الأحــد الثالث لأيـليـا

الأحــد الثالث لأيـليـا

 

 

 
الأيمــان بــذرةٌ إلهـية تُحَّـولُ البشريَ إلَهــيًا !

 

يُتـلى علينا اليومَ إنجـيلُ-::< متى 13: 24-43 >::- مُكَّمِلاً قراءَة َ الأحدِ الماضي عن الزرعِ والحقل الذي يستقبلُهُ. هذه المَّرة يدورُ الحديثُ عن الزؤان المزروعِ ، من قِبَلِ العدُّو، بين القمحِ الذي زرَعَهُ صاحبُ الحقل في الأرضِ الجَّيـدة. فالزرعُ الجَّيدُ المـبذورُ يُتابعُ نُمـُّوَه ، يحملُ القمحَ و يمـتَّدُ نحو إعـطاءِ ثمره بالحصاد الذي ينتظرُهُ. يظهرُ بينهُ فجـأةً الزؤانُ المشؤومُ والمَرفوضُ من صاحبِ الحقل. يفكِرُ الُّعُّمالُ ويقترحون تنـقية الحقلِ، عملية البزل بالقضاءِ على الشّريرمن أصلِهِ ، بآستئصالِ نبتأت الزؤان. لكّن صاحبَ الحقل يرفُضُ الفكرة َ ويُقَّـرِرُ إبقـاءَ الزؤان، هذا الشرير المُفسِد ، حمـايةً للقمحِ الذي يتعَّـرضُ بتلكَ العملية إلى خطرِ الإقتلاع أو الدهسِ. إنَّ كلا النبتتين متجاورتان وجذورَهما متشابكـة ٌ في نفسِ التُــربة. و عمليةُ التخَّلُصِ من الشِّرير تُكَّـلفُ غاليًا ، وهي أخطرُ على القمحِ من نمُّوِهما معا. ولا يقدرُ الزؤانُ أن يمنعَ القمحَ من أن يتغَّذى من التربةِ أو أن يتمَّـتع بأشعةِ الشمس. فالحصادُ أفضلُ زمن وأضمنُه للقضاءِ على الفسادِ والمفسِدين، وذلكَ بفصلِهما عن بعضِهما ، و أيضًا دون وجودِ خطـرِ هـلاكِ القمحٍ .
بجانبِ الزؤان يُحَّـدِثُنا الأنجيلُ عن مَثَـلَي ” حَّـبةِ الخـردَل ” و ” الخمـيرة “. نحاولُ اليومَ أن نتأمَلَ فيها من زاوية إيحاءاتِها الأيمانـية.

حَّــبَةُ الخـردَل ! |< آيات 31 و 32 <|

قالَ الأنجيل عن الخردل أنَّ ” حَّـبَهُ أصغرُ الحبوب ، وينمو فيُصبحُ أكـبرَ البقـول ، بل يُجاري شُجـيرةً تُستظِلُ الطيورُ أغصانَها”. بغَّضِ النظرِعن فوائِدِها الطبية أومساوِئِها ، بل علاوةً عليها، تدعونا هذه النبتةُ الى التأمُلِ في هذه المّيزاتِ، الأيجابية خاصةً ، التي تُـبديها والتي مَدَحها الرَّبُ حتى شَّبَهَ بها ملكوتَه. حَّبةُ الخردل لا يكبرُ حجمها. إنما فعلُها هو الذي يعظمُ. تملكُ تلكَ الحبَّة الصغيرة قُّـوةً حياتية عظيمة وضعها فيها الخالقُ لتؤديَ للخليقةِ خدمَةً لا يؤديها غيرها. عملٌ يحتارُ أمامه الأنسان ويندهشُ أمامَ حكمةِ صانعِها. وما تُثمرُه ينفعُ غيرَها فقط ، أما هي فتبقى حَّبةً صغيرة !. وما تُعطيهِ للبشر هو من اللهِ خالِقِها ، لا من عندِها !.

هكذا ملكوتُ الله. فإنَّ بذرةَ الملكوت ، الأيمـان، مثل الخردلِ صغيرةٌ جدًا. لكَّنها حَّـية تتَّسـعُ وتتسِع حتى تغزو قلوبَ البشر وتُدهشُ أذهانَهم فتجذبُهم جذبًا ليتمتعوا بالراحةِ في ظلِها. ويكثُرُ رُّوادُها ويتضاعفون إلى أن يُصبحوا قطيعا ، رعّـيةً ، كنيسـةً تأوي إليها النفوسُ التعبانة لتلقى عندَها الراحةَ والأمان (متى11: 28). الكنيسةُ هي ملكوتُ اللـه على الأرض. الكنيسةُ تزرعُ بـذرة الأيمان و تُنَّمـيها. فالأيمان بذرةٌ صغيرة لكنَّ أعمالَه كبيرة. الأيمانُ قـناعـةٌ تتـكون في ضمير إنسان فرد ، وقبولٌ شخصيٌّ للمسيحِ إلاهًا ومُخَّـلصًا. لكن مردودَ الأيمان يشملُ المجتمعَ البشري كله. لأنَّ الأيمان يُترجَمُ في السلوكِ اليومي. والتصَّرفات الفردية تُجَّسـدُ الأيمان العام الشامل وتَخلقُ جَّـوًا من الراحةِ والطُمأنينة، أو القلق والخوف، تُؤَّثـرُعلى حياةِ الناس.

فمن آمن بالمسيح وعاش في المحبة والإخـاء والسلام يُسَّهلُ الظروفَ الأجتماعية لعيش هانئٍ رغيد. ومن سامَحَ وبذّلَ وصبرَ يُساعِدُهُ على الرُّقي والتقدم. فالأيمانُ الفاعل بالمًّحبة (غل5: 6) يُوصلُ الى البشر بركاتِ الله وخيراتِه ويُثَّـبتُ أُسُسَ ممـلكةِ اللهِ على الأرض. فبالأعمالِ الصالحةِ للأنسان يتمَّجَدُ الله (متى5: 16). لأنَّ اللهَ “خلقنا في المسيح يسوع للأعمالِ الصالحة التي أعَّـدَها بسابقَ إعدادِهِ لنُمـارسَها “(أف2: 10). هَّـمُ المؤمن أن يَخلصَ لا فقط هو وحدَه بل أن يصلَ الخلاصُ إلى كلِ إنسان في الكون، لأنَّ ” نعمةَ اللهِ ، ينبوعَ الخلاصِ لجميعِ الناس، قد تجَّـلت في المسيح .. ويجعَلنا شعبَهُ الخاص الحريصَ على الأعمالِ الصالحةِ “(طي2: 11-14). لأن الحياةَ عند المؤمن هي ” المسيح “، ويتخلَّقُ بأخلاقِ المسيحِ نفسِه ، ومثلهُ ” لا ينظرُ الى منفعَتِهِ بل الى منفعةِ غيرِه ” (في2: 4). فما يجودُ به ليس مُلكَه الخاص بل هو مُلكُ الله أفاضَه عليه ليخدمَ ، بواسِطتِه، الخيرَ العام.

 

الخمـــيرة ! |< الآية 33 >|

أما عن الخمـيرة فتقولُ معاجمُ اللغة عن فعل ” خَمَرَ = ستَرَ، كتَمَ”. و “خَمِرَ= توارى، إستَتَرَ”. و”خُمِرَ عنهُ الخبَرُ= خَـفيَ”. وكُلُ المعاني تجتَمعُ في عملية التواري عن الأنظاروالعمل خِفْـيـةً. وبجانبِ العمل في الخفاء تُعَّرَفُ الخميرةُ بـ ” مادة كيمياوية قادرة على تحويلِ الموادِ العُضوية. ثُحَّولُ مثلاً سُّكرَ الحليب الى حامضِ لينـيك ، أى اللبن. وتُحَّـولُ السوائلَ السُّـكرية إلى ســوائلَ كحـولية “. بإيجاز: ميزةُ الخميرةِ أنْ تعملَ في الخـفاء لتحويل الموادِ من نوعٍ إلى آخـر.

هـذا هو الأيمـانُ الحقيقي : أن يعملَ في الخـفاء ليُحَّوِلَ البشرَ إلى آلِـهَـة. ” قلتُ إنَّكم آلِـهَة ” (مز 81: 6 ؛ يو10: 34). لأنَّ ” الكلمةَ – ابن الله – صارَ بشَرًا وسكنَ بيننا ..والذين قبلوهُ أعطاهم أنْ يصيروا أبـناءَ اللـه “(يو1: 12-14). هذا هو هدفُ التجَّسُد: دعـوةُ الأنسان، الذي هو صورةُ الله (تك1: 27) إلى أن يُصبحَ إبـنًا له :” أرسلَ اللهُ إبنَهُ.. ليفتديَ.. فنحظى بالتبَّني… فلستَ بعدُ عـبدًا بل إبنٌ..” (غل 4: 4-7؛ رم8: 14-17). لقد إتخَّذ المسيحُ طبيعَتنا البشرية ليُحَّولَـنا إخوةً لهُ وبالنتيجة أبـناءَ للـه. وإذا أصبحنا بالأيمان واحدًا مع المسيح وآمتزجتْ حياتُه كالخميرةِ في حياتِنا (غل1: 20)، فأصبحت الحياةُ عندنا هي المسيح (في1: 18) و تخَّلقنا بأخلاقِهِ (في2: 5) نكون عندئذٍ قد تحَّولنا الى المسيح الأله. يكون المسيحُ قد غَّـيرنا إلى نوعٍ آخر. فخميرةُ الأيمان بالمسيح تُغَّيرنا وتُحَّولنا إلى آخرين ، الى المسيحِ نفسِه !.

وهـذا التحويلُ والتغييـرُ لا يتمُّ بقرع الطبول أو المُـناداةِ في الساحاتِ العّامة. بل يتمُ كلُ شيءٍ في الخفية ، : ” إذا تصَّدقتَ فلا تـدعْ شمالَك تعلمُ ما تفعلُ يمينُك.. ، .. وإذا صَّليتَ فآدخُلْ مُخـدَعَك .. وصَّلِ لأبيكَ في الخفية..،.. وإذا صُمتَ فآدهُنْ رأسَكَ.. فلا تظهر للناس.. بل لأبيك الذي يرى في الخفية ” (متى 6: 1-18). الأيمانُ ضدَّ المُراءات والنفـاق (متى23: 1-36)، وضد العنف (متى6: 38-42) ، وضد المنافسةِ والعجب (في2: 3)، وضد الأنانية (متى7: 12 ؛ 16: 24-26). الأيمان يخدمُ بوعي وتواضع إقتداءًا بالمسيح (يو13: 15 ؛ في2: 3-8) ولأجلِ نمُّوِ المسيح من خلالِ المؤمن :” لهُ يجبُ أن ينمُوَ ولي أن أنقُصَ ” (يو2: 30).

فللأيمان كالخميرة قُّـوة داخلية سـماوية تعملُ أعمالَ الله. أما قال الرب :” من آمن بي يعملُ هو أيضا الأعمالَ التي أعملُها. بل يعملُ أعظمَ منها ” (يو14: 12)؟. أما أقامَ بطرُسُ مَّـيِتًا (أع9 : 40) ؟ وكذلك بولس (أع 20: 9-12)؟. لأنَّ المؤمن لا يتكلُ على قوتِه البشرية بل على عملِ الله :” يا ابن إبليس، ويا عدو كل بر.. ستضربُكَ يدُ الله فتعودُ أعمى لاتُبصرُالنور.”(أع13: 10-12)؛ و يستندُ الى وعد المسيح بالأستجابة فيدعو بآسمِه : ” أعطيكَ ما عندي: بآسم المسيح يسوع الناصري إمْشِ ” (أع3: 6). فالأيمان عملَ خِفْـيةً كالخميرةِ في حياةِ الرسل والمؤمنين فتحَّولوا في سيرتِهم إلى مسيحٍ آخر يعملُ فيهم لخلاصِ العالم. عملَ بـذرةً إلـهية في حياةِ البشر
فحَّولَ حياتَهم إلى عملٍ الهــي.

 

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO