبَّررُ لأنْ يخلقَ اللهُ كونين متشابهين ؟. لاسيما أنْ تتكررَ فيه نفسُ المآسي والكوارث والأمراض والآلام؟. أقَّـله كانت خبرةُ العالم الأول تسَّببُ تغييرَ صورةِ العالم الثاني ونوعه.وعندئذٍ كانا سيكونان مختلفين لا متشابهين. وعندئذ كان الأنسانُ نفسُه سيكون مختلفا. وإذا آختلفَ عن إنساننا فهل كان سيكون إنسانا

فعلاً ؟.   <:×:>  هل نجدُ جوابًا لكل هذه الأسئلة <:×:>؟. 

 

وإذا كنا نحن البشر نفهمُ كلَّ هذا فكم بالحري يعرفُ اللهُ خالقُنا ذلك وهو الذي يسمو علينا فكرًا وقدرةً وحياةً (متى7: 9) ؟. و إذا كنا نرفُضُ ذلك بعِلْمِنا البشري ونحكُمُ بالعدلِ فكم بالحري يرفُضُه الأيمانُ لأنَّ اللهَ ” لا تبَّدُلَ فيه ولا شِبهُ تغـيير” (يع 1: 17).

وأنا كمسيحي لا يُمكنُني القولَ أو التصَّرُفَ خلافًا للوحي الذي أتانا بهِ المسيح. فلا يُمكـنُني أنْ أنظرَ إلى الأمورِ خارجَ إطارِ المسيحِ ونورِه وعلمِه. ولا يُمكِـنُني أنْ أتعاملَ مع الكونِ وأمورِهِ خارجًا عن شخصِ المسيحِ الذي قال :” أنا هو نورُ العالم ” (يو8: 12؛ 9: 5). و يقولُ مار بولس : ” ومتى أُخضعَ للمسيحِ كلَّ شيءٍ ، حينئذٍ يَخضعُ الأبنُ نفسُهُ لذاكَ الذي أخضعَ لهُ كلَّ شيءٍ. فيكونُ اللـهُ كلَّ شيءٍ في كلِ شيء “(1كور15: 28). إذا كنا نؤمنُ بأنَّ اللهَ يُخضِعُ كلَّ شيءٍ لمسيحِنا فماذا يبقى أن يتعاملَ غيرُهُ بهِ ؟!.  فإذا كنا لا نعرفُ حقيقة َ الكونِ وحقيقة َ كُـنهِ اللهِ فالمسيحُ يعرفُها وكشَفَها لنا (يو8: 55). ماذا بقيَ لغيرِهِ أن يُعَّـلِمَه ؟. مسيحُنا أكَّـدَ لنا بأنَّ كلَّ ما قالَهُ وعمِلَهُ هو من حياةِ اللـه (يو5: 36 ؛ 8: 38؛ 10: 25؛ 12: 49-50)، أى اللـهُ هو الحقيقة ولا حقيقة غيرَه !.

 

وهنا يتدخلُ الإجتهادُ اللاهوتي. فأنا المسيحي ، وقد عرفتُ المسيحَ وقبِلتُه رَّبًـا ومعَّلما و مخَّـلِصًا وكشفَ لي الحقيقةَ الكونية ، لا يليقُ بي كمؤمن و لا أقدر أن أحيا كملحدٍ فأتجاهلَ ما كشَفَه لي اللـهُ بالوحي لأكتفيَ بما يستنتجُهُ عِلمي بنورِالعقل وحـدَهُ. أنا لستُ عقلا فقط فأكتفي بالعلمِ وحدَه. بل أنا روحٌ خالدَةٌ ، وماعقلي إلا إشعاع ٌ لهذه الروح. أنا إبنٌ للـهِ وهو لا يغُّشني. فلا يجوزُ ان يخالفَ علمي فيتعارَضَ مع إيماني. أنا قد أخطأ في عِلمي. أما اللـهُ فـبوَحْيِهِ يضمنُ الحقيقة َ لأنه ” لا يكذبُ ولا يندمُ ” (عدد23: 19). لذا أنا أقبلُ ما يكشِفُه اللهُ لي ، وأُنَّسِقُ حياتي على ضوءِ هذا الكشف. هذا إيماني وهذا رجائي.

 

رُّبما يبدو هذا غريبًا وضدَّ التيار العام. يجوز!.  لكنه قناعتي. والبابا فرنسيس يدعونا إلى أنْ نعتقـدَ ونعيشَ ونتصَّرفَ على ضوءِ إيمانِنا حتى لو إقتضى ذلك جهادًا وثورةً ضدَ التيارِ العام كما صَّرحَ به في يوم الشبابِ العالمي في ريو دي جانيرو/ البرازيل في الخميس 25/07/ 2913.  وعليه أقولُ : أنا مقتنعٌ كلَّ الإقتناع بأنَّهُ لا يوجدُ إنسانٌ آخرُ في عالم ٍ آخرَ غيرِ أرضِنا وبمعاييرنا. إذا كنا نحتاجُ إلى عددٍ من سنين ضوئية لنَصِلَ إلى الشمس مثلا فكم سنينٌ ضوئية ٌ تلزمُنا لنَصِلَ إلى مجموعةٍ شمسية أبعد من الشمس؟. فكيفَ تُصَّورُ الأفلامُ أناسًا ومركباتٍ آتين من هناكَ ؟. وأ  لمْ تصِلْ مركباتُنا أيضا إليهم؟. فعوضًا عن أنْ نُضَّيعَ وقـتَنا في أمورٍ لا تخُّصنا ، لنهتمْ ونجتهدْ في أنْ نجعلَ حياتَنا >< شــهادةً حَّـيةً ناطقة >< عن رسالةِ المسيح. لا أعني بهذا أن نستهجنَ الآراءَ العلمية ولا أن نوقفَ جهودَ البحوثِ الأستكشافية. إنما أقصُدُ ألا ننجَّرَ وراءَ نظرياتٍ ونُهملَ الحقائقَ الأيمانية الدامغة ، أو أن نعتبرَ الأفلامَ التجارية حقيقة ً ثابتة ً لا تقبلُ النقاش. بل لنحيا في الحَّـقِ والمحَّبة ، ولنرجُ حياةً أبدية مع اللـه عوض كوكبٍ آخر، ولنكن في حياتِنا شهودًا للمسيح.

 

 

 

القس بول ربـان

 

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO