مـا رأيُــكَ ؟

مـا رأيُــكَ ؟ 

 

 

سألتني قارئة كريمة عن رأيي في مشـهدٍ سجَّلته في الفيس بوك وعَّـلَقَتْ بنفسِها عليه قائلةً :” حضورُ اللـهِ يُخَّلِصُ الآلافَ حولَ العالم. مسـحةٌ خارقة للطبيعـة “.

يدورُ المشهدِ حولَ مجموعةٍ من الأفراد، أغلبُهم شبابٌ على ما يبدون، يُعَّـدون ربما بآلاف ، مُلتئِمون في صالةٍ واسعة ، يرفعون أذرعَهم ويُلَّـوحون متمايلين كالموجِ ويُرَّتلون. ثم يتقدمُ بعضُ الشباب أمام قائدِ الموسيقى والإنشاد يحدُقُ إليهم، يَشُّدُ أنظارَه على عيونِهم فيرتجفونَ ويسقطون !.

إنْ دَّلَ المشهدُ على شيء فهو يدُّلُ على العطش الروحي الذي يُضرمُ نفوسًا كثيرة حُرِمتْ معرفةَ الله ومحَّبته. لقد فقدتْ المسيحية ، في أصقاعٍ كثيرة ، بريقَها البدائي المُشّع والجَّذاب. فقدَ المسيحيون حرارة الأيمان وحماسَهم في الشهادةِ للـه ، فتصَّحرَ العالمُ بذلك وفقـدَ الروح و لم يبقَ له غيرُ حرف الجسد، و” الجسدُ لا يُجدي نفعًـا ” (يو6: 63)، وكذلك ” الحرفُ يُميتُ بينما الروحُ يُحيي” (2كور3: 6).

إنَّ ما يحدُثُ يُثيرُ العواطفَ ويُلهبُ المشاعرَ لاسيما لدى من جَّفتْ روحُه وفرُغَتْ حياتُه من إيمان حَّي ، وجَهَلَ أنوارَ هذا الأيمان كما حمَلَها إلينا الوحيُ الألهي في الكتابِ المقدس. أسَّرَ إليَّ صديقٌ قائلا : ” لو كنتُ أنا في إجتماع مهيب كهـذا وحَّـدَقَ إليَّ شخصٌ غريبٌ بحّـدة لتخبطتُ وآنطرحتُ أرضا رغمَ كلِ إيماني وشجاعتي “!. أى : إنَّ ما يَحدُثُ ليسَ ثمرةَ إيمان بقدر ما هو تأثيرٌ نفسي ، نوعٌ من تنويمٍ مغناطيسي !.
على أية حال لكي نُـبـديَ رأيا مُنصِفًا يجبُ أن نعـودَ إلى جـذورِ إيماننا : إلى الأنجيـل نفسِه. لأنَّ ما يحدُثُ يُعزَى إلى عمل الروحِ القدس. و تجّـلياتُ الروح القدس واضحةٌ في العهـدِ الجديد ، لا تقبلُ لا الشكَ ولا النقاش.

الروح !
جاءَ في الأنجيل بأنَّ الروحَ يُحيي، وبأنَّ كلامَ الله هو ” روحٌ وحياة “(يو6: 63). فلا يُخيفُ ولا يؤذي (أع2: 2-4)، بل يُذَّكرُ بتعاليم الوحي ويُعَّـلم بإفهام معنى الوحي (يو14: 26)، و لاسيما يُرشِـدُ إلى الحَّـقِ كله (يو16: 13؛ أع 13: 2؛ 15: 28) ، ويكتشفُ كِذبَ الناس و نياتِهم الشريرة (أع 5: 3؛ 12: 8-11). ويقومُ بدورِ المُتـرجِم فيتفاهمُ بينهم مَن تختلفُ لُغاتُهم (أع2: 4-6). ويُنجِـدُ ضعفَ المؤمنين” لأننا لا نحسنُ الصلاة كما يجب “(رم8: 26 ). ويُوَّجهُ العملية التبشيرية (أع11: 12؛ 16: 6). ولما كان التلاميذُ ممـتلئين من الروح القدس كانوا يتصَّرفون بهدوءٍ ويُعلنون” كلامَ اللهِ برباطةِ جأش” (أع 4: 31). وبإيجاز كان دورُ الروح القدس وفعـلُهُ إيجابيًا وجـذّابًا حتى طمعَ سمعانُ الساحر، وكان مُستعّدًا أن يدفعَ للرسل أيَّ مبلغٍ يطلبون ، مُقابلَ أن يحصلَ على الأسقفية ليستطيعَ فـيمنحَ الروحَ للآخرين (أع8: 18-19).

أما مار بولس فيتحَّدث بتفصيل عن مواهبِ الروح وأساليبِ تجَّـلياتِه (1كور12: 1-11). ويُشَّدِدُ على أنها يمنحُها الروح ” لأجل الخير العام”، لتنظيم الخدمات اللازمة لحياةِ الكنيسة. وإذ يُعَّـدِدُ أنواعَ المواهب(1كور12: 8-10؛ 28-30) فهو يؤَّكدُ بأنَّ لكلِ مؤمن” نصيبَه منها لبنيان الكنيسة “(1كور14: 12، 26)، ويضمن لهُ ” البروالسلام والفرح ” (رم14: 17). فالروحُ قد حَّلَ في مَن قد نالَ سرَّ التثبيت بوضع الأيدي (أع8: 17؛ 13: 3). ونستدّلُ من هذا بأنَّ الروحَ هو الذي يُبادِر فيعملُ خلالَ الناس وليست رغبةُ الأنسان التي هي تستنزِلُهُ. اللهُ هو الذي يُرسلُ ” الى قلوبنا روحَ ابنِه “(غل4: 6). والكنيسة تقدرُ أن تطلبَ فيحُّلَ الروح على البعضِ لخدمةٍ عّامة. ولا يبدو أنَّ كلَّ من بادرَ فرَّتلَ ، حتى لو هَّوّس، يستجيبُ الروحُ لهُ. بالإضافةِ الى ذلك يُحَّذِرُ يوحنا الرسول قائلا: ” لا تركنوا الى كلِ روح. بل إختبروا الأرواح لتروا هل هي من عندِ الله ” (1يو4: 1) ؟.

هناكَ إذن : روحٌ و روح !
فعلا يشهدُ الأنجيل ، وبقُّـوة ، على وجود ” أرواحٍ نجسة ” أو روحٍ نجس وشّرير(مر1: 23؛ 3: 11، 30؛ 5: 2 ؛ 6: 7…). يدورُ الحديثُ عن ” روح أبكم وأصم يصرعُ انسانا فيزبدُ ويصُّكُ أسنانُه ويتشَّنج. يُلقيه في النار أو الماء. ويخبطهُ عنيفًا عندما يخرج منه (مر9: 17) ؛ ومتى يتحدثُ عن ممسوسين يسكنان القبور، شرسين (8: 28)؛ بينما يتحدث لوقا عن ممسوسٍ يُصرَعُ فيتعَّرى و يسكن القبور(8: 27)، ويُضيفُ مرقس أن الروحَ النجس يُرَّضضُ جسمه بالحجارة (5:5). وفي جميع الحالات يذكرُ الأنجيل أنَّ الروحَ النجس يخبطُ الممسوس بعنفٍ عندما يخرجُ منه. ويُصَّرحُ يسوع بالمقابل أن أمثالَ هذه الأرواح الشّريرة ” لا تخرُجُ إلا بالصوم والصلاة ” (مر9: 29) ، أى بقدرة الاهية وليس بالترتيل أوالحركاتِ البهلوانية !

رأيـي :
مع كلِ هـذه المُعطيات يجبُ أن نكون حذرين من تجَّمُعـاتٍ من هذا القبيل لأن النتيجة هي، كما يمكن أن نستنتجَ ، أقربُ إلى ما يحدثُه الروح الشرير وليس الروحُ القدس. فالعنفُ والتخَّـبطُ والأرتجافُ والسقوط وركلات الأطراف كلُّها تصَّرفاتُ الأرواح الشريرة ، كما شهدَ الأنجيلُ ، وتدُّلُ على حضورِها الفعَّال. وإذا آفترضنا أنَّ ما حدثَ كان طردًا فعلا للأرواحِ الشريرة فعندئذٍ نتساءَل من خَّوَلَ أولئك المُرَّنمين ليتغلبوا على إبليس وعملائِه ؟. هل يكفي أن يدَّعي الواحدُ أنَّـه يتصَّرف بآسم يسوع ؟ أو باسم الكنيسة ؟.

يروي لنا سفر أعمال الرسل الخبرَ التالي : كان المرضى يشفون بصلاة بولس والأرواح الشريرة تذهب. حاول بعضُ السحرة اليهود في أفسس عمل ذلك باسم بولس وإلاهِه ، ” فكانوا يقولون : عزمتُ عليكم بآسم الرب يسوع الذي يبَّشرُبه بولس. وكانَ لِسـقاوسَ أحدِ أحبارِ اليهود سبعةُ أبناء يحترفون حرفةَ الرقـاء (السحر). فأجابَهم الروحُ الخبيثُ : أنا أعرفُ يسوع ، وأعلمُ من هو بولس. ولكن أنتم من أنتم ؟. ثم وثبَ الرجلُ الممسوس إليهم فتمَّـكنَ منهم جميعا و قهرهم. فهربوا من ذلك البيت عُراةً مُجَّـرَحين ” (أع 19: 11-16). ولا يبدو في المشهد أن خبط البعض وسقوطَهم كان نتيجة < خروج الشيطان منهم >. لم يبقَ إلا التفكيرُ بأنَّ تلك الحالة تـبدو فقط كعلامةَ حضور الروح الشرير!!.

القس بول ربــان 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO