عــيد الصـلــيب المُـقَّــدس

  عــيد الصـلــيب المُـقَّــدس

الصليبُ قُـدرةُ اللـهِ وحِكمَـتُــهُ ! (1كور1: 24)
ورمزُ الإصغـاءِ والعـطاء !

 
الرسالة، 1كور 1: 18-31           لو 24: 13-35 ، الأنجيل

 
تحتفلُ الكنيسةُ بـعيد ” إرتفـاع الصليب “. وقد بـدأ هذا الأحتفـال ، بصورةٍ أولية ، منذُ القرن الرابع الميلادي بعدَ إكتشافِ عود الصليب المُقدَّس على يد القديسة هيلانة. ويتعَّلقُ الأحتفالُ بتكريس أول كنيسةٍ بناها قسطنطين الملك في القدس على الجلجلة حيثُ صُلبَ يسوعُ ودفن. تم تكريس الكنيسة سنة 335م. كانوا يحتفون بالصليب فيرفعونه في الكنيسة ويبقى منتصبًا مـدة أسبوع لسجودِ المؤمنين. ثم تمَّ في القرن السادس الميلادي تحديدُ يوم 14 أيلول عـيدًا للصليب ليفتخرَ به المسيحيون ويتشَّجعوا بهِ في ضيقِهم فيطلبوا بركاتِهِ وعـونَه ، ويتكلوا عليه في صمودِهم ضـدَّ قوى الشر، وبهِ ” نـدحرُ مُضايقـينا ” (مز44: 6).

 الصليب !لقد خذَلَ الصليبُ اليهودَ لأنهم كانوا ينتظرون للمسيحِ المجدَ والسلطانَ الدنيويين وثورةً تحريرية ضد الأستعمار(لو24: 21) ، فخابَ إيمانُهم ورفضوا موتَهُ الألـيم ” حاشا لك يا رب من هـذا المصير” (متى16: 22). وصار الصليبُ شَّكا وعـثرة للوثنيين إذ لم يحدُث في التأريخ أن يدَّعيَ أحدٌ اللاهوت ويقيمُ الموتى وتخضعُ له قِـوى الشر والطبيعة نفسِها وينتهي بالصليب الذي هو آلةٌ لعقابِ أخطرالمجرمين! لا صِلةٌ بين الصليبِ والحكمة والمنطق البشري. من الحماقةِ والجهلِ في نظرِ البشر القبول أو الأفتخارُ بالصليب. ولكن رغمَ ذلك يصرخُ مار بولس : ” ونحن ننادي بالمسيح مصلوبًا “(1كور1: 23) ويُضيفُ “و معاذَ اللهِ أن أفتخرَ إلا بصليبِ رَّبِـنا يسوع المسيح “(غل6: 14). كيفَ يُبَّررُ مار بولس هذا الموقف؟. لماذا يَشُّـذُ بولسُ عن قاعدةِ المجتمعِ البشري كلِه ، ويتمسَّكُ لا فقط بقبول الصليب بل بالأفتخار به ، وبهِ وحدَه ؟.

سبقَ بولسُ فآختبرَ هشاشةَ الحكمةِ البشرية وقُصرَ باعِها لأنَّ حكماءَ العالم لم يقدروا بحكمتهم أن يعرفوا الله كما هو، وما بعدَ الحواس ، فـضلَّـوا السبيل (1كور1: 21). وكذلك اليهود تاهوا في حكمتهم فلا عرفوا الله ولا عرفوا المسيح (يو8: 19و55؛ 7: 29)، وجهـلوا أيضا حكمةَ اللهِ ومنطقَه ،” ولو عرفوها لما صلبوا ربَّ المجد ” (1كور2: 9). وإيمانُ بولسَ ، والكنيسةِ عبر الأجيال ، لا يستندُ إلى حكمةِ الناس ” بل الى قـدرةِ اللهِ ” (1كور2: 5). وقـدرةُ الله هي” حكمتُهُ السّرية ” الخفية عن البشر وقد تجَّلت في ” الكلمة الألهية ” يسوع المسيح. وأرادَ اللهُ في حكمتِه وقدرتِه ان يُخلصَ البشرية على عود الصليب ليُبرهنَ عن حُّبهِ العظيم للأنسان حيثُ مثَّلَ الأنسانية الخاطئة من جهة ، فدفعَ ثمنَ آثامِها، ورحمةَ اللهِ الفائضة من أخرى لما أعلنَ من فوقِ آلةِ ألمِهِ التكفيري الغفرانَ لكل الناس الخطأة والجهلة.

 

أصبحَ الصليبُ هكذا علامة قدرةِ الله الذي قبلَ مأساةَ الألم والصلب وصمد في الشهادةِ للحق (يو 18: 37) ولم يتراخَ أو يتخاذلْ ويتـفقَ مع الشرِ والجهلِ والإرادات الفاسدة ، من أجل مكسبٍ دنيوي يزول. مَن مثلَ المسيحَ صمدَ على الحَّق وقبلَ بمحضِ إرادتِه (يو10: 18) أن يموتَ عن غيرِه ؟. ومن مثله أوقبْلَهُ غفـرَ لمن أهانوه وشَّوهوا سُمعَته ؟. والغفـرانُ يجري من نبعِ المحَّبة ويصدُرُ عن قوَّةِ ارادة مستقيمة. كان بإمكان الله ان يكتفيَ بإعلان الغفران دون الألتجاءِ إلى آلام الصلب. ولكن العدالة الألهية كانت تُطالبُ بإدانةِ الشر وغسلِ وسخِهِ بتوبةٍ وتكفير. لأنه معروفٌ أنه ” لا غفران بدون إراقةِ دم” (أح8: 15؛ عب 9: 22). فبالصلب نالتْ ” كلُ معصيةٍ ومخالفة جزاءًا عادِلا ” (عب2:2)، وطُهِرَت ” القلوبُ من سوءِ النية ” و غُسِلت ” الأجسادُ بماءٍ طاهر” (عب10: 22).

حكمـةُ الصليـب !هذه كانت حكمةُ الله وقدرتُه فحَّققها الأبنُ المسيح لما قال :” هاءَنـذا آتٍ، اللهُّمَ، لأعملَ بمشيئَتِكَ ” (عب 10: 5). وفي قمةِ معركةِ قبول الآلام أو رفضِها قالَ أيضا :” إنْ شئتَ فآصرِفْ عني هذه الكأس، ولكن لتكن مشيئَتُك لا مشيئتي”(لو22: 42). والصليبُ هو النتيجة الحتمية لهذا الإصغاءِ إلى مشيئةِ الله والطاعةِ لها. وعرفَ يسوعُ هذا مُسَّبقًا وقَّررَ ان يتحَّمَلهُ مع كل تداعياتِه ” فأطاع حتى الموت ، الموتِ على الصليب” (في2:2)،” إننا صاعدون الى أورشليم. سيُسَّلمُ ابنُ الأنسان …ليسخروا منه، و يجلدوه و يصلبوهُ.” (متى20: 18-19). تمَّرَدَ آدمُ الأول على الله ولم يخضع له (تك3: 6). أما هنا فرغم هول المأساة المؤلمة أصغى آدمُ الجديد الى الله ، وقبلَ آلامَ الصليب بوعيٍ وارادة حُّرة. وبإصغائِه أعطى الأنسانية ما خسرته جراء المعصية، وأضافَ إليها فأفاضَ عليها روحَه القدوس ليُنيرَه ويُرشِدَه ويعضُدَه في سواءِ السبيل.  

هكذا يكونُ الصليبُ علامة الإصغاءِ إلى الله و وسـيلةَ إعـطاءِ الروح القدس. كانت البشرية في وضع مأساوي. لقد خسِرَت إمتيازات الله والراحةَ التي يوفرها ، ولم تستطع أن تضمنها لنفسِها بنفسِها ، ولم يكن هناك مَن يستطيعُ أن يتوسطَ بينها وبين الله. لم يكن هناك من يستطيعُ أن يدفعَ ثمن الخطيئةِ الباهظ. ولم يتنازلِ اللهُ عن الأنسان. فقَّررَ أن يتأنسَ هم نفسُه ويفـتديَه فـيدفع عنه قصاصَ الخطيئة وأن يضمن له بذلك الغفران فالعودة إلى نعيمِـه مُضيفا إليه ” نعمةً فوق نعمة ” (يو1: 16). ولم يكن قادرًا على تحقيقِ هذا غيرُ الله ، ولأنه يبقى هو وحدّه الذي أحَّبَ الأنسان ” إلى أقصى حدودِ الحب “(يو13: 1) فـ ” بلغَ اللهُ من حُّبِهِ للعالم أنه جادَ بآبنِهِ الواحد ، … لكي يُخَّلصَ بهِ العالم “(يو3: 16-17).

 

وهل توجدُ محَّبةٌ أو قدرة أعظم من هـذه ؟. وهل إستطاعَ أحدٌ أن يفعلَ هذا غيرُ الله ؟. إنَّ البشرَ غيرُ قادرين على السماحِ لبعضهم ، وغير قادرين أن يحُّلوا سلميا مشاكِلَهم الزمنية ، وحكمتُهم اليوم تنتهي بجهالةٍ وحماقة بعدَ أيام. لأنَّه لا إنسانٌ على الأرض يملكُ العلمَ الأبدي أو لهُ الحُّبُ الأسمى. وإذا كان الله قد إختار الصليبَ فـلأنه نبعُ الحكمةِ والحب و رأى أنَّه ” السبيلَ الوحيدَ و الأمثلَ والأفضل ” ليـفهمَ الأنسانُ اللهَ ويعرفَهُ على حقيقتِه فيُصغي إلى كلامِهِ ويتعَّلمَ منه أن يُعـطيَ بدورِه ما أخـذَهُ من اللـهِ نفسِه.

كلُ واحد منا صليـب !وختامًا لنتأملْ الأنسان والكون. فلو وقفَ أيُّ واحد منا على رجليهِ في الشمس ومَّدَ ذراعيه يرى ظّلهُ مثل صليب ، بمعنى أن جسمَه له هيئة صليب. وهكذا الكون له أربعة أبعـاد : الشـرقُ و الغرب ( أُفُـقيا ) ، والشمالُ والجنوب ( عموديًا) ؛ والفصولُ أيضا أربعة ، والعناصرُ التكوينية اربعة : النار والهواء والتراب والماء. وكلُ هذه ” صُلبانٌ ” من صُنعِ الله. فلم يكن لا غريبًا ولا صعبًا أن يفديَها من ضلالِها ويُعيدَها إلى جأدةِ الحق بصليب آخر يُكونُه الفكرُ والقلب ، الأرادةُ و المحَّـبة. وهذا هو إيمانُ الكنيسة لأنَّنا بصليبِ المسيح تحَّوَلنا كُلنا إلى صلبانٍ كما قال الرسول : ” وأصبحتُ أنا مصلوبًا بِهِ عـندَ العالم ” (غل 6: 14). وبصُلبانِـنا نُـتّـمُ ” في أجسادِنا ما نقُصَ من آلامِ المسيح في سبيلِ جسدِه الذي هو الكنيسة “(كو1: 24) ونُجاهِدُ “بفضلِ قدرتِهِ التي تعملُ فينا بقُّـوة “(كو1: 29) فنُصبحَ بدورنا : ضد الشر قـدرةً ، ولبناء العالم محَّبـةً.القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO