رسالة الزائر الرسولي الجديد لكهنة أوربا

رسالة الزائر الرسولي الجديد لكهنة أوروبا: “ما أجمل الكاهن الذي يصلّي، طوبى له…”
الأب ألبير هشام – مسؤول إعلام البطريركية الكلدانية: وجّه الزائر الرسولي الجديد لأوروبا، سيادة المطران مار رمزي كرمو، رسالةً
إلى كهنة أوروبا المجتمعين حاليًا في مطرانية الكلدان في اسطنبول مع غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو لغاية 12 أيلول الجاري. وركّز سيادته في الرسالة على الكاهن رجل الصلاة، ثمرة خبرته الطويلة ككاهن وأسقف. وإليكم نصّ الرسالة

طهران 5/9/2013

إخوتي كهنة الكنيسة الكلدانية في أوروبا

سلام الرب معكم ونعمته ترافقكم
يسرّني وأنا أباشر مسؤوليتي الجديدة كزائر رسولي لأبناء وبنات كنيستنا الكلدانية في أوروبا، أن أبعث إليكم بهذه الرسالة لكي أعبّر عن شكري العميق لله الذي اختارني عن طريق كنيسته المقدسة لكي أقوم بهذه الخدمة رغم
عدم استحقاقي لها، إنني أعتبرها نعمة مجانية وهبني إياها لكي أستثمرها في كرمته على أمل أن تعطي ثمارًا جيدة تؤول إلى مجده أولاً ونشر ملكوته في عالمنا المضطرب ثانيًا.
كذلك أقدم شكري إلى قداسة البابا مار فرنسيس الأول وإلى أخوتي الأساقفة أعضاء السينودس
الكلداني وعلى رأسهم غبطة أبينا البطريرك مار لويس روفائيل الأول على ثقتهم وانتخابهم
لي لهذه الرسالة المقدسة

أخوتي الأعزاء، إن خبرتي ككاهن لمدة21 سنة وكمطران لمدة 17 سنة علمتني درسًا واحدًا فقط وهو: درس الصلاة. لا أبالغ أبدًا إذ قلت بأن الصلاة هي من أهم الخبرات التي يجب على كاهن كرّسَ نفسه لخدمة الانجيل أن
يكتسبها ويتحلّى بها. من دونها يفقد الكاهن نشاطه الرسولي وفرحه الروحي ويصبح صيدًا سهلاً لمغريات العالم وتجارب الشيطان. الصلاة قبل كل شيء هي نعمة مجانية، من خلالها وبواسطتها يكشف الله لنا حبّه اللامتناهي لكي نختبر ونلمس حضوره السرّي والحقيقي في حياتنا اليومية. الصلاة هي أيضًا أهمّ عمل يقوم به الروح القدس في قلبنا، إنه المعلم الأول للصلاة، من دونه لا نعرف أن نصلّي كما يقول بولس الرسول، إنه هو الذي يصلّي فينا
ومعنا ويعلّمنا أن نقول: “أبّا، يا أبتِ، وهذا الروح نفسه يشهد مع أرواحنا أننا أبناء الله” (روما 8/15-16). الصلاة النابعة من القلب بقوة الروح القدس، تعلّمنا فنّ الحياة مع الله، ولهذا يمكننا القول

ما أجمل الكاهن الذي يصلّي، طوبى له، لأنه اختار النصيب الأفضل والذي لا يُنزع منه أبدًا. “وكانت مرتا مشغولة بأمور كثيرة من الخدمة، فأقبلت وقالت: يا ربّ أما تبالي أن أختي تركتني أخدم وحدي؟ فمرها أن تساعدني، فأجابها الربّ: مرتا، مرتا، إنكِ في همّ وارتباك بأمور كثيرة. مع أن الحاجة إلى أمر واحد فقط، فقد اختارتْ مريم النصيب الأفضل ولن يُنزع منها” لوقا 10/40-42

ما أجمل الكاهن الذي يصلّي، طوبى له، لأنّه اكتشف أهمّ أولويات رسالته الكهنوتية والراعوية وهكذا ينجو من خطر كبير جدًا وهو أن يصرف وقته الثمين ويضيعه في نشاطات وفعاليات ليست مطلوبة منه وليست من جوهر وصلب رسالته المقدسة. “في تلك الأيام كثُر عدد التلاميذ، فأخذ اليهود الهلينيون يتذمرون على العبرانيين لأن أراملهم يهملن في خدمة توزيع الأرزاق اليومية. فدعا الاثنا عشر جماعة التلاميذ وقالوا لهم: لا يحسن بنا أن نترك كلمة الله لنخدم على الموائد. فابحثوا أيّها الإخوة عن سبعة رجال منكم لهم سمعة طيبة، ممتلئين من الروح والحكمة، فنقيمهم على هذا العمل، ونواظب نحن على الصلاة وخدمة كلمة الله” (أعمال 6/1-4

ما أجمل الكاهن الذي يصلّي، طوبى له، لأنه يكتشف يومًا بعد يوم بأن غناه الحقيقي هو يسوع المسيح نفسه، ولهذا لا تغريه ثروات العالم ولا ينجرّ وراءها ولا يقع في فخاخها. “كان بطرس ويوحنا صاعدين إلى الهيكل لصلاة
الساعة الثالثة بعد الظهر. وكان هناك رجل كسيح من بطن أمّه يحمله بعض الناس ويضعونه كلّ يوم على باب الهيكل المعروف بالباب الحسن ليطلب الصدقة من الذين يدخلون الهيكل.
فلما رأى بطرس ويوحنا يوشكان أن يدخلا، التمس منهما الحصول على صدقة، فحدّق إليه بطرس وكذلك يوحنا ثم قال له: انظر إلينا. فتعلقت عيناه بهما يتوقع أن ينال منهما شيئًا. فقال له بطرس: لا فضّة عندي ولا ذهب ولكني أعطيك ما عندي: باسم يسوع الناصري امشِ”(أعمال 3/1-6

ما أجمل الكاهن الذي يصلّي، طوبى له، لأنه يعرف أن جسده هو هيكل الروح القدس ويغذّيه يوميًا يجسد ودم الفادي من خلال احتفاله بالقداس الإلهي، ويجعل منه وسيلة لتمجيد الله، ولهذا لا يسمح لنفسه أن يستعمله لإرضاء
الرغبات والشهوات التي تحطّ من قيمته وتشوّه جماله وتحوّله إلى أداة للرذيلة التي تبعث على الشكوك وتُفقد الكاهن مصداقيته. “أما تعلمون أن أجسادكم هي هيكل الروح القدس، وهو فيكم وقد نلتموه من الله، وأنكم لستم لأنفسكم؟ فقد اشتريتم وأُدّي الثمن. فمجّدوا الله إذًا بأجسادكم” (1 قورنتس 6/19-20

ما أجمل الكاهن الذي يصلّي، طوبى له، لأنه يدرك جيدًا أن فضيلة التواضع هي أساسية لكي تثمر رسالته ويتمجّد الله بأعماله، لذلك فإنّه لا يستعمل السلطان الذي وهبه له سرّ الكهنوت المقدس لإذلال الناس واخضاعهم إلى ارادته الشخصية، بل يخدمهم مجانًا على غرار المعلم الإلهي والكاهن الأبدي يسوع المسيح الذي قال: “إنّ ابن الانسان لم يأتِ ليُخدم، بل ليخدُم ويفدي بنفسه جميع البشر” (متى 10/45

ما أجمل الكاهن الذي يصلّي، طوبى له، لأنه يختبر بصلاته الفرح الحقيقي والدائم الذي هو ثمرة الإصغاء إلى كلام يسوع والعيش بموجبه. فرح لا تستطيع أن تنزعه عنه كل القوى الدنيوية المعادية. نعم، إن الصلاة النابعة  من القلب تحفظ الكاهن من الإصابة بمرض الكآبة واليأس والاحباط. “يا أبتِ القدوس، أما الآن فأنا ذاهب إليك، ولكني أقول هذه الأشياء وأنا في العالم ليكون فيهم فرحي التام” (يوحنا 17/13). “قلتُ لكم هذه الأشياء ليكون بكم فرحي فيكون فرحكم تامًا” (يوحنا 15/11

ما أجمل الكاهن الذي يصلّي، طوبى له، لأنه يشبه كما يقول المزمور “شجرة مغروسة على مجاري المياه، تعطي ثمرها في أوانه، وورقها لا يذبل” (مزمور 1/3). يطيب لي أيضًا أن أستشهد بما قاله غبطة أبينا البطريرك
عن أهمية الصلاة في لقائه راهبات العراق مؤخرًا، قال غبطته: “لا خوف على الراهب الذي يصلّي”، وأنا أقول، ضامًّا صوتي إلى صوته: لا خوف على الكاهن الذي يصلّي، طوبى له

وأخيرًا أودّ أن أختم هذا التأمّل البسيط عن الصلاة على ضوء الإنجيل المقدس، بالتذكير بما قاله بندكتس السادس عشر في إرشاده الرسولي حول “الكنيسة في الشرق الأوسط، شركة وشهادة”، الفقرة 82: “أكدت الجمعية الخاصة لسينودس الأساقفة من أجل الشرق الأوسط بشدة على ضرورة الصلاة في حياة الكنيسة، كي تترك هذه الأخيرة ربّها يبدّلها، ويتيح كل مؤمن المسيح يعيش في داخله (راجع غل 2/20). إن فعالية رسالة الكرازة بالإنجيل والشهادة تجد في الصلاة مصدرها، كما أظهر يسوع نفسه عندما اختلى بذاته للصلاة خلال الأوقات المصيرية من حياته. فبواسطة الانفتاح على عمل روح الله، ومن خلال الصلاة الشخصية والجماعية، يُدخل المؤمن إلى العالم غنى المحبة ونور الرجاء اللذين بداخله (راجع روم 5/5). فلتنمُ الرغبة في الصلاة لدى رعاة شعب الله ولدى المؤمنين، كي يبقى تأملهم بوجه المسيح مصدر وحي على الدوام لشهادتهم وأعمالهم

لنصلّ ونطلب من الروح القدس بإلحاح وحرارة أن يمنحنا جميعًا: أساقفة، كهنة، رهبان، راهبات وكافة المؤمنين أبناء وبنات الكنيسة المقدسة نعمة الثبات في الصلاة الفردية والجماعية حتى النهاية. آمين

أخوكم رمزي كرمو

الزائر الرسولي

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO