لمـاذا إختفى الجرسُ من القـدّاس ؟

لمـاذا إختفى الجرسُ من القـدّاس ؟

 

سألني مؤمنٌ كريم ، وبلطفٍ معهـود ، لماذا لا يقرَعُ الشماسُ بَعدُ الجرسَ أثناءَ القداس ، كما كنا متعَّـودين عليه ؟. كانا ينفعُنا جّـدًا ، لاسيما ليُحَّسِسَنا عندما نميلُ إلى النـومِ !!. سألنا الشماس فأجابَنا بأنَّ القس أمرنا بذلك. لماذا حرَمتَنا ، يا أبونا ، من جمال موسيقى الجرس ومن إيقاظِهِ لنا ؟.

 

الجـواب : أهلا بالسائلِ الكريم. أتمنى ألا يكون توقفُ الجرس قد سَّببَ لك إنزعاجًا كبيرا. وأبدأُ بالتأكـيد بأني لم آمر الشماس بإيقافِ الجرس ، بقدر ما أوضحتُ له قِـصَّة إستعمال الجرس : من أين آبتـدأ ، وكيفَ ، ولماذا ، وما هو الهدفُ الأصلي منه. ولما تبَّين للشمامسة ، وليس للشماس الواحد ، بأن الجرسَ لا يمُّتُ بصلة إلى الطقس الكلداني ، ولا يُقرَعُ كما ينبغي أى في الوقتِ المناسب وبالطريقةِ المناسبة ، إعترضوا قائلين : عرفنا إستعمالَ الجرس منذ أن فتحنا أعيننا، من عهدِ أجدادِنا. و ما دام أنتَ غيرُ مُقـتنعٍ به نُبطلُ إستعمالَه. وأبطلوهُ.

 

عــادةٌ وتقـليـد !
قالَ الشماس : هكذا رأينا. أى جرى تقليدُ إستعمال الجرس أبًا عن جّـد من عهدٍ طويل. ولكن الشماسَ أكَّـدَ من جهةٍ ثانية بأنَّه كان يقرعُ الصنوجَ في الآحاد والأعـياد ، أى في القداديس الأحتفالية ، بلا جرس حتى إلى عهدٍ قريب. والآن بطلَ استعمالُ الصنوج وحَّلَ محَّـلها الجرس. ولم يسألْ أحدٌ لماذا الصنوج أو لماذا الجرس. يعودُ الأمر إلى مزاجِ القس أو الشماس ، أو لأنه لا تتوفَّرُ الصنوج أو يجهلُ الشماس قرعَها. ولم يصدُر قط قرارٌ من جهةٍ رسمية مُخَّـولة لا بتـبَّني الجرس ولا بإلغاءِ الصُنج. إذن إستجَّدَ شيءٌ و آنقرضَ شيء بقدرةِ قادر لا أكثر: دون دراسةٍ ، دونَ إعلان هـدفٍ ، ودون تحديد طريقة الأستعمال. رأيناهُ في بيتِ غيرنا فأدخلناهُ بيتَنا دون أن نعرفَ إستعماله أو الهـدفَ منه.

 

 

أين ولماذا وكيف يُستعمل الجرس ؟
إنَّ الجرسَ يستعمِلُه اللاتين في القداس ، في أوقات محدودة ومُثَّـبتة ، وبطريقة خاصة ، و لهـدفٍ مُعَّيَنْ. يُقرَعُ الجرَسُ عندما يرفعُ الكاهنُ الجسدَ والـدم ثم عندَما يَضعُهما على المذبح، والجرس يدعو المؤمنين إلى السجودِ للقربان ثم للوقوف، ويُقرَعُ دقـتين أو ثلاثة مفصولة وبهـدوء. فالجرسُ كان إذن دعوة ً إلى الركوع ، ثم بعده إشارة إلى الوقوف.

 

أما في قداسِنا فيستعملهُ الموكول عليه في وقتِه وفي غير وقتِه. يقرعُه بعُنفٍ وطويلاً، وكأنه في ساحةِ الحرب يُشَّجعُ القتال وليس في الكنيسة يُساعِدُ على الصلاة ؛ ولم تسمحْ به أو تقَّرِرْهُ أو تُنَّـظِمْه أيـةُ سلطةٍ كنسية ! قلتُ يُقرَعُ الجرسُ أحيانا ” في غير وقتِه “. يُقرعُ مثلا عندما يتلو القس صلاة العشاءِ الرَّباني ويقول << هـذا جسدي >> و<< هـذا دمي >>. مع أنَّـهُ لم تتحَّــوَل بعدُ القرابيـن إلى جسد ودم المسيح. ستتـم الإسـتحالة فقط عند دعـوة الروح القدس. وهـذا بعكس الطقس اللاتيني الذي يُسَّبـقُ دعـوة َ الروح القدس على صلاة العشـاء الرباني و تتم الأستحالة مع الكلمات < هذا جسدي وهذا دمي >. والقسُ اللاتيني يرفَعُ بعد كلماتِ الأستحالة الجسدَ والدمَ لسجودِ المؤمنين. في حين يرفعُ الكاهنُ الشرقيُّ الجسدَ والدمَ لسجودِ المؤمنين عند الرفعةِ الثانية ، رتبةِ المزج ،التي ترمزُ،في القداس، إلى القيامة. و بجانبِ هذا يُلاحظُ المؤمنُ الكريم أنَّ مصاطبَ الكنائس اللاتينية تملكُ معها < مراكع >، في حين لا توجد مراكعُ في مصاطبِ الكنائس الشرقية ، والكلدانية خاصةً ، لأنَّ السجودَ في الروحانية الشرقية يعني إنحناءَ القامة الى الوسط وليس الركوعَ على الركب. فاذا وقف القس نقفُ نحن المؤمنين ، وإذا إنحنى ننـحني.

 

 

عامـل إيقــاظ !
إبتسمتُ لكلامِ مُحَّـدثي لما قال ” يُحَّسِـسُنا ” عندما يغفلنا النوم !!!. كان جوابي العفوي و المُباشر لهُ : لم نضعْ في كنائِسنا < مطارحَ > حتى ينامَ المؤمنُ. ثم إكتشفتُ من خلال حديثنا أنَّ عـددًا غيرَ قليلٍ من المؤمنين يغزوهم النومُ أحيانا أثناءَ القداس. وكان مُحاوري مُصّرًا على الخدمةِ الجزيلةِ والعظيمة التي يؤديها الجرسُ في هذه الحالات: ” الجرسُ يُنَّـبهُنا ويمنعُـنا من النوم “!.

 

قلتُ لمحاوري :” من ينامُ ” في الكنيسةِ من الأفضل ألا يأتيَ الى القداس. وأيَّ قـدّاس يُقـيمُ أو يحضرُ مؤمنٌ ينامُ ؟. ولكن قد لا يكون سببُ هذا < الغياب الغريب > عن القـداس مثل |> أطرش في الـزَّفـة <| فقـط كسلُ المؤمنِ أو جهلُهُ أو عدمُ جّـديتِه. حضورُهُ وحـدَه دليلُ إرادةٍ حسنة ورغبةٍ في المشاركة. هناك أكيدًا أسبابٌ أخرى. وهنا ينبري السؤال: كم يُلـبي القداسُ حاجة المؤمن، وكم يفهمُه ، وكم يشتركُ فيه بالتلاوةِ والترتيل ، حتى يندمجَ فيه ولا ينام ؟؟. إنَّ عاملَ اللغة مهّـمٌ جدًا ليُدركَ الحاضرون ما يُقالُ وما يجري. وعاملُ المشاركةِ أيضا مفروضٌ حتى لا يتحَّولَ الحاضرون إلى ” مُشاهدين كرام ” لفلم ٍ يُعرَضُ عليهم ، بل يكونوا أتباعًا مُشجعين جُـزءًا ، كما في ملعبٍ الكرة ، يتفاعلون مع ما يجري بهتـافاتِهم و تصفيـقِـهم و تشجيعهم. فالقداسُ لا يُقيمه القس وحـدَه. بل تُقيـمُه بقيادتِه الرعـيةُ كُلُـها.

 

مع ذلك حتى لو كان على قادة الكنيسة أن يُراعوا الظروف الراهنة ، الفكرية والأجتماعية ، ويُشركوا المؤمنين في القداس بشكل أفضل ، إلا إنَّ المؤمنين أيضا يجبُ عليهم أن يبذلوا جهودًا أكبر ليتثقفـوا دينـيًا وطقسيا ويتقَّـيدوا بالتعليمات ولاسيما أن ينتبهوا أكثر لما يجري ويتفاعلوا معه. فلا يأتوا إلى الكنيسة فقـط لأنَّ الوصية طلبت منهم ذلك. ولا لأنَّهم تعَّلموا ذلك من آبائِهم وأجدادِهم فـيُقـلدونهم حرفيًا ، جريا للعادة ، دون البحثِ عن إدراكِ ما يجري والأستفادة منه لتزيين حياتِـهم بنعـمِ الرب وإغناءِ سلوكِهم اليومي من روح المسيح.

 

على كلِ مؤمن أن يرى نفسَه في القداس على جبل الجلجلة ، مع مريم ويوحنا وبقية النساء ، يُعاين مأساة َ ذبيحةِ الصليب ، ثم يستقبلُ بشرى القيامة ، وأخيرا يجدُ نفسَه في ساحةِ المجتمع البشري شاهدًا ليسوعَ وأعمـالِه. فلا يهمُ عند ذلك لا الجرسُ ولا الصنجُ. يُهّـمُ فقـط الذوبانُ في شخص يسوع والأستحالة ُ إلى صورتِه في العالم. ولن ينامَ المؤمنُ بل يُنشِدُ ويُمَّـجدُ ويُسَّبحُ ، ويحجزُ لنفسِهِ مكانا في موكـبِ المسيح.

 

القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO